كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
في نوفمبر من العام 2016 كتبتُ منشوراً على صفحتي في فيسبوك قلت فيه: (عندما يفكر الأستاذ الجامعي مرتين في شراء مرجع أكاديمي،أو عندما يخرّب شراء المرجع موازنته لبقية الشهر، فلن يعدو أن يكون مجرد «حكواتي» يجتر ما يلقيه على طلابه عاماً بعد عام).
كنت أظن وقتها أنني أصف حالة استثنائية، أو ربما أزمة صامتة لا يشعر بها إلا نفر قليل من العاملين في التعليم العالي. غير أن السنوات التالية – من صدمة جائحة كورونا إلى مأساة الحرب الحالية، ثم القفزات الهائلة التي أحدثها التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي في فضاء المعرفة العالمية – كشفت أن تلك الجملة تجاوزت كونها توصيفاً لحظياً لحالة عابرة، لتصبح نبوءة مبكرة بانهيار مزدوج الأبعاد.
مع حالة الأسى التي تجتاح المرء على خروج السودان رسمياً من مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، يُظهر هذا الخروج الداخلي أن المنشور كان جرس إنذار مبكرٍ لما أسميه هنا الخروج المزدوج: خروج السودان من منظومة التعليم العالمي (الداخلي)، الذي يستتبع حتماً خروج السودانيين من سوق العمل الخليجي (الخارجي) الذي طالما احتضنهم لعقود.
لقد عاش السودانيون لسنوات طويلة على خيال عصر ذهبي كانت فيه الكفاءة المهنية السودانية رأس مال نادر في الخليج. منذ أواخر عقد الستينات وحتى مطلع التسعينات، كان السوداني مطلوباً بشكل استثنائي بفضل جودة التعليم العالي، والتمكن من اللغة والانضباط المهني، وندرة الكفاءات المحلية المؤهلة في الخليج. وشكّل السودانيون خلال تلك الحقبة العمود الفقري للمؤسسات الخليجية في التعليم، الصحة، الإدارة، القضاء، البنوك وحتى الأمن العام، إلى درجة أن الجملة المتوارثة: “نحن بنينا الخليج.” صارت أقرب لأنشودة يترنم بها بشكل أشبه بالمرضي. ذلك أن التاريخ لم يعد مرجعاً صالحاً للتنافس في سوق العمل الحالي، فقد تغيرت قواعد اللعبة.
في العقدين الأخيرين، بعد أن استثمرت دول الخليج بشكل غير مسبوق في جامعات عالمية الشراكة، مشاريع بحثية ضخمة، برامج ابتعاث دولية، إدماج الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في التعليم، وبنى تحتية بحثية متقدمة، إضافة إلى رفع معايير التوظيف والمنافسة. أصبح إنتاج النخبة العلمية محليا، مما قلل الاعتماد على الكوادر الأجنبية التقليدية. وعلى الجانب الآخر، شهد السودان انهيار بنية الجامعات، هجرة الأساتذة، ضعف التمويل، انتشار الجامعات أفقي دون رقابة جودة، حالة شلل تعتري البحث العلمي، و أخيراً حرب عطلت مؤسسات التعليم. والنتيجة خروج السودان من التصنيف العالمي لجودة التعليم 2024، بما يعكس تدهوراً صارخاً في الكفاءة.
وبنظرة على الأسباب التي أدت لخروج السودان رسميا من هذا المؤشر، الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي، يمكن التركيز على أن التقييم يتم بناءً على ركائز أساسية، أهمها جودة النظام التعليمي ككل، وفاعلية تعليم العلوم والرياضيات، ودرجة ملاءمة المهارات المكتسبة لاحتياجات سوق العمل الحديث هو تعذر الحصول على البيانات الإحصائية الرسمية والمحدثة التي يتطلبها التقرير، وهي نتيجة مباشرة لتعطيل وهشاشة المؤسسات الحكومية والبنية التحتية التعليمية بسبب الحرب.
والملاحظة اللافتة أن ثمة ما يجمع بين الدول العربية الأخرى التي خرجت من هذا التصنيف من ناحية جيوسياسية أنها كلها تمر أو مرت بحالات نزاع مسلح عنيف أو حروب. هذا الارتباط الوثيق بين الفشل في الصراع والغياب عن التنافسية المعرفية يؤكد أن الكوارث وغياب الأمن الإنساني كانت بمثابة الضربة القاضية على رأس المال البشري.
