خيط النور
الخيط الذي لا ينقطع
في لحظات الصمت، تتكشّف الأسئلة التي لا نسمعها عادة!
تساءلت كثيراً في الأسابيع الفائتة، عما يفعله الغياب عن القراء. هل هناك من يفتقدك؟ هل البريد الإلكتروني يتساءل عن غيابك؟ أم أن شراهة الحياة اليومية تُفتر القراءة وتُغيّب الكلمات في زحمة الواجبات؟
غير أن غيابي عن هذا الركن لم يكن نسيانًا ولا فتورًا، بل كان أشبه بانحناءة قصيرة يأخذها الخيط قبل أن يُشدّ من جديد. كتبتُ طويلاً خلال الأسابيع الماضية، وانغمستُ في عوالم روايتي الأخيرة حتى صرت أتنفّس داخلها أكثر مما أتنفّس في هواء الأيام. وعندما انتهيت منها، وجدت نفسي أمام فراغ غريب، صمت يشبه صمت بيتٍ غادره ضيوفه بعد ضجيج طويل.
أفكّر الآن أن الكتابة نفسها ليست سوى خيط ممتد، يتلوى بين أصابعنا كما يتلوى الضوء في مسارب ضيقة. أحيانًا نشعر أن الخيط ارتخى، وأن قبضتنا عليه ضعفت، لكن الحقيقة أنه يظل هناك، خفيًّا أو ظاهرًا، متينًا أو هشًّا، يربطنا بما هو أبعد من اللحظة: بذكرياتنا، وأحلامنا، وبالذين ينتظرون كلماتنا من بعيد. وأكثر ما يثير فيّ الشغف، هو أولئك الذين ينتظرون في صمت. إنه توقّع يشوبه الحب، دفعة دعم وثقة كالماء، تُبرد النار وتلطف الداخل.
ولعل أكثر ما يحتاجه الكاتب هو هذا الدعم الخفي: ربما كلمة، ابتسامة، أو حتى مجرد سؤال يستدعي ذاكرة حيّة ويزحمنا بتفاصيل تفيض عن جوهر صمتنا، فنكتب بحب وغبطة.
الحب هو بداية الحرف وأوسطه وآخره. هو النغمة التي تتردد بين لحنٍ طروب ومدحٍ شفيف، كأنك ترتقي من مقام إلى مقام لتلمس ضوءًا عابرًا فتهتدي به.
لكن الخيط لا يقتصر على الكتابة وحدها. كلنا نعيش بخيوط صغيرة ومتعددة: خيط الأمومة والأبوة، خيط الأخوة، خيط الصداقة، خيط الحب، خيط الإيمان، خيط الحنين، وخيط اليقين. بعضها نراه واضحًا يشدّنا بقوة، وبعضها الآخر خفيّ لا ندركه إلا حين نبتعد فنشعر بالفراغ الذي يخلّفه وراءه.
أفكر في خيط الصداقة مثلًا. كيف يمكن لأخت أن تكون صديقة، ولصديقة أن تتحول مع الوقت إلى أخت بالروح والرابط. إنه خيط لا يُنسج بوعيٍ كامل، بل يتكوّن من لحظات صغيرة، من حوارات عابرة وقلق مشترك ودعم خفي. وكلما اشتدّت الحياة، كلما شعرنا بحقيقة هذا الخيط وعمقه.
أما خيوط العائلة الصغيرة، رغم الواجبات الكثيرة والانشغالات المتزاحمة، يظل الحب هو الدافع للبقاء. ذلك الحب الذي لا يحتاج إلى إعلان، بل يكفيه وجود صامت، نظرة حانية، أو دعاء يُقال دون أن يُسمع.
هنا، وفي هذا المقام، أقول إن خيط أمومة النصوص هو خيط من جنين حلم. ترهقنا تفاصيله، ويسعدنا حضوره، نتشرّبه ونخاف عليه أكثر كلما كبر. كأنني ألمح سامر وراندي يتهادون بين السطور، يقفزون بين ثنايا الورق، فتكبر أحلامي ويتقد خوفي أكثر!
كنت سابقاً أقول إن كتابة الرواية مخاض عسير، لكني الآن تعلّمت أن المخاض لن يكون عسيرًا إن تنفست ببطء وسط ضجيج أفكارك المتلاحقة. كأنما تراقب أبناءك وهم يلعبون: تنظر بعين الرحمة، وتحيط رهافتهم بعين المحبة والتوكل.
فالحب مشترك في كل شيء، نسمو به، ونكتب، ونتنفس، فنحيا بشغف أكبر. غير أن بقية الخيوط، خارج النص، ترتكز على الود في مضمونها، وتفرد السخاء في ظاهرها.
ولعل أجمل ما في الخيوط أنها ليست قيدًا ولا سلسلة، بل هي امتداد يجعلنا متصلين حتى ونحن نغيب. قد نبتعد قليلاً، نتوقف، نلوذ بالصمت أو العزلة، لكن الخيط يظل موجودًا، كالوتر المشدود في آلة موسيقية، ينتظر لمسة صغيرة ليعود فيصدر نغمة.
لهذا أعود اليوم إلى خيط النور، لا لأن الخيط انقطع، بل لأنه كان يتنفس قليلًا، يتأمل امتداده، ويمنحني الفرصة لأن أرى معناه من جديد. وما أجمل أن نكتشف، مع كل ارتخاء، أن الخيوط التي تربطنا بالعالم أعمق وأقوى مما نظن.
وأن الكلمات، حين تُكتب بحب، لا تبتعد… بل تعود دائمًا، ومعها خيط لا ينقطع.
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم