الجيش السوداني وإعادة تشكيل الميليشيات، قراءة لتقرير منصة مودرن دبلوماسي الأميركية

محمد هاشم محمد الحسن

هل سيجري الجيش السوداني إعادة تنظيم قواته ودمج الميليشيات الإسلامية المقاتلة ضمن صفوفه قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية؟ هذا السؤال يبدو ضروريًا لفهم طبيعة الترتيبات التي أوردها تقرير مودرن دبلوماسي الأميركية، والتي تتجاوز في دلالاتها البعد العسكري المباشر لتشير إلى إعادة توزيع القوة داخل المؤسسة العسكرية.

تقرير صحيفةمودرن دبلوماسي الأميركية أشار إلى أن هناك ترتيبات لإعادة تنظيم ودمج الميليشيات الإسلامية المقاتلة إلى جانب الجيش السوداني داخل صفوفه، محذرًا من أن هذه الخطوة ستزيد من نفوذ التيارات المتشددة داخل المؤسسة العسكرية، وتثير قلقًا دوليًا متصاعدًا، خاصة لدى الولايات المتحدة، لما قد تحمله من تعقيد إضافي لمسار السلام في السودان.

هذه المقدمة الظاهرة تقود إلى مستوى أعمق من الفهم يتعلق بطبيعة العلاقة بين قيادة الجيش والتيارات الإسلامية. القراءة المباشرة قد توحي بمحاولة لضبط هذه الفصائل أو احتوائها، لكن المؤشرات تشير إلى اتجاه مختلف، حيث يظهر البرهان داخل هذا الترتيب كجزء من المنظومة نفسها. المسألة هنا أقرب إلى إعلان تموضع داخل شبكة نفوذ تشكلت تاريخيًا منذ عهد البشير، مع إزدياد نفوذها وسيطرتها في سياق الحرب الحالية.

هذا التموضع يتزامن مع لحظة ضغط خارجي متزايد على القيادة العسكرية، خاصة بعد تصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية. في هذا الإطار، تبدو عملية إدماج هذه القوى أقرب إلى تثبيت توازن داخلي جديد، يعاد من خلاله تعريف مراكز القرار داخل المؤسسة العسكرية، وحدود الحركة السياسية الممكنة في المرحلة القادمة.

غير أن الصورة لا تقتصر على التيارات الإسلامية. فخلال الحرب برزت فصائل مسلحة ذات طابع قبلي مثل قوات درع السودان والأورطة الشرقية وغيرها. التعامل مع هذه التشكيلات يتجاوز كونها قوى مساندة مؤقتة، إذ يُنظر إليها كجزء من هندسة أوسع لتوزيع النفوذ داخل المشهد. إدخالها في المعادلة يعكس توجهًا لبناء شبكة متعددة المستويات، بحيث لا يتركز النفوذ في يد تيار واحد، بل يتوزع بطريقة تمنع تشكل مركز قوة منفرد.

تظهر أهمية هذه التشكيلات بشكل أوضح عند النظر إلى ما بعد الحرب. في حال طُرحت ترتيبات أمنية تشمل دمج قوات الدعم السريع، فإن وجود هذه القوى يوفر أدوات موازنة يمكن استخدامها لإعادة ضبط ميزان القوة. هذا الاستخدام لا يظل محصورًا في الجانب العسكري، بل يمتد إلى المجال السياسي، حيث يمكن أن تتحول هذه التكوينات إلى أدوات ضغط غير مباشرة في أي تسوية لا تنسجم مع التوازنات التي يجري بناؤها حاليًا.

الصورة تزداد تعقيدًا عند إدخال الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا في هذا المشهد، وعلى رأسها حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي. هذه الحركات لا تنتمي بالكامل إلى معسكر الإسلاميين، ولا يمكن اختزالها في البعد القبلي، إذ تستند إلى شرعية سياسية سابقة تمنحها موقعًا مختلفًا داخل المعادلة.

