الحُكم الذاتي: الفُرصة الأخيرة لبقاء “ماتبقى من السودان” موحداً .. بقلم: مهدي إسماعيل مهدي (بريتوريا)
13 فبراير, 2015
منشورات غير مصنفة
33 زيارة
mahdica2001@yahoo.com
“أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ؛؛؛ فلم يستبينوا الرُشد إلا ضُحى الغد”
قالها قبل حوالي خمسة عشر قرناً- بلسان عربي فصيح- دُريد بن الصُمة وأعادها عليهم قبل أكثر من ستة عقود، بلسان أعجمي مُستعرب (شأن جُل شعوب السودان) السياسي الجنوبي الفطن/ستانسلاوس بياساما، وكررها أزرق اليمامة /إبراهيم بدري وأعاد تذكيرهم بها في كافة مؤلفاته/منصور خالد، وصدع بها الحزب الشيوعي، فأحسنت ثورة مايو الإشتراكية “آنذاك” الإستماع، واستبانت النُصح في بيان التاسع من يونيو 1969 (أي بعد أقل من عشرة أيام فقط من مايو اتولد – قالوا النجوم زادت عدد!!)، وتمكنت القوى الديمقراطية من ترجمة رؤيتها السديدة، المُتمثلة في الحُكم الذاتي حلاً لمُشكلة السودان في الجنوب والغرب والشرق وأقصى الشمال (وأنى تولوا وجوهكم)، فتسنم الشيوعي الشهيد/ جوزيف قرنق، وزارة شئون “تنمية” الجنوب بدلاً عن وزارات الأشغال والثروة الحيوانية التي كانت حكراً وماركة مُسجلة لبوث ديو وجيرفس ياك وأقرانهم، ثُم تحولت بعد هروب الجنوب “بجلده وبتروله وكجوره” إلى عيال أبجويلي يُمررها أبو كلابيش إلى سلمان الصافي ومنه إلى فيصل حسن إبراهيم، وهكذا دواليك،وقد توج التفاوض الذي قاده تكنوقراط مايو وجواهر صدر محافلها آنذاك (منصور وجعفر بخيت واللواء الباقر وعبدالرحمن عبدالله وأبيل ألير،، إلخ) بإبرام إتفاقية أديس أبابا للحُكم الذاتي الإقليمي عام 1972، التي لا ينكر إلا مُكابر بأنها أخرجت السودان كُله من جُحر ضبه وحربه الضروس ومنحت جنوبهشيئاً من التنمية والسُلم والأمن والإستقرار والطُمأنينة لعقد كامل من الزمان (1972-1983)، وفوق كُل هذا وذاك، حفظت الأنفس والثمراتبعد البلاء(وذلك على الرُغم من السلبيات والفساد الذي رافق تطبيقها) وتلك منقصة تؤخذ على التنفيذيين من ساسة وإداريين “جنوبيين وشماليين” ولا تؤخذ على نظام/إتفاق الحُكم الذاتي، إذ ليس من طبائع الأشياء أن يتمتع الجنوب بالحُكم الذاتي (جوهر الديمقراطية ولُب المساواة والمُشاركة في السُلطة والثروة) بينما الشمال والشرق والغرب وكرش الفيل، ترزح جميعها في جحيم شمولية قابضة كانت تزداد عتواً يوماً بعد آخر، حتى فنائها في السادس من أبريل 1985.
ولخفة عقل العسكر وأنانية الساسة تجار الدين، استمع النميري إلى مُستشار السوء (الوسواس الخناس)، فنزع غرسه بيديه وحطم تاج حُكمه بساعديه عام 1983، فعادت الحرب أشد ضراوة وقُبحاً ونزقاً، واكتسبتبُعداً دينياً بعد أن كانت محض تمرد وعصيان تُحاربه الحكومة المركزية بإعتبارهخروجاً على القانون وسُلطانه (وقدكان يُطلق على المتمردين حتى يونيو 1989 صفة الخوارج وليس الكُفار الفُجار)، وكرد فعل طبيعي لهذا التحول الجوهري وتبدُلالعقيدة القتالية للجيش السوداني (الذي كان)من حفظ النظام إلى الجهاد، بعد أن أناخت الإنقاذ بكلكلها وهوسها الديني ومشروعها الحضاري،ارتفع سقف مطالب الجنوبيين من “الفدريشن في ون نيشن” إلى المُطالبة بالتحرر التام من الإستعمار العروبي/الإسلاموي (وكما قال النابه/ نيوتن، فإن لكُل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار، مُضادٍ له في الإتجاه)، وكان للقوميين الجنوبيين (أي الإنفصاليينبالعربي الفصيح) ما أراداوا،على الُرغم من جيوش الدبابين والجهاديين وأخوات نُسيبة وأخوان القعقاع وشلالات الدماء التي أُريقت هدراً وقال عنها مأذون السماء “كضاب القيامة” بعد أن تم ركله ببوت العسكر، أن شباب الجنة وأرتال أزواج الحور العين، محض فطايس تحولت روائح أجداثهم من المسك والعنبر المكنون في حواصل طير خُضر إلى جيف تعافها كلاب الكوشة!!.
وهاهيالآن الحركة الشعبية تُعيد الكرة وتصدح بقول أبن الصُمة وتُذكٍر بنصائح حُكماء أُمة السودان، علَوعسى أن تسمع المكتولة الصايحة، وقطعاً لن يتفق ياسر عرمان مع إبن الصُمة في بقية خريدته “وهل أنا إلا منغزيةٍ إن غوت غويتُ،،، وإن ترشد غزية أرشدِ”. فحُداة السودان الجديد ليسوا من شاكلة ذوي التفكير النمطي من زُمرة قطيع آل البوربون الذي لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئاً (كما الضُل الوقف ما زاد)، أولئك الذين أدمنوا نقض المواثيق والعهود وإستمراء نهب الموارد بأنانية مُفرطة وعنصرية مُنتنة وجهوية فاقعة. ألم يتعهد ساسة الشمال (على لسان الشنقيطي) للجنوبيين – سياد الجلد والراس- بمنحهم حق حُكم أنفسهم بأنفسهم (أي الحُكم الذاتي) في مؤتمر جوبا عام 1947، مُقابل الموافقة على إستقلال السودان، فمن الذي أوفى بعهده؟، ومن الذي نكص على عُقبيه ونقض مواثيقه وعهوده، ونكث غزله بيديه؟، وتشدق قائلاً (نو فدريشن فور ون نيشن –No federation for one nation).
– تعريف الحُكم الذاتي:
“الحُكم الذاتي نظام سياسي وإداري وإقتصادي يحصل فيه إقليم من دولة واحدة على صلاحيات واسعة لتدبير شئونه وضمان مصالحه على قدم المساواة مع بقية الأقاليم الاُخرى، بما في ذلك إنتخاب حاكمه ومجلسه النيابي”، وبناءً على هذا التعريف تكون الفيدرالية شكلاً مُتقدماً من أشكال الحُكم الذاتي. وبهذا المعنى يُعد الحُكم الذاتي نقيضاً للمركزية القابضة، إذ يتعين على الدول التي ترتضي الحُكم الذاتي أن تتخلى سُلطاتها المركزية عن جُزء مُهم من صلاحيات تدبير شؤون الأقاليم إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً لتتم ممارسة هذه الصلاحيات على المستوى المحلي. وتتعدد نماذج الحُكم الذاتي في العالم ويختلف حجم الصلاحيات التي تتمتع بها الولايات والأقاليم من حالة لأُخرى (دائرة المعارف الإلكترونية – ويكبيديا)، وعادةً ما يخضع الحُكم الذاتي للتطور والتنقيح والتعديل حسب مُقتضى الحال.
– أما عن الحُكم الإتحادي أو الفيدرالي (Federal Governance) فقد أورد الباحثون وخُبراء السياسة عدة تعريفات لمفهوم (مُصطلح) الفيدرالية، تتقارب جميعها في المعنى والمضمون وإن اختلفت في الشكل والمُسمى. ولقد عرف السودان الحُكم الذاتي أو الفيدرالي باكراً، عندما ابتدع المُستعمرون وطبقوا في عشرينيات القرن الماضي (أي قبل حوالي قرن من الزمان!!) نظام الحُكم غير المُباشر (Indirect Rule) وفوضوا سُلطاتهم المُكتسبة بحق الفتح لزُعماء الإدارة الأهلية وتعهدوا قادة الطوائف الدينية بالرعاية والتأهيل والتمكين “والتسمين” لكي يكونوا وكلاء عنهم في جباية الضرائب (وشيل وش القباحة)، وتقديم النزر اليسير من الخدمات وحفظ النظام، مقابل الفتة والفتات (وما أشبه الليلة بالبارحة يا عمنا سوار الدهب!!).
– نعم؛ ألقت الحركة الشعبية بمطلب الحُكم الذاتي لجنوب كُردفان والنيل الأزرق ودارفور (وكافة أقاليم السودان)، وذلك بعد أن بحً صوتها وهي تُطالب بالسودان الجديد المبني على المواطنة المتساوية حقوقاً وواجبات؛ وأسمعت من به صمم وهي تُردد “الحل الشامل يا ناس،، الحل الشامل يا عالم؛ الحل الشامل يا أمبيكي، ولسان حالها يقول لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تُنادي”، ولم تجد الحركة الشعبية ومعها الجبهة الثورية إلا صلفاً وغروراً وقوة عين وجرأةً في الباطل ((يعني وقاحة وقلة أدب)، وظل غندور وأمين المسيخ وعصمت، ومن قبلهم غازي وحمدي (وغيرهم من أحفاد جنود جيش الفتح التُركي) يتبارون في التدليس والإستعلاء الفج؛ ويرددون سمفونية؛ ما لكم والحل الشامل وقضايا السودان، ألزموا حدودكم “وأرعوا بقيدكم”، فقيدكم هو المنطقتين فقط ولا شأن لكم ببقية مُثلث حمدي العربي القُح وسكانه من آل بدر الأولى!!، فغاية مناط المفاوضات جمع سلاحكم وإملاء الشروط عليكم، ولستم من يُشتشارون في كيفية يحكم السودان!!.
يقول صديقي زكي النفس والفؤاد والعقل- إبن مدينتي “النهود الآسر شبابه” / د. عبد السلام نور الدين، في إحدى مقالاته عن نشأة المؤسسة السودانية ومسارها (واشجت “المؤسسة السودانية”، الواجهة الدينية والإجتماعية من نهر النيل التي اكتسبت طابعاً قومياً بفضل جهود الحُكم الثُنائي الذي أرسى دعائمها ورعى نموها وأفسح لها مكاناً لصيقاً به –واشجت بين قادة الطوائف الدينية الكُبرى (1914-1924) رغم التنافس المحموم بين أفراس الرهان “السيد/ عبدالرحمن المهدي، والسيد/علي الميرغني، والسيد/الشريف يوسف الهندي، كدُعامات أساس للإحتلال، وحول هذه المؤسسة تجمع شيوخ الطُرق الصوفية وعلماء الشريعة وزُعماء العشائر وكبار التجار وبعض الخريجين.وهكذا أُعد سودان ما قبل الإستقلال كما حدثنا السير/ دوجلاس نيوبولد (السكرتير الإداري للحُكم الثُنائي).
زُبدة القول ومنتهاه يأ أخوان ويا رفاق (مع حفظ حق الجندرة اللغوية) أن السودان ظل يُحكم منذ الإستقلال بنظام مركزي قابض وبذهنية واحدة (Mind-Set) لحمتها وسُداها عروبة متوهمة وإسلاموية طُلقاء مكة وأهل الصُفة (المؤلفة قلوبهم)، فهل يختلف الأزهري في منهجه ورؤيته السياسية (إن كانت له رؤية) عن عبد الله خليل، عن المحجوب، عن عبود، عن الصادق المهدي، عن النميري، عن سوار الدهب، عن البشير؟!.
دعونا مرةً واحدة نُصدق القول والفعل ونجرب الحُكم الذاتي الحقيقي (لا الشعاراتي) ونعطي الخُبز لخبازه التكنوقراطي المؤهل النزيه،، فلقد جربنا المركزية القابضة لستة عقود حسوما، وها هي النتيجة أمامكم.. إذ أصبحنا كالمُنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، والوطن كُله في مهب الريح وعلى حافة الهاوية.