بسم الله الرحمن الرحيم
د. سيف الدين حسن العوض
safeelawad@gmail.com
رداً على مقالي السابق بالأمس في موقع سودانايل بعنوان: الجامعات تهب للمساهمة في إعادة إعمار السودان، كتب ابننا العزيز عماد أبوبكر متسائلاً ومتعجبا وحق له ان يتساءل ويتعجب، دعونا بداية نورد ما جاء في رسالته ومن ثم نرد عليه بايجاز غير مخل والله الموفق.
بداية سأل أبننا عماد أبوبكر وهي طالب بجامعة السودان العالمية يدرس تخصص في علوم الحاسوب: هل لدينا بنية بحثية حقيقية أم مختبرات معطلة وتمويل شحيح ونشر علمي محدود؟ وهل لدينا نظم جودة واعتماد صارمة أم شهادات تُمنح مع حد أدنى من المعايير؟ وهل لدينا استقلال أكاديمي وإداري أم تبعية للمحاور السياسية والولاءات؟ وهل لدينا هيئة تدريس مستقرة ومؤهلة ومتصلة بالعالم أم نزيف هجرة، وتكليف فوق الطاقة، وبيئة لا تشجع البحث؟
ثم كتب قائلاً: مقالك يتحدث عن ”دور الجامعات في إعادة الإعمار“ وكأن الجامعات السودانية جاهزة علمياً وإدارياً لتقود عملية بحجم دولة خارجة من حرب. هذا افتراض غير واقعي، لأن الجامعات نفسها تعاني من أزمة عميقة في الجودة والحوكمة والمخرجات، وهي تحتاج إلى إصلاح جذري قبل أن تُقدَّم بوصفها ”بيت خبرة“ يقود إعادة البناء.
ويضيف ابننا العزيز عماد أبوبكر: جوهر المشكلة: النظام التعليمي الحالي في السودان ينتج في كثير من مساراته شهادات أكثر مما ينتج كفاءات. هذا ليس نقداً للطلاب، بل إدانة لبنية تعليمية تُكافئ الحفظ والنجاة من الامتحان أكثر مما تُكافئ المهارة والتفكير والتحقق والعمل الميداني. وإعادة الإعمار تحديداً لا تُدار بالعموميات، بل بالكفاءات المهنية الصارمة والمعايير والقدرة على التنفيذ.
وينتقدنا الابن العزيز عماد أبوبكر وهو يكتب: مقالك لا يضع في حسابه التحول السريع في سوق العمل بسبب الذكاء الاصطناعي. خلال فترة وجيزة ستنخفض قيمة كثير من الأعمال الروتينية التي كانت تغطي ضعف التدريب والمهارات، وسيظهر الفرق بوضوح بين خريج يمتلك أدوات التفكير والتحليل والبيانات والتقنية، وخريج لا يمتلك سوى معلومات نظرية. تجاهل هذا التحول يجعل الحديث عن ”تعويل وطني“ على الجامعات أقرب للأمنيات منه لخطة واقعية.
ويضيف ابننا العزيز عماد أبوبكر بالقول: لا يكفي أن نقول إن الجامعات يجب أن تقود الإعمار. الواجب الأول هو إعادة هيكلة التعليم نفسه، وإصلاح الحوكمة، وفرض معايير جودة واعتماد، وربط البرامج بالتدريب والمشاريع الحقيقية، وبناء قدرة بحثية تطبيقية، وإدخال المهارات الرقمية والبيانية والذكاء الاصطناعي كحد أدنى. بدون ذلك ستظل الجامعات تُنتج مخرجات لا تواكب مرحلة الإعمار ولا سوق العمل، وسيظل الخطاب أعلى من القدرة.
ونرد على الأبن العزيز عماد أبوبكر قائلين: بداية نثمن ردكم الجميل ونقدكم البناء، وتساؤلكم المشروع، كما نشكركم على اضافاتكم الثرة وحديثكم النابع من القلب من اجل سودان معافي وصحي، ولكن صحيح أن الجامعات السودانية في ظل هذه الحرب المفروضة تعيش بين الألم والأمل؛ إذ تمثل الألم في فقدان عدد من كوادرها وطلبتها الذين استشهدوا خلال الحرب والعدوان الغاشم من مليشيا آل دقلو واعوانها في الداخل والخارج، بالإضافة إلى الخسائر الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية لعدد كبير من الجامعات في المناطق التي دنستها المليشيا المتمردة، من مبانٍ ومختبرات وتجهيزات، فضلاً عن الخسائر في المكتبات والمعدات والأجهزة.
ولكن مظاهر الأمل تجسدت في أنه رغم كل ذلك فالكثير من الجامعات في السودان الحكومية منها والخاصة لم تتوقف تماماً، حيث تمكنت غالبيتها إن لم يكن جلها من استكمال الفصول الدراسية الأول والثاني للعام الأكاديمي 2022–2023م، والفصول الدراسية كذلك للعام الأكاديمي 2023–2024م، بل وشرعت جلها في تدريس العام الأكاديمي الحالي 2024- 2025م، من داخل مبانيها في العاصمة الوطنية ام درمان ومن العاصمة السياسية الخرطوم، رغم الظروف الاستثنائية، ووصلت نسبة تسجيل الطلبة الجدد للعام الكاديمي الحالي إلى نسبة تفوق الـــ 80% من إجمالي طلبة الجامعة، بينما حالت ظروف النزوح واللجوء دون التحاق بقية الطلبة حتى الآن.
