الدال الصفري المتخفي the concealed zero signifier فى السودان هو ذلك الموقع الاجتماعي والثقافي الذي يفرض رؤيته للعالم باعتبارها رؤية عامة ومحايدة، دون أن يفصح عن هويته الجزئية أو مصالحه الخاصة. إنه، في تقديري، الذكر المسلم المنتمي إلى المجموعات السكانية المهيمنة في شمال ووسط السودان، الذي استطاع، منذ الاستقلال، أن يحتل موقع المركز في تشكيل الدولة الوطنية، وتحديد هويتها الثقافية والدينية، وتوزيع سلطتها وثروتها وفرصها.
تكمن خطورة هذا الدال في أنه لا يقدم نفسه باعتباره ممثلاً لجماعة إثنية أو ثقافية بعينها، وإنما يتحدث باسم السودان كله، وكأن تصوره للدولة والمجتمع والتاريخ هو التصور الطبيعي الوحيد الممكن. وهكذا تتحول خصوصيته الثقافية إلى معيار عام، بينما تُدفع خصوصيات المجموعات الأخرى إلى هامش المجال الوطني، أو يُطلب منها الاندماج في هوية جرى تعريفها مسبقاً دون مشاركتها المتكافئة في صياغتها.
لم يكن هذا الوضع مجرد خلل في التمثيل السياسي، بل ارتبط ببنية تاريخية للسلطة أنتجت تفاوتاً في الوصول إلى المناصب القيادية والثروة والتعليم والخدمات، وأعادت إنتاج التهميش على أسس جغرافية وإثنية وثقافية. وبعد الاستقلال، بدأت مجموعات سكانية في غرب السودان وجنوبه والنيل الأزرق ومناطق أخرى تدرك أن ما تواجهه ليس مجرد تأخر في التنمية، بل اختلال أعمق في طبيعة الدولة ذاتها، وفيمن يملك حق تعريف هويتها وتحديد أولوياتها.
جاء انقلاب نظام الإنقاذ عام 1989 ليزيد هذه البنية رسوخاً، إذ لم يكتفِ بإعادة إنتاج التفاوتات الموروثة، بل وظّف الدين في إضفاء شرعية مقدسة على السلطة، واستخدم خطاباً إقصائياً يخلط بين الولاء السياسي والانتماء الديني، وبين معارضة النظام ومناهضة الدين. وبذلك تحولت الخلافات السياسية والاجتماعية إلى صراعات ذات طابع وجودي، تُستدعى فيها المقدسات لتبرير الإخضاع والعنف.
وفي هذا السياق، لم تكن الحروب التي شهدها السودان أحداثاً منفصلة عن طبيعة الدولة وأزمتها، بل كانت، في جانب مهم منها، تعبيراً عن إخفاق المشروع الوطني في بناء مواطنة متساوية. وقد تجلت الكلفة الإنسانية والأخلاقية لهذا الإخفاق في الحرب التي انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011، وفي المأساة الممتدة في دارفور، حيث ارتُكبت جرائم واسعة النطاق في ظل نظام الإنقاذ، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق عمر البشير، تضمنت اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
إن استدعاء هذه الوقائع ليس بغرض اختزال تاريخ السودان في هوية إثنية واحدة، أو تحميل كل أبناء الشمال والوسط مسؤولية جرائم النظام، وإنما بغرض كشف العلاقة بين احتكار تعريف الدولة وبين تهميش الآخرين، وبين استخدام الدين لتبرير السلطة وبين تحويل الاختلافات السياسية والاجتماعية إلى ذرائع للعنف.
اليوم، يقف السودان أمام حرب جديدة تفجرت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وامتدت آثارها المدمرة إلى مختلف أنحاء البلاد، مع تفاوت أنماط العنف والانتهاكات بين المناطق والقوى المتحاربة. وفي تقديري، لا يمكن فهم هذه الحرب أو بناء مشروع حقيقي لإنهائها دون مساءلة البنية التاريخية التي جعلت الدولة ساحة للتنافس على السلطة والموارد، بدلاً من أن تكون إطاراً للمواطنة المتساوية.
ولا يعني ذلك أن الجيش والدعم السريع كيان واحد، أو أن الانتهاكات المنسوبة إلى أحدهما تبرر انتهاكات الآخر. بل إن التمييز بين المسؤوليات، وتحديد طبيعة الأهداف العسكرية والمدنية، والتحقيق المستقل في الوقائع، أمور ضرورية لأي موقف أخلاقي وسياسي جاد. فالمسؤولية عن استهداف المدنيين لا تُحدَّد بالهوية السياسية للفاعل، وإنما بالأدلة والوقائع والقانون.
من هنا، أرى أن مهمة التنوير في السودان ينبغي أن تتجاوز الإدانة العامة للحرب إلى كشف الدال الصفري المتخفي، أي تفكيك تلك الهيمنة التي تجعل جماعة بعينها تبدو وكأنها تمثل الوطن في كليته، وتجعل مصالحها ورؤيتها معياراً للحياد والعقلانية، بينما تُصوَّر مطالب الآخرين بالعدالة والمساواة باعتبارها مطالب فئوية أو تهديداً لوحدة البلاد.
وهنا يبرز اعتراضي على موقف قوى «صمود» حين تتخذ الحياد بين الطرفين المتحاربين أساساً لموقفها السياسي، من دون أن تقرن هذا الموقف بتحليل تاريخي واضح لجذور التهميش وبنية الهيمنة. فالحياد بين المتحاربين قد يكون موقفاً تكتيكياً أو أخلاقياً يهدف إلى وقف الحرب، لكنه لا يكفي وحده لبناء سلام مستدام بل هو حياد ماساوى تجاه شرور الاسلاميين . وإذا ساوى الخطاب السياسي بين الأطراف في صياغة الإدانة، من دون التمييز بين أنماط العنف ومسؤوليات الفاعلين وسياقاتها، فإنه يخاطر بتحويل الحياد إلى ستار يحجب الاختلالات البنيوية التي أسهمت في إنتاج الأزمة.
وقد برز هذا الإشكال، في تقديري، في النقاشات المتعلقة بضربات المسيّرات الأخيرة، إذ رأيت في نمط الاستهداف ما يدعو إلى التساؤل عن الفارق بين استهداف المواقع العسكرية واستهداف التجمعات المدنية في غرب السودان. غير أن تثبيت هذه الفرضية يحتاج إلى توثيق مستقل لكل واقعة، وتحديد الأهداف والخسائر والجهة المسؤولة عنها، بدلاً من الاكتفاء بالاستنتاج السياسي المسبق. فالتنوير الذي ندعو إليه يجب أن يقوم على كشف الوقائع، لا على استبدال رواية مهيمنة برواية مضادة غير ممحصة.
إن المطلوب ليس إحلال هيمنة إثنية محل أخرى، ولا إدانة جماعية لسكان منطقة بعينها، بل تحرير المجال الوطني من احتكار أي جماعة لتعريف السودان وهويته ومصالحه. فالمواطنة المتساوية لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى الوحدة الوطنية، وإنما بإعادة تأسيس الدولة على الاعتراف بالتعدد، والعدالة في توزيع السلطة والثروة، والمساواة أمام القانون، والفصل بين شرعية الدولة وادعاء امتلاك الحقيقة الدينية أو الثقافية.
إن هزيمة الدال الصفري لا تعني هزيمة جماعة سكانية، بل هزيمة الامتياز الذي يسمح لخصوصية جماعة بأن تتخفى في صورة الكل، ولرؤيتها بأن تُقدَّم باعتبارها الحياد نفسه. وتلك هي المهمة التنويرية الحقيقية: أن نجعل ما كان مستتراً مرئياً، وما كان يُقدَّم باعتباره طبيعياً موضعاً للنقد، وما كان يُفرض باسم وحدة السودان موضوعاً للنقاش الديمقراطي.
فالسودان لن يخرج من أزمته بمجرد إسكات البنادق، ما لم يواجه أيضاً الأسئلة التي ظلت مؤجلة منذ الاستقلال: من يملك تعريف الوطن؟ ومن يحدد هويته؟ وكيف يمكن بناء دولة لا يحتاج فيها أي مواطن إلى التخلي عن خصوصيته الثقافية أو الدينية أو الإثنية لكي يحظى بحقوقه كاملة؟
طلعت محمد الطيب