جبريل إبراهيم، رغم تقاطعاته مع التيار الإسلامي، يتحرك أيضًا باعتباره فاعلًا سياسيًا يسعى للحفاظ على مكتسبات اتفاق جوبا. في المقابل، يبدو موقف مناوي أكثر حساسية، نظرًا لارتباطه بتمثيل إقليمي وعسكري يصعب إعادة دمجه داخل بنية الجيش دون إعادة تعريف موقعه بالكامل.

هنا تبرز إشكالية الدمج في صورتها الحقيقية. هذه الحركات دخلت الحرب كقوى تابعة تُقدم الولاء للقوات المسلحة مقابل مكاسب سياسية ومادية، ما يجعل أي محاولة لإدخالها في هيكل عسكري موحد مما يطرح السؤال حول طبيعة التعامل معها، هل تظل شريكًا سياسيًا ضمن هذا الإطار، أم يعاد تشكيلها كجزء من المنظومة العسكرية؟

المؤشرات الحالية لا توحي بدمج كامل بقدر ما تشير إلى عملية إعادة ضبط تدريجية للمواقع داخل ميزان القوة. في حالة جبريل، قد يساهم التقاطع مع التيار الإسلامي في تخفيف حدة هذا التحول. أما مناوي، فتبدو خياراته أكثر ضيقًا، خاصة في ظل التحولات الميدانية في دارفور، وهو ما قد يدفعه إلى موقع أقرب للدفاع عن حضوره السياسي والعسكري.

بهذا المعنى، لا يبدو أن ما يحدث هو إقصاء مباشر أو استيعاب كامل، بل عملية إعادة تشكيل تدريجية تقلص من استقلالية هذه الحركات، وتدفعها نحو التكيف مع توازن جديد بشروط مختلفة. هذا المسار يجعلها عنصرًا من عناصر التعقيد في أي تسوية قادمة، حيث لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن دمجها بسهولة دون إعادة فتح ملف اتفاق جوبا نفسه.

هذه الترتيبات المخطط لها لإعادة تشكيل الجيش ستنعكس بشكل مباشر على طبيعة أي مسار سياسي قادم. إذا تم تنفيذها، سيصبح النفوذ المتشدد، إلى جانب التكوينات القبلية والحركات المسلحة، جزءًا من بنية المؤسسة العسكرية، مما يجعل الحديث عن إصلاح أمني أو شراكة مدنية أكثر تعقيدًا، إذ لن تعود مراكز القوة محايدة، بل موزعة داخل تحالفات متعددة تحدد مسبقًا حدود الممكن سياسيًا.

في المقابل، هذه الترتيبات المخطط لها ستعيد تشكيل العلاقة مع الخارج. ما قد يتشكل ليس رفضًا مباشرًا للضغوط الدولية، بل إعادة رسم حدود تأثيرها. أي محاولة لاحقة لفرض مسار سياسي لا تراعي هذا التوازن قد تواجه واقعًا معقدًا، حيث تتشابك المكونات الأيديولوجية والاجتماعية ضمن بنية المؤسسة نفسها، ما يقلل من قدرة الأطراف الخارجية على التدخل بفعالية.

الأهم أن هذه التحولات إن حدثت لا ترتبط فقط بإدارة الحرب، بل بترتيب ما بعدها. توقيت الحديث عن الدمج يوحي بقدر من القلق من شكل التسوية القادمة، وهو ما يفسر السعي لرفع كلفة أي تغيير محتمل، عبر تثبيت عناصر تجعل إعادة تفكيك هذا الواقع لاحقًا عملية أكثر تعقيدًا.

بهذا المعنى، ما قد يحدث داخل الجيش السوداني يتجاوز إعادة تنظيم القوات، ليمثل محاولة لإعادة توزيع السلطة داخله، بما يضمن أن أي مسار مستقبلي، سواء كان تسوية سياسية أو استمرارًا للصراع، سيتشكل ضمن هذا التوازن، لا خارجه.

herin20232023@gmail.com

عن محمد هاشم محمد الحسن

محمد هاشم محمد الحسن

شاهد أيضاً

وسم الكيزان بالإرهاب_ ساعة الحقيقة وفخ الارتباط الإيراني

محمد هاشم محمد الحسن في يومٍ أغرّ، كأنه ضحىً جلى دياجير ليلٍ طويل، زُفت إلى …