الخرطوم الأخرى: أقرب إليك من حبل الوريد يا أتيم قرنق! … بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

للمرة الثانية خلال أقل من أسبوعين يلتمس البرلمان من “الجهات المختصة” تمويل مهمة ستقوم بها بعض لجانه. فقد طلبت لجنته الطارئة العليا من الحكومة توفير الدعم المالي  لإنفاذ خطتها. وعرفنا من السيد أتيم قرنق، نائب رئيس المجلس الوطني أمس، أن المطلوب من “جهات الاختصاص” اعتماد ميزانية مقدارها مليون جنيه ونصف تمكن اللجنة من تنفيذ برامجها ومنها أسفار خارجية فيها الجزائر.  بالذات ليه!
لم يجف بعد حبر تنبيهنا للبرلمان أنه هو جهة الاختصاص متى تعلق الأمر بالصرف من خزينة الدولة. فلا جهة تختص بالمال دونه. فهو الأول والآخر في تدبير المال وفي صرفه على ضوء اعتمادات مقررة ومراجعة. هذه وظيفة البرلمان من قامت الدنيا. وقبل ذلك كان تدبير المال ومنصرفه رهيناً بالحكومة (الملك، السلطة التنفيذية). أما وقد انوجد البرلمان فقد بطل التيمم. فإذا ترك مجلسنا الوطني مال البلد على غارب وزارة المالية، جهة الاختصاص المزعومة، فما الحاجة للبرلمان. لمة! عِمّة!
أخذت على البرلمان في كلمتي السابقة الحاح نوابه على طلبهم من جهة اختصاص ما دعمهم اجتماعياً لانتقالهم إلى الخرطوم. وجاءهم “قدر ظروفك” هذا من رئيس الجمهورية. ولو انعقد البرلمان يومها وأجاز هذه الدعم الاجتماعي كما يجب فالبطن ما فيها مغسة. فدا المفروض. وبدلاً عن ذلك انتظروا “العطية” الرئاسية من رأس السلطان التنفيذي. ولم يصبروا بتعفف حتى على وصولها. فما أن سمعوا بالإكرامية حتى أمطروا رئاسة البرلمان بالاستفسارت عنها فأطمأنوا  إلى وصول المبلغ  إلى خزينة البرلمان. وربما جرى صرفها الآن بواقع 15 ألف جنيه لكل نائب.
وتأسفت أن يكون الصوت الطاغي في طلب التصديق المالي للجنة البرلمان موضوع حديثنا هو الاستاذ أتيم قرنق. وهو من حزب ظل يدعو، وبقوة هذه الأيام، على وجوب قيام الخرطوم الأخرى كمهر لوحدة السودان. فالجنوبيون، في قول حزبه، لن يصوتوا للوحدة (أو ربما فات الميعاد!) إذا لم  تتغير الخرطوم المهيمنة. فتغييرها شرط أساسي لو أراد الشماليون الوحدة لأنها هي التي تصنع السياسات التي ترزح تحتها الهوامش. وها هي الفرصة تسنح لواحد منهم، أتيم، ليغير الخرطوم للأخرى ولكنه يضيع الفرصة مرة بعد مرة. فهو يستجدي السلطة التنفيذية لتؤمن له ما يقع تأمينه في نطاق صلاحيات برلمانه، بل وفي ذمته.
فسمة الخرطوم القديمة هي تلاشي الخطوط بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية. وبذلك تهيمن السلطة التنفيذية على مقاليد الأمور هيمنة تجعل السلطات الأخرى ديكوراً. كان هذا حال الخرطوم لنحو 44 عاماً من سنوات استقلالنا الأربع وخمسين. وبالطبع فإن الاستعمار الذي سبق هو أبو دمج السلطات. فهو محض سلطة تنفيذية وأجنبية كمان. فقد ساد فينا إدارياً بنحو 150 موظف تنفيذي واستخدم فقط نحو 500 موظف في سنواته التي بلغت نحو الستين. بل جاء عهد في مايو (1969-1985) كان دمج السلطات عقيدة الدولة لا اختشا لا مدسة. وبلغ مايو حد الاسفاف في هذا السبيل. فقد جعل رئيس القضاء، متولي السلطة القضائية، عضواً بالمكتب السياسي بحكم وضعه الوظيفي. وكانت هذه هي الخرطوم التي شكى منها الهامش مر الشكوى. وكذلك الشعب في المركز. وكان نضال المركز الشعبي عبر السنين للديمقراطية هو بوجه دقيق لفصل السلطات. وهذه هي الخرطوم الأخرى التي حاولناها في الشمال  مراراً. والله غالب. وسنحت الفرصة الآن ليتنزل بها أتيم (في قسمته من السلطة) لفرض سلطان البرلمان في اختصاصه المالي. وما فعل. ولكنه (في أقرب تصريح للجرائد) سيطنب في الحديث عن الخرطوم الأخرى التي إن لم تقم فقد فات قطار الوحدة. والخرطوم الأخرى أقرب إليك من حبل الوريد يا أتيم!

IbrahimA@missouri.edu

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً