نزار عثمان السمندل
تمرّ بعض الأخبار مرور الكرام. تولد لتعيش يوماً واحداً، بينما قد تأتي أخبار غيرها وهي تحمل في طياتها فكرة قادرة على أن تعيش عقوداً. وما أقرّه البرلمان الموريتاني من تعديلات تمنع العسكريين من الانخراط في العمل السياسي، ينتمي إلى النوع الثاني.
الخبر، في جوهره، يتجاوز حدود موريتانيا، ويفتح نافذة مشرعة على سؤال ظل يؤرق العالمين العربي والأفريقي لعقود طويلة: أين يجب أن يقف الجيش؟ في الثكنة أم في القصر؟
سؤال يكفي لفهم كثير من المآسي. فمنذ أن خرجت الجيوش في منطقتنا من الثكنات، تبدلت خرائط الدول. تمددت المؤسسة العسكرية خارج وظائفها الطبيعية، واستقرت في قلب السلطة، ثم أخذت تعيد رسم السياسة والاقتصاد والإدارة والإعلام وفق منطق القوة.
لهذا تبدو الخطوة الموريتانية ذات قيمة تتجاوز نصاً قانونياً جديداً. إنها محاولة لإعادة ترسيم الحدود بين السلاح والدستور، بين القيادة العسكرية والإرادة الشعبية، بين من يحرس الدولة ومن يديرها. فكل دولة مستقرة تحتاج إلى جيش محترف، كما تحتاج إلى فضاء سياسي لا تظلله البنادق ولا تتحرك فيه الأحزاب تحت ظلال الرتب العسكرية.
القانون الموريتاني الجديد، الذي يحظر على العسكريين المشاركة في النشاط السياسي، أو الانخراط في الحملات الحزبية، أو جمع الأموال للأحزاب، أو التوقيع على العرائض السياسية، لا يضع قيداً على العسكري بقدر ما يحرر المؤسسة العسكرية نفسها من إغراء السلطة. هو لا يعاقب الجيش، وإنما يحميه من أن يتحول إلى حزب مسلح، ويحمي السياسة من أن تصبح امتداداً للبندقية.
هذه الفكرة تستحق أن تُقرأ طويلاً في السودان.
فالسودان لم يعانِ من انقلاب واحد. لقد عاش، منذ الاستقلال تقريباً، داخل دورة مغلقة من الحكم العسكري، حتى أصبحت الانقلابات جزءاً من ذاكرة الدولة.
وكلما حاول المدنيون بناء تجربة سياسية، خرجت دبابة لتعلن نهاية الحلم وبداية مرحلة جديدة من الوصاية.
ولم يكن ثمن ذلك سياسياً فقط.
فالعسكر، حين يصبحون سلطة دائمة، لا يحتكرون القرار السياسي فحسب، وإنما الاقتصاد أيضاً. تتسع إمبراطورياتهم المالية، وتصبح الشركات والمعابر والموانئ والأراضي والموارد جزءاً من شبكة نفوذ مغلقة لا تخضع للرقابة المدنية. وعندما تختلط البندقية برأس المال، يصبح الدفاع عن الامتيازات دفاعاً عن السلطة، فتدخل البلاد في حلقة لا تنتهي من الانقلابات والحروب.
ولعل الحرب السودانية الدنيئة الراهنة، هي التعبير الأكثر فظاظة عن هذه الحقيقة. فما تشهده البلاد اليوم ليس إلا انفجاراً لصراع طويل بين مراكز القوة العسكرية التي تمددت حتى أصبحت الدولة رهينة لها. وعندما تتعدد مراكز القوة المسلحة، تتراجع الدولة خطوة بعد أخرى، حتى تجد نفسها غائبة عن المشهد الذي يفترض أنها تديره.
لهذا، فإن أي جمهورية سودانية جديدة تستحق اسمها، تحتاج إلى أن تجعل من العلاقة بين الجيش والسياسة إحدى أكثر مواد الدستور صرامة ووضوحاً. فالدساتير لا تحرسها البلاغة، وإنما تحرسها النصوص المحكمة. ومن الحكمة أن يتضمن الدستور نصوصاً تمنع العسكريين، في الخدمة أو بعد مغادرتهم المؤسسة العسكرية، من ممارسة العمل الحزبي أو الترشح للمناصب السياسية إلا بعد انقضاء فترة انتقالية كافية تضمن انفصالهم الكامل عن النفوذ العسكري، وتحول دون انتقال السلطة من الثكنة إلى القصر بالزي المدني.
ذلك هو حجر الأساس، في بناء الدولة الحديثة. فالجيوش الكبرى اكتسبت احترامها لأنها أتقنت مهنتها، ورسخت عقيدتها الوطنية، وجعلت الدستور مرجعيتها العليا. وكلما ازداد الجيش احترافاً، ازدادت الدولة استقراراً، واتسعت مساحة السياسة، واستعاد المجتمع ثقته بأن مستقبله تصنعه صناديق الاقتراع، لا فوهات البنادق.
وبالتالي، فإن ما فعلته موريتانيا، بصرف النظر عن دوافع السلطة أو الحسابات السياسية المحيطة بالقانون، يظل خطوة تستحق التأمل. فالقوانين تُقاس بما تؤسسه من مبادئ، وما تفتحه من أبواب أمام المستقبل. وإذا نجح هذا التشريع في ترسيخ قاعدة أن مكان الجيش هو حماية الدولة لا حكمها، فإنه يقدم سابقة جديرة بأن تُقرأ بعناية في كل بلد أنهكته الانقلابات.
اليوم، والسودان يتمشّى في واحدة من أكثر محطاته التاريخية قسوة، يجد في هذه التجربة ما يستحق أن يُكتب بحروف واضحة في دستوره المقبل. فالسلام الحقيقي يبدأ يوم تعود البنادق إلى الثكنات، وتعود السياسة إلى المدنيين، ويصبح الدستور أعلى من الجنرال، والدولة أكبر من الجيش، ويستعيد السودانيون حقهم الطبيعي في أن يُحكموا بإرادتهم، لا بإيقاع الخطوة العسكرية.