ونحن في هذا المقال بدلاً من الانتقاد فقط علينا أن ندعم صمود مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة والأهلية والأجنبية كذلك، وإبقاء التعليم العالي محوراً أساسياً في جهود التنمية السودانية، ونؤكد أن عظم حجم الكارثة التي طالت التعليم العالي في السودان وهو ما يتطلب تكاتف كافة الجهات الدولية من جامعات، ومؤسسات خيرية، ومراكز أبحاث، لتلبية الاحتياجات الضخمة والعاجلة لمؤسسات التعليم العالي في السودان، وما المؤتمر الدولي الذي تنظمه جامعة أفريقيا العالمية بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية في 6-8 ديسمبر القادم، بعنوان: دور الجامعات في إعادة الإعمار عقب الحروب والأزمات، إلا بداية لذلك التكاتف من قبل الجهات كافة، وقد سبقت جامعة الخرطوم جامعة أفريقيا العالمية بتنظيمها اعمال ورشة عمل بالتعاون مع جامعة بيرقن بالنرويج في اطار التعاون المشترك بين الجامعتين بعنوان: التعليم العالي .. التحديات وإعادة الإعمار، بحضور عدد من الباحثين والأساتذة والعلماء وذلك يوم 14 ديسمبر 2024م بمباني الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ويؤكد كل ذلك بدون أدنى شك دور الجامعات في خدمة المجتمع والمساهمة في المشروعات القومية باعتبار الجامعات أكبر بيت خبرة.
ونطالب من هذا المنبر وسنظل نطالب حكومة الأمل ومجلس السيادة الانتقالي بأن تكون مؤسسات التعليم العالي عامة والجامعات خاصة في مقدمة جهود إعادة الإعمار، باعتبارها المحرك الرئيس لكافة المبادرات والمشاريع المستقبلية. إن إعادة بناء التعليم العالي، لهو أمرٌ ضروري، ذلك أن أنظمة التعليم العالي معقدة التركيب وذات أوجه متعددة وتتطلب موارد مالية وفنية كبيرة، حتى بالمقارنة مع النظم الوطنية الخاصة بالتعليم الابتدائي والثانوي، ولذلك فإن إعادة بناء وتنشيط التعليم العالي في أعقاب الحرب يُعد تحدياً كبيراً يتطلب جهداً جماعياً بين مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة التعليمية الوطنية والإقليمية والدولية.
وهناك حاجةٌ ملحة للتفكير الخلاق حول إيجاد أفضل السبل للرد على التحديات التي يواجهها التعليم العالي في البلدان المتضررة من الصراعات وكيفية تسخير قدرة القطاع العالمي كي يتسنى له المساهمة في عملية الانتعاش والانتقال. إن الفترات التي تأتي في أعقاب الأزمات والنزاعات يمكن أن تتيح فرصة لإدخال الإصلاح وتحقيق التحسينات خلال عملية إعادة الإعمار، بدلاً من مجرد تكرار النظم الاجتماعية والاقتصادية بأخطائها السابقة، ولا بدّ أن تكون نقطة الانطلاق لهذا الانتعاش هي فهمٌ أفضل للمرونة الملحوظة التي تمثلها الجامعات خلال مراحل النزاع والصراع كافة.
إن الجامعات مؤسسات رائدة ومميزة وخلاقة ومبدعة، إلا أننا نطالب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أن تحدث تحولاً مهماً مطلوباً، وهو التوجه نحو التعليم التقني والمهني، لتخريج كوادر ذات مستوى عالي من التأهيل، في مجالات مثل التمريض والمهن الطبية المساعدة الأخرى، والحاسوب والبرمجة، والهندسة بمختلف تخصصاتها، والتصميم، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والفيزياء والكيمياء، واللغات خاصة اللغة الإنجليزية، ومختلف التخصصات في العلوم والتقنية، وغيرها من مطلوبات أسواق العمل العالمية والمحلية، كما نحتاج من الجميع إلى نشر الوعي بقيمة التعليم التقني والمهني والحرفي، وبمطلوبات سوق العمل المستقبلي، لتغيير قناعات بعض الأسر التي لا ترى في التعليم سوى الجامعة، ولا ترى في الجامعة سوى كلية الطب أو الهندسة.
ورداً على السؤال الكبير الذي طرحه الابن عما أبوبكر وهو: هل علينا العمل على إعادة الوضع في الجامعات إلى ما كان عليه قبل الحرب أم إن هناك رؤية جديدة يجب السعي لتحقيقها؟ وللجواب على هذا السؤال لا بد من تشخيص كل العيوب التي عانت منها الجامعات قبل الحرب، ورصد كل حسناتها ومثالبها، وبناء رؤية إستراتيجية جديدة واضحة توفر كل الجهود والإمكانات اللازمة لتحقيقها. إن التعليم العالي عامة والجامعات خاصة هي مفتاح التنمية المستدامة البشرية والاقتصادية والاجتماعية، والأرضية اللازمة لدخول ميدان المنافسة في اقتصاد المعرفة العالمي؛ ومن ثم فإن هذا القطاع، شأنه شأن القطاع الاقتصادي والخدمي، لا بد من أن يولى أهمية بالغة يستحقها عن جدارة في مرحلة إعادة الإعمار، لا بل أن يكون واحدا من أولويات مرحلة إعادة البناء، نظراً للدور الحاسم الذي ينتظر منه أن يؤديه في تطوير المهارات وتحفيز الابتكارات التي تقوم على زاد معرفي نظري وعملي، وتشكّل أساساً للإنتاجية المستقبلية، ومولّداً لفرص العمل، وضامناً للقدرة التنافسية، وصولاً إلى مجتمع الاستدامة والاستقرار والرخاء.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم