الحرب وشبح التقسيم: مقاربة لقضايا متنوعة ومتقاطعة

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com
يتناول هذا المقال مجموعة من النقاط المتفرقة موضوعيًا، لكنها متصلة من حيث السياق الفكري. وهو يتجاوز خطاب المناشدة إلى لغة التحذير، وان نتحمّل جميعا مسؤوليتنا التاريخية والوطنية تجاه الحاضر والمستقبل.

(1)
▪️في رأيي، القول إن هذه الحرب سببها استهداف خارجي، تبسيط مُخل وتجاهل لأزمة داخلية تاريخية. فمنذ الاستقلال، ظلّ سادتنا في صراعٍ على السلطة أضعف الدولة وأعاق التنمية. وفي عهد الإنقاذ، ظهرت الحركات في دارفور وغيرها، ترفع راية المظالم وسلاح التمرد على المركز، فواجهتها الدولة بالجيوش والطيران وبميليشيات حميدتي، وبقيت المظالم.

▪️أدركت الإنقاذ قدرات حميدتي القتالية، فاستعانت به لقمع الثورات، ومنحته حق امتلاك الجيوش والتواصل مع الدول لتقديم خدمات منع الهجرة. ومن داخل أجهزة الدولة خرجت الأسرار وعبرت المحيطات “غرباً”، لتكشف هشاشة الدولة وضعف حكّامها. ثم توجّه الرئيس البشير “شرقاً” طالبا الحماية، على مرأى ومسمع من العالم.!

▪️ثم بلغ تهور حكّامنا مرحلة الشروع في اغتيال رؤساء الدول، والهروب من العقاب بالموافقة على فصل الجنوب، والصمت على احتلال أرض الوطن شمالًا وشرقًا. ليكشف ذلك ضعف تفكير حكّامنا، وانعدام حسهم الوطني، وخطورتهم على جيرانهم.

▪️ثم كانت ثورة ديسمبر، التي اغتيلت بتحالف الجيش والإنقاذ وحركات دارفور، لتزيد تعقيد المشهد وتُثمر هذه الحرب اللعينة. ويتساءل الناس: من أشعلها؟ ثم يصبح السؤال بلا معنى، ما دام هناك من يصر على استمرارها، ويسميها حرب الكرامة، رغم أنها تنتهك كرامة الشعب. فلم يعد هناك فرق بين من أشعلها ومن يمعن في إطالة أمدها.

▪️أدّى صراع السلطة إلى تسابق الأحزاب في تسييس الجيش، وتفوّق الإسلاميون على غيرهم، فأوصلوه إلى مرحلة أصبح فيها كيانًا سياسيًا قائمًا بذاته. وهكذا دخل الجيش طرفًا في صراع السلطة، متحالفًا مع النظام المباد.

▪️يدرك الجميع أن جوهر الأزمة هو صراع السلطة، وأن الحل في تداولها ديمقراطيًا. لكن حين تُتاح فرصة للديمقراطية، تتخبط الممارسة، وتترقّب المعارضة، ويتأهب الجيش للانقضاض، فيتواصل الصراع. وتنكشف حقيقة أن معظم النخب والأحزاب تفتقر لإيمان حقيقي بالديمقراطية؛ ترفع شعارها ضد الخصوم، وتستنكر الظلم فقط حين تكون ضحيته.

▪️لذا، أصبح السودان، رغم موقعه المميز وثرواته وموارده، يعاني الفقر والبؤس، وعدم الاستقرار والفشل، والحروب التي تهدد كيانه وجيرانه. فأصبح من غير المستبعد أن ينفتح باب التدخلات الدولية، سواء بدافع الخوف على أمن المنطقة، أو الطمع في الموقع والموارد والثروات، في عالمٍ تسوده ثقافة القوة، ويتهدده العطش والجوع وشح الموارد.