في ضوء هذا الارتباط، تصبح نتيجة التقييم إشارة شديدة الوضوح لضرورة تبني مفاهيم وأسس إدارة مخاطر الكوارث والحد منها (Disaster Risk Reduction) ومراعاة بُعد الأمن الإنساني. إن الفشل في حماية البنية التحتية التعليمية من الصراعات والكوارث، هو في حد ذاته المسبب المباشر للخروج المزدوج. فهو يُحْدِث الخروج من الداخل عبر شلل الجامعات وتدهور مخرجاتها، ويُفعل الخروج من الخارج عبر سحب الاعتراف الدولي بالشهادات، مما يجعل الخريج السوداني غير مؤهل للمنافسة في سوق العمل الخليجي. بعبارة أخرى، عدم الاستثمار في إدارة المخاطر هو استثمار في انهيار رأس المال البشري.
وقد تأصل نوع من الوهم في مخيلة كثير من السودانيين أن الخليج سيظل بحاجة للكادر السوداني، وأن تاريخ “بناء الخليج” يعطيهم حصانة مهنية. غير أن معامل الارتباط بين السودان والخليج قد انقلب رأساً على عقب: فالتعليم الخليجي أضحى ينتج خريجين أكثر تأهيلاً، والعمالة القادمة من جنوب آسيا أرخص وأكثر كفاءة، والخريج السوداني تدهورت كفاءته نسبياً بسبب انهيار المنظومة التعليمية. ولم يعد للذكرى أو السمعة القديمة أي تأثير على فرص العمل أو الريع المالي.
وهكذا، تواجه السودان مرحلة سيُحرم فيها من ثمرة الخليج التي كانت ذات يوم دانية قطوفها فقد خضعت تلك السوق لاشتراطات مهنية صارمة لا يمكن للخريج السوداني تلبيتها، ومنافسة شديدة من خريجي دول كالهند وباكستان والفلبين وماليزيا، وتقدم الخريج الخليجي الوطني نفسه. أصبح السوداني، لأول مرة منذ نحو خمسين عاما، عاجزا عن الاحتفاظ بشريان اقتصادي كان مصدر دعم لملايين الأسر.
إن استمرار السودان خارج التصنيف العالمي للتعليم يعني أن شهاداته أقل اعترافاً دولياً، وخريجو الجامعات أقل قدرة على المنافسة، وتراجع التحويلات المالية من الخليج، وتهديد مباشر للطبقة الوسطى السودانية. الخروج المزدوج هو خروج من الداخل (التعليم والكفاءة) وخروج من الخارج (سوق العمل والريع المالي). ولن يُستعاد الريع أو المزايا الاقتصادية إلا بإصلاح جذري للتعليم، وإعادة بناء رأس المال البشري، وتحديث المناهج لتتماشى مع ثورة المعرفة والذكاء الاصطناعي العالمية.
فإذا فكر الأستاذ الجامعي مرتين في شراء مرجع أكاديمي، وفكرت الجامعة خمسين مرة في عمليات التأهيل المستمر لهيئات التدريس، ولو كانت ميزانية الدفاع تقضم معظم ميزانية الدولة، ومع إختلاف أولويات إنفاق الأسر في ظل ركود اقتصادي حاد وتراجع قيمة العملة السودانية، كل ذلك سيسهم في إفراز كوادر يمكن وصفها بأنها أكملت سنوات الدراسة ب “نجاح”، دون اختبار حقيقي لما يعرف بالـ Learning Outcomes على مستوى الإدراك والسلوك والمهارات والمعرفة. فأين يتوقع أن يجد الخريج السوداني مقعده في سوق العمل؟ وهل سيُسمح له أن يلتقط ثمرة الخليج التي كان يستمتع بها حينا من الدهر، ويستفيد منها كما استفاد جيله السابق؟ الواقع يشير إلى أن الطريق أصبح أكثر صعوبة، وأن “الخروج المزدوج” سيظل يفرض نفسه ما لم يُستعد الاستثمار الحقيقي في التعليم والكفاءة، قبل فوات الأوان.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم