د.عمرو محمد عباس محجوب
لا يمكن فهم الخطاب السياسي لزهران ممداني، أو صعوده كرئيس يمثل منعطفًا في السياسة الأمريكية، دون دراسة الجذور الفكرية التي صاغت وعيه. فقد نشأ زهران داخل أسرة تتمتع بثقل فكري وأخلاقي كبير، تقف في مقدمتها شخصية المفكر المعروف محمود ممداني، إضافة إلى الدور الأخلاقي والثقافي البارز لوالدته. هذا الفصل يعرض تأثير هذه الخلفية في تشكيل رؤية زهران السياسية وأسلوبه في التفكير.
ينتمي محمود ممداني إلى خلفية أفريقية–هندية، وعاش تجارب التهجير والصدام مع السلطة في شرق إفريقيا قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة. هذه الخبرة المبكرة بالحروب الأهلية، العنصرية، والإقصاء، أصبحت أساسًا لفكره النقدي حول الدولة والسلطة والمواطنة[^1].
أفكاره المركزية تمحورت حول نقد الإمبريالية الغربية ويرى ممداني أن الهيمنة العسكرية والثقافية الغربية تشكل استمرارًا للاستعمار القديم، وأن الولايات المتحدة تمثل النسخة الأحدث من الإمبراطورية المدعومة بالخطاب الأخلاقي المضلِّل[^2]. القضية الأخرى هي العدالة التاريخية يؤكد فيه على ضرورة تضمين تجارب “الضحايا” في كتابة التاريخ وصنع القرار السياسي، واعتبار العدالة التاريخية جزءًا من العدالة الاجتماعية[^3]. ودعا لإعادة تعريف المواطنة حيث ركّز على مفهوم المواطنة كمساحة للصراع بين الدولة والفئات المهمشة، خصوصًا في إفريقيا، داعيًا لإعادة تعريفها خارج النموذج الأوروبي التقليدي[^4].
لعبت والدة زهران دورًا محوريًا في تكوين الحس الأخلاقي لديه. ركّزت منذ الطفولة على ثلاثة محاور: العدالة كقيمة وليست مجرد مطلب سياسي، أهمية القراءة عبر الثقافات وفهم الذات كجزء من تاريخ عالمي متعدد الجذور[^5]. كانت الأم حلقة الوصل بين الخلفية الأفريقية–الهندية والفكر الأمريكي الحديث، وهي التي شجعت زهران على تطوير وعي مركّب يتجاوز الهويات الضيقة.
خلاصة التأثير الأسري ورث زهران من والده النظرة النقدية لهياكل السلطة المحلية والعالمية كما ورث العدالة العالمية للربط بين العدالة الاجتماعية داخل أمريكا والعدالة التاريخية عالميًا، وهو ما يميّزه عن أوباما وساندرز كما اكتسب التكوين الثقافي المركّب وجعلته قادرًا على تقديم رؤية سياسية تتجاوز حدود الدولة القومية
قدّمت الأسرة، عبر محمود ممداني ووالدة زهران، إطارًا فكريًا وأخلاقيًا صلبًا ساهم في إنتاج رؤية سياسية جديدة لدى زهران، رؤية تعكس نقدًا جذريًا للإمبراطورية، وفهمًا معمّقًا للعدالة، وهو ما يمهّد للفصل الثاني حول صعوده السياسي وخصوصية مشروعه.
اهم ماطرحه زهران ممداني هو أفق ما بعد الإمبراطورية وصعود خطاب جديد في السياسة الأمريكية. يمثل فوز زهران ممداني بمنصب الرئاسة الأمريكية حدثًا تاريخيًا، ليس فقط بسبب خلفيته العرقية أو الثقافية، بل بسبب الخط السياسي الجديد الذي حمله. وهنا نعقد مقارنة بينه وبين وجوه الإصلاح السابقة مثل باراك أوباما وبرني ساندرز، ويستعرض تحليلات أبرز المعلقين والمفكرين الأمريكيين.
يرتكز خطاب زهران على الإرث الفكري لوالده وعلى وعي عالمي صنعته الأسرة. بخلاف أوباما الذي ركّز على الهوية الفردية، وساندرز الذي ركّز على العدالة الاجتماعية الداخلية، يستخدم زهران عدسة عالمية ما بعد إمبراطورية.
رأى معظم المحللين أن أوباما كان اصلاحيا لم يكن معاديًا للبنية الإمبراطورية، بل حاول إصلاحها^1
بينما اعتبر المعلق ديفيد غرين من NPR ممداني ممثلًا لأول رئيس يتحدث عن “تفكيك الإمبراطورية من الداخل بدل إدارتها برفق”^2.
اما ساندرز فقدم رؤية تقدمية تركز على الطبقة، لكنها بقيت محصورة في الاقتصاد المحلي. اما زهران فراى العدالة الاجتماعية كامتداد للعدالة التاريخية. لذلكوصفه الكاتب ماثيو إيغليسياس بأنه: أول سياسي أمريكي يربط بين الأجور داخل أمريكا والدم المسكوب خارجها”^3. نعوم تشومسكي قال إن زهران يمثل “أول مشروع سياسي يدمج الأخلاق في فهم السياسة الخارجية”^4. كورنيل ويست
اعتبره “امتدادًا لحركة الحقوق المدنية ولكن على نطاق عالمي”^5. آن أبلباوم (Atlantic)دحذّرت من أن مشروعه يمثل “نقطة انقلاب في دور أمريكا العالمي”^6. فريدة زكريا (CNN)
أشادت بقدرته على فهم “التاريخ الإمبراطوري وتأثيره على السياسة الداخلية الأمريكية”^7.
ماذا يعني فوز زهران؟ ولادة الخطاب السياسي ما بعد الإمبراطوري. انهيار مركزية الهوية الفردية وبروز الهوية العالمية وانتقال المشروع الإصلاحي من تحسين الإمبراطورية إلى نقد وجودها. يمثل زهران ممداني تحوّلًا نوعيًا عن أوباما وساندرز، إذ لا يكتفي بالدعوة للعدالة داخل الولايات المتحدة، بل يربطها بالبنى التاريخية للعنف الإمبراطوري. هذا يجعل فوزه نقطة تحول في تاريخ السياسة الأمريكية. تكشف الدراسة أن صعود زهران ممداني ليس حدثًا سياسيًا فقط، بل انعكاس لتحول عميق في الوعي الأمريكي. فالرؤية التي حملها هي نتاج بنية فكرية رسمها والداه، وامتداد لمنهج نقدي عالمي، جعل من فوزه لحظة فارقة في علاقة الولايات المتحدة بذاتها
هوامش الفصل الثاني
[^1]: تحليل توماس فريدمان حول رئاسة أوباما، New York Times, 2016.[^2]: David Greene, NPR Analysis, “The Post-Imperial Turn in American Politics”, 2025.
[^3]: Matthew Yglesias, Vox Magazine, 2025.
[^4]: Interview with Noam Chomsky, 2025.
[^5]: Cornel West, Harvard Discussion Series, 2024.
[^6]: Anne Applebaum, The Atlantic, 2025.
[^7]: Fareed Zakaria, CNN Global Public Square, 2025.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم