أواب عزام البوشي
في قراءة متأنية للتحركات السياسية والعسكرية الأخيرة في السودان، تبرز معطيات جديدة تعيد تشكيل فهم المشهد، أبرزها ما كشفت عنه تسريبات من مصادر موثوقة تؤكد أن الحركة الإسلامية حسمت، خلال اجتماعاتها الأخيرة، خيارها بدعم الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيساً للمرحلة المقبلة، وبدأت فعلياً في تهيئة الأوضاع لهذا الخيار على عدة مستويات.
ويأتي هذا القرار في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتعرض الحركة الإسلامية لضغوط دولية متصاعدة، شملت تصنيفها كجماعة إرهابية ومحاولات تجميد أرصدتها، ما دفعها إلى إعادة حساباتها بسرعة، والبحث عن حصين جديد يحمي نفوذها، وقد وجدت في البرهان الشخصية القادرة على توفير الغطاء السياسي والعسكري اللازم، خاصة في ظل الانقسامات التي تعصف بالمؤتمر الوطني.
ما يلفت الانتباه في هذه التحركات هو التباين الحاد بين الخطاب العلوي والترتيبات الخلفية. فبينما تطلق المؤسسة العسكرية، على لسان وزير دفاعها، تصريحات تنفي أي صلة للإسلاميين بالقوات المسلحة، وتُبعد صور البشير من القصر الجمهوري، تشير التسريبات إلى أن الكواليس تشهد عملاً دقيقاً يقوده الأمين العام للحركة، علي كرتي، لهندسة المشهد السياسي، في محاولة متقنة لإيهام الرأي العام بأن الحركة خرجت من المعادلة، بينما هي في الواقع الطرف الأكثر تأثيراً في رسم ملامح المرحلة القادمة.
وفي السياق ذاته، يُقرأ حوار البرهان الذي دعا إليه مؤخراً كجزء من هذه الهندسة، إذ لم يأتِ عفواً، بل هو خطة محسوبة من الحركة الإسلامية، الغرض منها تفكيك القوى المدنية عبر استقطاب بعضها بالمناصب وإغراءات المشاركة، وفي الوقت نفسه تفكيك الحركات المسلحة وامتصاص غضبها، وذلك ضمن استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب المشهد بما السيطرة الكاملة على السلطة .
أما على المستوى الخارجي، فتشير التسريبات إلى أن دولاً خارجية تدعم هذا الخيار، وقد بدأت بالتوقيع على مذكرات استثمار وتبادل اقتصادي مع السودان، في محاولة لإضفاء الشرعية على البرهان وتعزيز قبوله إقليمياً ودولياً. ومن المهم ملاحظة أن بعض هذه الدول ذاتها كانت قد سعت في المرحلة السابقة إلى إنشاء حاضنة سياسية مدنية للبرهان، عبر استقطاب قوى مدنية، لكنها فشلت في ذلك، ما دفعها إلى تغيير التكتيك والانتقال إلى دعم مباشر من خلال بوابات اقتصادية وسياسية جديدة.
وخلاصة التحليل، أن الحركة الإسلامية شريكاً أساسياً في هندسة المشهد، ليس بهدف الظهور، بل بهدف تأمين نفوذها داخل السودان عبر تنصيب البرهان كحامٍ لها
بينما تحاول دول خارجية، عبر غطاء اقتصادي، منح هذا الخيار شرعية دولية.
السودان
awabazzam456@gmail.com
