الخرطوم – وهم العاصمة الآمنة تفكيك بنية الدولة وعلاقة العسكر بالاقتصاد المدني

زهير عثمان

الخرطوم – وهم العاصمة الآمنة
تفكيك بنية الدولة وعلاقة العسكر بالاقتصاد المدني
الخرطوم ليست مجرد مدينة أنهكتها الحرب؛
هي عاصمة تكشف خللاً مزمناً في طبيعة الدولة السودانية نفسها.
الحديث عن “العودة” دون مساءلة بنية السلطة يشبه ترميم سقف بيت تتآكل أعمدته من الداخل
أولاً الدولة التي ترى العاصمة موقع سيطرة لا فضاء إنتاج
منذ الاستقلال، تشكلت الدولة السودانية حول مركز أمني سياسي أكثر من تشكلها حول اقتصاد منتج
العاصمة لم تُصمم كحاضنة سوق حديث، بل كرمز سيادة وهيبة
لهذا يصبح “تحرير شارع” إنجازاً سياسياً، وبينما لا يُعدّ تشغيل مصنع إنجازاً سيادياً
هذا الخلل في ترتيب الأولويات ليس عرضاً عابراً، بل تعبير عن بنية حكم ترى في السيطرة شرط البقاء، وترى في الاقتصاد مجرد ملحق إداري

ثانياً الاقتصاد تحت المظلة العسكرية
أخطر ما أصاب الاقتصاد السوداني خلال العقود الماضية ليس فقط الفساد، بل عسكرة النشاط الاقتصادي نفسه
تدريجياً، لم يعد العسكر مجرد حماة للحدود، بل صاروا فاعلين اقتصاديين
شركات تتبع لمؤسسات نظامية
استثمارات في قطاعات استراتيجية
سيطرة غير شفافة على موارد وأراضٍ
عندما تصبح المؤسسة العسكرية لاعباً اقتصادياً، فإنها تتحول من “حَكم” يحمي السوق إلى “خصم” ينافسه
وهنا يحدث التشوه في القطاع الخاص المدني يعمل في ظل عدم تكافؤ
الشفافية تغيب بدعوى السرية
المحاسبة تصبح حساسة سياسياً
بهذا المعنى، يصبح الاقتصاد جزءاً من معادلة القوة، لا من معادلة التنمية
ثالثاً من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد ريعي أمني
الدولة التي تعتمد على السيطرة أكثر من الإنتاج تميل إلى نمط ريعي جبايات، رسوم، احتكارات، موارد تدار مركزياً.
في هذا السياق، لا يُشجَّع المستثمر الصغير، بل يُرهَق
ولا يُحمى السوق، بل يُدار بمنطق “التحصيل”
الحرب كشفت هشاشة هذا النموذج
عندما اختفت السيطرة الميدانية، انهار الاقتصاد فوراً، لأنه لم يكن قائماً على بنية إنتاجية متماسكة، بل على شبكة نفوذ
رابعاً أثر العسكرة على الخرطوم تحديداً
الخرطوم كانت مركز هذا التداخل بين السلطة والاقتصاد
وحين اندلعت الحرب، لم تُدمَّر فقط المباني؛ بل انكشف التناقض
مدينة تعتمد على شركات مرتبطة بمراكز القوة،وعلى قطاع غير رسمي يعوض عجز الدولة،وعلى طبقة وسطى بلا حماية مؤسسية حقيقية
عندما تصطدم هذه المعادلة بحرب داخل العاصمة نفسها، لا يبقى شيء يسندها
خامساً لماذا يُعاد إنتاج وهم “العاصمة الآمنة”؟
لأن الدولة التي ترتكز على القوة تحتاج دائماً إلى صورة العاصمة المستقرة كرمز شرعية
العاصمة هي المسرح الذي يُعرض عليه تماسك الدولة
لكن إذا لم يُفصل بوضوح ما بين المؤسسة العسكرية كحامٍ للدستور، والاقتصاد المدني كمجال تنافسي شفاف، فإن أي تعافٍ سيظل هشاً
الاستقرار الحقيقي لا يتحقق حين يمتلك العسكر مفاتيح السوق،بل حين يحمي القانون السوق من الجميع، بما فيهم الدولة نفسها
سادساً إعادة تعريف العلاقة… أو تكرار الحلقة
تفكيك هذه العلاقة لا يعني إقصاء مؤسسة وطنية، بل إعادة تحديد دورها
الدولة الحديثة تقوم على مبدأ واض والمؤسسة العسكرية تحتكر السلاح،لكنها لا تحتكر الاقتصاد

إذا لم يُعاد ضبط هذه المعادلة، فستظل الخرطوم تعيش في دورة -أزمة → تدخل أمني → سيطرة → هشاشة اقتصادية → أزمة جديدة.
العاصمة مرآة الدولة
الخرطوم اليوم ليست ضحية الحرب فقط، بل ضحية نموذج حكم طويل
نموذج دمج القوة بالاقتصاد، والمركز بالأطراف، والسيطرة بالتنمية
العودة الحقيقية لن تبدأ بإزالة المتاريس،بل بإزالة التشوهات البنيوية اقتصاد مدني مستقل
شفافية كاملة في ملكية الشركات العامة والنظامية
رقابة برلمانية حقيقية على المال العام
فصل واضح بين السلطة التنفيذية والنشاط الاقتصادي
وإلا فإن العاصمة الآمنة ستظل عنواناً موسمياً،تعود مع كل خطاب… وتختفي مع أول أزمة
الخرطوم لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار حجارتها،بل إلى إعادة هندسة الدولة التي تديرها.

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

ماشين وين في الجوطة دي؟ السودان بين عناد الرؤوس وضياع الهوية

زهير عثمانخلونا نتكلم بصراحة موجعة، السودان اللي قدامنا ده ما البلد الكنا بنختلف فيها ونتصالح …