▪️فهل يحق لنا، بعد كل ذلك، أن نتحدث عن “التآمر الخارجي” ؟! أي تآمر أكبر من إفشال الدولة والإصرار على حرب بلا منتصر، تبيد المدنيين، تهدد أمن الدول المحيطة، وتنذر بتقسيم الوطن؟!

(2)
▪️إذا صدق القول إنّ الخارج يسعى إلى تقسيم السودان فهذا ليس بخبر، فذلك لن يتحقّق إلا بتواطؤ من الداخل. فتبقى الأزمة في الذين يعملون من الداخل، إما تآمرًا مع الخارج، أو بتقاطع الأهداف.

▪️ثم كيف نتحدث عن الخارج وهناك تصريحات وقرائن وسوابق تشير إلى أن الإسلاميين، يسعون لتقسيم السودان.؟! وليس هذا مقام التفصيل، لكن يكفي القول إن استمرار هذه الحرب يوفّر الفرصة المثلى لتحقيق التقسيم، مما يستوجب على كل حريص على وحدة البلاد، ونفي تهمة السعي للتقسيم، أن يرفض الحرب ويعمل على إيقافها فورًا.

▪️كمواطن حريص على وحدة وطنه، والتوافق بين جميع أبنائه، وإنهاء الحرب وتحقيق السلام، فإنني أؤمن بضرورة تجنّب إطلاق التهم جزافًا. لكنني لا أُغمض عيني عن الشواهد، وأدرك أنه ليس من حقي أن أغلق باب نفي التهم. وفي نفس الوقت، أرفض الحجج التي تُثار لتبرير استمرار الحرب.

▪️فالدعوة لاستمرار الحرب بحجة استرداد كرامة المواطن دعوة مردودة، لأنها تتجاهل الواقع المؤلم الذي يعيشه المواطن منذ اندلاع الحرب. فبدلاً من أن تكون وسيلة لاستعادة كرامته، أصبحت أداة للمزيد من الانتهاكات. مضت على الحرب أكثر من سنتين، ولا يزال الناس يموتون، ويفقدون الأمن، وتُسلب حرياتهم، وتُنتهك حرماتهم. لا يزالوا يعيشون في ذلّ الحاجة، والخوف، والتشرّد، وفقدان المستقبل.
كرامة المواطن لا تُصان بالحروب، بل بدولة محترمة تكفل له الأمن والسلام وكل حقوقه.

▪️أما الدعوة لاستمرار الحرب بحجة القضاء على الدعم السريع، بدعوى أن المواطن لن يقبل بعودتهم إلى المشهد العسكري أو السياسي، فهي دعوة مردودة.
فمع كامل التقدير لما قامت به القوات المسلحة وحلفاؤها، إلا أن مجريات هذه الحرب لا تحمل أي شواهد تقول بإمكانية القضاء التام على الدعم السريع، كما أن التاريخ لم يسجل حربًا أُبيد فيها جيشٌ بالكامل.

▪️وفوق ذلك، فإن الدخول في المفاوضات لا يعني عودة الدعم السريع إلى أي من المشهدين. ويكفي القول ان ميثاق “تأسيس”، الذي وقع عليه الدعم السريع، ينص على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ومن الطبيعي أن يشمل ذلك قادته، بالإضافة إلى الضباط والجنود المتهمين بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات ضد المدنيين. فمن تبرّئه المحاكم يمكنه دخول العمل العام من باب الانتخابات.

(3)
▪️فيما يتعلق بعملية الدمج في الجيش، فيجب أن تتم وفقًا لأسس مهنية صارمة، تضمن خضوع الكافة لمعايير الكفاءة والانضباط والولاء للدولة، وأن تكون جزءًا من عملية إصلاح شاملة للمؤسسة العسكرية.

▪️إصلاح وإعادة هيكلة الجيش يجب ألا يثير أي حساسية، لأنه يعني تحسين قدرته على أداء مهامه الوطنية بكفاءة واحترافية تواكب التحديات الأمنية، وأن يبقى مؤسسة منسجمة مع قيم الدولة وأهدافها. وإبعاد الأشخاص يتم وفقًا لمعايير مهنية واضحة وشفافة.
كل الجيوش، حتى في أقوى الدول، تخضع دوريًا لإعادة الهيكلة والإصلاح بذات الفهم.

(4)
▪️الجنرال البرهان يتمنى أن يخلده التاريخ كقائد واجه مؤامرة دولية ضد الوطن، متجاهلًا حقيقة أنه يتحمل المسؤولية الأكبر عن مأساة الوطن. ومع ذلك، لا يزال ينتظره دور عاجل لإنهاء الحرب وإبعاد شبح التقسيم، ووقف كل ما يمس مهنية وحياد الجيش.
فالتاريخ لا يسجل الأمنيات، بل يسجل الإنجازات والوصمات.

(5)
▪️وضعت “تأسيس” معالجة لجذور الأزمة، تمثلت في: تداول السلطة سلميًا، ومبدأ المواطنة، وعدالة توزيع الثروة، والتنمية المتوازنة، وعدم الإفلات من العقاب. وهي بلا شك، تصلح أجندة حوار وليس أمرا يفرض بالبندقية. ورغم التصريحات غير الرسمية، باستعدادهم للدخول في مفاوضات، إلا أن كثيرين يشككون في صدقيّتهم وحرصهم على وحدة السودان.
لإثبات الصدقية، يُنتظر منهم وقف الانتهاكات ضد المدنيين، ومخاطبة حكومة بورتسودان رسميًا باستعدادهم للدخول في مفاوضات شاملة تجنب البلاد شبح التقسيم.

(6)
▪️إذا قُدّر للأطراف الدخول في مفاوضات، يُنتظر أن تشمل، ضمن آخرين:

  • الدعم السريع في إطار تحالف “تأسيس”، الذي يضم أيضًا الحركة الشعبية وكيانات أخرى، ما يجعل من التفاوض عملية شاملة مع مكونات متعددة.
  • تحالف “صمود”، الذي ينتظر منه أن يتبنى نهجًا مرنًا يزيد من عضويته ويحفظ علاقاته مع بورتسودان والحركات وتحالف “تأسيس” وغيرهم.
  • الاسلاميين حال التزامهم بالتحول إلى حزب مدني ومطلوبات التحول الديمقراطي.

(7)
▪️من حقنا أن نسأل الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش والإسلاميين، في انقلاب أكتوبر والحكم الشمولي الحالي:
هل أنتم شموليون أم ديمقراطيون؟ ما هو موقفكم الحقيقي من الثورة؟ أين أنتم من قضايا التهميش التي حملتم السلاح من أجلها؟ أنتم الآن متحالفون مع مجموعة تتمسك باستمرار هذه الحرب التي قد تقود لتقسيم السودان، فهل يحقق ذلك أجندتكم؟

(8)
▪️ونسأل كل الأحزاب والقوى المدنية خارج أجسام المشهد:
ما هو رأيكم وأين دوركم المنتظر فيما يحدث؟ الصمت في هذه اللحظات المفصلية من تاريخ الوطن، يعد تخليا عن الواجب، ولا يسقط عنكم المسؤولية التاريخية.

(9)
▪️ولجان المقاومة وكل الثوار خارج أجسام المشهد:
أين أنتم؟ ما رأيكم فيما يحدث ويهدد الدولة بالضياع؟ ما رأيكم في التوافق الوطني الذي يحفظ البلاد ويحقق أهداف الثورة ولا يسقط الجرائم والعدالة الانتقالية؟ لا يكفي الانتظار والتعويل على الشارع.

(10)
ويبقى إخلاص النية للوطن، والتشبث بالأمل في الله، هما الخطوتان الأهم في طريق البحث عن النجاة.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …