الحزب الشيوعي بعد مؤتمر (جمع التأخير)!

 فتحي الضـو
 faldaw@hotmail.com
لعل أبغض الحَلال إلى نفسي أن تضطرني الظروف إلى الكتابة في موضوع تكثُر فيه الأقلام، ليس بسبب تعالٍ أو ما جاوره من النعوت كما يتبادر للذهن، ولكن لقناعتي التى استقيتها من واقع عليل…وهي أن الموضوع الذي يتدافع نحوه الكُتاب والصحفيون بالمناكب غالباً ما تخالطه عواطف مشبوبة، لدرجة أنه يمكن أن يرى الناس في بعض الأحيان إفراطاً في الانفعال وتفريطاً في معايير الموضوعية والمنطق، ولأننا قوم تجمعنا العاطفة كثيراً ويُفرِّقنا العقل أحياناً، فلن أجد مشقة في التأكيد – استناداً إلى خبرتي المتواضعة في متابعة حركات وسكنات الصحافة السودانية – أن الموضوعات التى يُقبِّل عليها الكُتاب والصحفيون بنهم حد الشراهة، غالباً ما تكون موضوعات مادحة تُكتب بعين الرضا الكليلة والتي لا ترى في الممدوح عيباً وإن كثرت نقائصه. وفي زمننا هذا زاد عليها أصحاب ”الأقلام المتوضئة“ إسقاط شعيرة الحياء التي كانت تُميز السودانيين عمَّن سواهم من خلق الله، ولم أر إقبالاً (شرساً) قطً نحو موضوع تناول احدى عِللنا السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، والتي غالباً ما يكون تناولها فرض كفاية، أي أن قيَّض الله لها نبِيَّاً ليُوصِّل رسالته لبني قومه، فسينظر إليه الآخرون كأنه كائن غريب قدم من كوكب آخر، مع أن العكس هو الصحيح! والذي يزيد النفس حيرة أن القضية التي يتناولها المبعوث بالهداية أو العناية أو التسريح بإحسان، هي من صميم الواقع المعاش ويراها الناس بأم أعينهم ولا تحتاج لـ ”مجهر“ يضاعف حجمها أو سوءاتها!
أغفر لنا يا عزيزي القارىء… يبدو أنني شطحت في شىء تمني عقلي الباطني السباحة في بحره المتلاطم، ولكن بعد أن بلغت القلوب الحناجر فلندع هذا ليوم باتت العصبة ذوي البأس تراه أقرب إليها من حبل الوريد، وقد صدقت ”نبوءتنا“ فقد كنا نراه قريباً ويرونه بعيداً، وقلنا لهم لا يغُرنَّكم بالله الغَرور فتذكروا ما قاله كعب بن زُهير الشاعر الذي خلع عليه رسول الله (ص) بُردته بعد أن أسمعه (لاميته) الشهيرة ”كل إبن أنثى وإن طالت سلامته/يوماً على آلة حدباء محمول“ لكن على أية حال فلنترك وعظ الآخرة هذا جانباً ولنعد أدراجنا لحديث الدنيا، فقد كنا بصدد تفسير الاسباب التي فرضت علينا الخروج عن بيت الطاعة للمشاركة بالرأي في أمر كثُرت فيه الأيادي إحتفاءً وإفتراءً…فقد قلت لنفسي باختصار لا ينبغي لها أن تنذر للقراء صوماً بعد رؤية حدث تاريخي بزغ في سماء الحزب الشيوعي السوداني، وها نحن نكتب الساعة بعد أن إنفض السامر وطوى المؤتمر الخامس صحائف الحدث الذي إنتظره الشيوعيون وحلفاؤهم من القوى الوطنية والديمقراطية لأكثر من أربعين عاماً!
أذكر ذات يوم من أيام شهر أغسطس العام 1985 والذي تسمع لـ ”سخانته“ تغيظاً وزفيراً، جئت مستجيراً من رمضاء الكويت بنار الخرطوم، في زيارة عمل لإجراء حوارات صحفية مع نخبة من السياسيين، وقد استهدفت تحديداً الذين تسنَّموا مواقع وزارية في الحكومة الانتقالية الوليدة، إلى جانب قادة ورؤساء الأحزاب…وهل يستطيع صحفي أن يدَّعِي أنه جاء للخرطوم من دون أن تكون حوارات السياسة غاية همه ومبلغ علمه؟ وكانت أجواء الخرطوم يومذاك مفعمة ببقايا إنتفاضة ابريل رغم إرهاصات وأدها المبكر…وأيضاً قل لي بربك يا قارئي الكريم ومنذ متى كانت أجواء الخرطوم غير مفعمة بالغيظ والغضب والثورة؟ على كلٍ أذكر أن الاستاذ محمد أبراهيم نقد كان في طليعة اهتماماتي وقصدته بعد لأيٍ شديد وجهد جهيد، والواقع أنه كان يومذاك محط أنظار المراقبين والصحفيين معاً، لأن ظهوره بعد الاختفاء القسري عن أنظار أمن المخلوع نميري أضفى على شخصيته هالة من الاثارة في نفوس الذين كاد أن يقتلهم حب الاستطلاع. وبناءً على موعد ساهم فيه صديقي دكتور مصطفي خوجلى إلتقيت الرجل في منزله بضاحية الرياض إن لم تخن الذاكرة، وأظنه رأى حبيبات العرق التي تفصَّدت في جبيني جداولاً فقال لي بعد التحية مباشرة: أعتقد بطيخة مناسبة في ”السخانة“ دي؟ فقلت له أوافق على الإقتراح رغم أنها لن تفعل شيئاً للسخانة السياسية، فجاملني الرجل بإبتسامة بشوشة، وعندما جاء بالبطيخة قلت له من باب المداعبة أيضاً: حتى بطيخكم فاقع الحمرة يا أستاذ (والحقيقة أنها كانت كذلك)؟ فضحك ضحكة مجلجلة وقال لي كأنه يصل إلى نتيجة نهائية في مسألة حسابية معقدة.. ده كان زمان!
ساهمت تلك ”القفشات“ في ترطيب الأجواء بيني وبين الرجل الذي إلتقيته للمرة الأولي، وزاد على ذلك بأريحية بالغة في قوله أنه رغم ظروف الاختفاء كان يتابع كتاباتنا الناقدة لنظام نميري في صحيفتنا ”الوطن الكويتية“ ثمَّ حملني شكره وتقديره للزملاء الديمقراطيين العاملين في الصحافة الكويتية بوجه عام والوطن بوجه خاص، ولا أظن أنه يمكن أن تستعصى على قارىء حصيف حصيلة هذه ”الونسة“ التي فتحت شهيتي لحوار إستثنائي طمحت فيه أن تكون تجربة الاختفاء مرتكزه الأساسي، وأذكر أنني ألحيت عليه إلحاحاً شديداً لكشف تفاصيل الستة عشر عاماً، والمعروف أنه تخللتها نصف ساعة فقط ظهر فيها وشارك في اليوبيل الفضي لمدرسة حنتوب في مناسبة كان نميري أحد حاضريها، وتمت الخطوة بعد أن قدمت له اللجنة المنظمة للاحتفال ضمانات في عدم المساس به، لكن نقد قال لي أن نميري أقدم على ذلك وهو مُرغم، وأضاف بأنه ما كان ليجرؤ على الحنث بوعده نسبة لأن هناك وفداً زائراً كان برئاسة كوزموتسوف نائب رئيس مجلس السوفيت الأعلى، وذلك للقيام بوساطة بين الحزب الشيوعي ونظام نميري!
مع ذلك رفض رفضاً باتاً الكشف عن تفاصيل اختفائه وقال لي مُنهياً الجدل الدائري حول الموضوع (يا أخي مش ممكن نحتاج ليه مرة ثانية؟) وعوضاً عن ذلك شنَّف أذني بنذر يسيرة روت ظمأ حب إستطلاعي، وأذكر قال لي أنه كان يعيش حياة طبيعية، بمعنى أنه كان يمشى في الأسواق ويجامل في الاجتماعيات السودانية من فرح وترح ويتابع النشاط السياسي في البلاد بما في ذلك إدارة نشاط الحزب، وأكد لي أنه لم يشعر بالملل إطلاقاًً ولم يتخلل اليأس إلى نفسه ولو لمرة واحدة. وبالطبع احتاج نقد لتكرار التجربة للمرة الثالثة في العام 1995 بناءً على تقديرات حزبية كانت ترى أن حياته مهددة بالخطر في ظروف سادت فيها جاهلية العصبة ذوي البأس تطرفاً وإقصاءً ومغالاة، ولم تكن المرة الثالثة كالثانية ولا الأولي التي دامت لثلاث أعوام (1959- 1961) في عهد نظام عبود أو ما أصطلح بتسميته الديكتاتورية الأولي، ففي الثالثة إنكشف سره وخرج للعلن مختتماً تسع سنوات، ولعلها كانت أضعاف ذلك بمعايير المعاناة!
عموماً يمكن القول أن تجارب الاختفاء عن عيون الانظمة الديكتاتورية سُنَّه مارستها قيادات الحزب الشيوعي بصورة شبه جماعية، في حين جاراهم قلة من أحزاب أخري. وبغض النظر عن جدوى الاختفاء أو عدم جدواه فقد كان مُبرراً غير مباشر للحزب في تفسير أسباب عدم إنعقاد المؤتمر الخامس لأكثر من أربعة عقود زمنية، وهو تفسير إلى حد ما يبدو واقعياً أكثر من كونه منطقياً، فعلى سبيل المثال هيأت الحقبة البرلمانية الديمقراطية المؤودة فرصة لانعقاد هذا المؤتمر. وبالرغم من قصرها (ثلاثة سنوات ونصف) لو أن الحزب استطاع عقد المؤتمر خلالها لانعكس ذلك إيجاباً على احواله التنظيمية وادائه السياسي المناهض للانقاذ، كما أنه كان سيكون أكثر بريقاً وفاعلية وتأثيراً في الأحداث لو أنه استطاع قهر الظروف الواقعية تلك وعقد مؤتمره، فذلك كان من شأنه أن يقدم رسائل قوية ومحيرة مثل حيرة تجارب الاختفاء تماماً. وأتمنى أنه لو صحت تقديراتي هذه أن يكون ذلك مُحفِّزاً للجنة المركزية الجديدة في بسط موازين الحساب والمحاسبة، وذلك درءً لأي تأويلات ومنعاً لتكرار ظاهرة تعد رجساً من عمل الديكتاتوريين في النشاط السياسي، وفي هذا الصدد أسعدني ما ذكره نقد في خطابه الضافي في قوله ”تأخير إنعقاد المؤتمر العام الخامس تقصير جسيم نتحمل مسؤوليته“ وهي عبارة تحتاج إلى تفعيل وتطبيق عملي من شأنه تكريس مفهوم النقد الذاتي الذي درج الحزب على ممارسته في ظل تقاعس الآخرين!
على الرغم من تضحياته التي لا ينكرها سوى مكابر، وعلى الرغم من أنه تولى مقاليد القيادة في ظروف مفصلية كان الحزب مهدداً فيها بالفناء، وعلى الرغم من أنه ما يزال قادراً على العطاء، وعلى الرغم من حسابات مُعقدة يُعتقد أنها دفعت بالحزب لاعادة إنتخابه سكرتيراً عاماً، إلا أنني كنت أتمنى لو أنه الاستاذ نقد ترجل من مقعد القيادة بمحض إرادته، كان ذلك كفيل أن يفسح له مكاناً واسعاً في صوالين التاريخ، وفي نفس الوقت كان يمكنه أن يسحب البساط من آخرين تشبثوا بالقيادة دونما أدني ظروف قاهرة وجعلوه هو ذريعه لتبرير خطئتهم، وكنت أعتقد أن عقلاً مفكراً في الحزب العتيد لن تستعصى عليه إبتكار صيغة وسطية تواءم بين ضرورات وجوده وبين حتمية التجديد والدفع بوجوه شبابية نحو المقدمة، كأن يُقترح مجلس إستشاري يرأسه هو ويضم الآخرين الذين أسماهم صديقي الاستاذ التيجاني الطيب تفكهاً بـ ”الديناصورات“ ولم يستثن نفسه، وهي قيادات لا يمكن لأحد أن يطعن في كفاءتها أو نزاهتها أو تجردها لوجه الله والحزب والوطن!
بالطبع لكل منَّا منظاره الخاص الذي يُقوِّم به الأمور، بيد أنني لا أخفي سعادتي في انعقاد هذه المؤتمر، لايماني بأنه سينعكس إيجاباً على الشئون التنظيمية ويساهم في بناء حزب قوى يكون سنداً وعضداَ لأي نظام ديمقراطي مرتجى، وكذلك من منطلق قناعتي بأن المؤتمر سيبعث برسالة قوية لعصبة أخذتها العزَّة بالأثم وسدرت في غيِّها وأيقنت أن بقاءها على سدة السلطة رهين بضعف وإضعاف الآخرين، ويأمل المرء أن يكون في إنعقاد المؤتمر رسالة لقوى حزبية أخرى، إما لحذو حذوه أو محاولة مساعدتها للانفكاك من ربقة مؤتمرات ”ديكورية“ تُعد قراراتها وتوصياتها قبل قيام المؤتمر، ورغم ذلك لا تجد طريقها نحو التطبيق العملي! وعليه سواء بالنسبة لها أو الحزب الشيوعي لا نعتقد أن العبرة في عقد المؤتمرات بقدر ما العبرة في ترجمة نتائجها. كذلك من المفارقات التي استعصت على فهمي أن البعض إنشعل كثيراً باسم الحزب، من منطلق هل الضرورات تبيح له تغييره أم المحظورات تتطلب منه الابقاء عليه. وفي تقديري أن كلا الموقفين غرقا في الشكليات، فلا أظن أن الحزب سيجني كثيراً لو غير أسمه ولا سيخسر أكثر لو أبقي عليه، فليس المهم الاسم بقدر ما الأهم ما الذي سيصنعه الاسم في قضايا الناس المختلفة. و لا أظن أنني ساكترث كثيراً إن كان قادته على قلب رجل واحد في الماركسية أم قلوبهم شتى، لأن المهم عندي توظيف هذه الماركسية في قضايا الناس إن كانت لا تزال تمثل مرتكزاً فكرياً للحزب، وعليه يكون انتقاد الحزب في نجاحه أو إخفاقه في حل القضايا السودانية لا بإدانته أو تبرئته من الماركسية!
نحن نتمني أن يلعب الحزب دوراً فاعلاً في قضية التحول الديمقراطي، وفي قضية وحدة السودان والنزاعات المسلحة التي باتت تهدد وجوده، فكل ما جاء في التوصيات حول هذه القضايا هو محض تنظير ما لم تترجم عملياً وتنزل على الناس وتنعكس على واقعهم، ولا أعتقد أن الناس يمكن أن تسمح بعدئذٍ للحزب أن يجعل منهم ”حائط مبكى“ أي إن مُنع من إقامة ندوة سياسية أو حُجبت ”الميدان“ عن النشر هرع إليهم وشكا مر الشكوى، فإن حدث ذلك فهؤلاء الناس يريدونه أن يقول لهم ماهي خياراته المتاحة والتي سيستثمرها وفقاً للقانون والدستور! ويطمح الطامحون في ”بروسترويكا“ إعلامية حقيقية تجتاح أركان الحزب، ومن خلالها يمكن النظر بعين الشفقة لصحيفته الوحيدة ”الميدان“ فكل الظروف التي يمكن أن تُقال لن تشفع له في تواضعها، وبغض النظر عن الامكانات فالصحيفة لم تخرج من القوقعة الحزبية التي حبست فيها نفسها لأكثر من نصف قرن، فلتتمدد صفحاتها للرأي الآخر دون خوف أو وجل!
نُهنئكم يا رفاق الدرب الطويل…في انتظار المؤتمر السادس والذي نطمح أن نتابع وقائعه على شاشة قناة الحزب الفضائية، وذلك ليس على الوطن بكثير!
عن (الأحداث) 1/2/2009 
لمزيد من مقالات الكاتب يرجى الاطلاع على مكتبته في الموقع التالي للجالية السودانية الامريكية بمنطقة واشنطن الكبرى
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=فتحى%20الضو&sacdoid=fathi.aldaw
 

عن فتحي الضو

فتحي الضو

شاهد أيضاً

رئيس وزراء حكومة بورتسودان .. (كمان وكمان)!

فتحي الضَّو سألني عديد من الأصدقاء والقراء ما إذا كنت أعرف أسباب ما فعل رئيس …

اترك تعليقاً