د. السر أحمد سليمان
أستاذ علم النفس التربوي بجامعة حائل – المملكة العربية السعودية
لم تكن فنلندا حاضرة في أدبيات الفكر التربوي أو في علم النفس التربوي ونظريات التعلم، ولم يرد اسم أي فيلسوف أو منظر في مراجع التربية وعلم النفس من الفنلنديين، وفجأة تصدرت فنلندا الأخبار في مجال التعليم، وذلك بإحراز طلبتها المراكز الأولى في الاختبارات الدولية في مهارات القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم، وذلك لعدة سنوات متتالية في الألفية الجديدة!!!!
وكثرت التساؤلات عن التعليم الفنلندي والعوامل التي ساعدت في ذلك التفوق على المستوى العالمي، ومنافسة كثير من الدول الراسخة في مجال التعليم في العصر الحديث. وعلى الرغم من أنّه لا يوجد سبب واحد لنجاح أو فشل أي نظام تعليمي، ولكن هناك منظومة من العوامل التربوية والسياسية والثقافية المترابطة التي تعمل بشكل مختلف في حالات مختلفة، والتي تؤدي إلى النجاحات الملحوظة.
ولذلك برز عراب التربية والتعليم في فنلندا الدكتور باسي سالبرج والخبير التربوي العالمي، وقدم كتابا تحليليا راقيا عن العوامل التي تقف وراء التطور في التعليم الفنلندي والتي جعلته يتبوأ تلك المراكز المتقدمة على مستوى العالم.
وصدر الكتاب بعنوان: الدروس الفنلندية (الدروس المستفادة من تجربة التغيير والإصلاح التعليمي في فنلندا). (FINNISH LESSONS: What can the world learn from educational change in Finland) للمؤلف باسي سالبرج (Pasi Sahlberg).
وقد عبّر الدكتور باسي سالبرج عن الهدف من كتابه بقوله: “الهدف من هذا الكتاب التأكيد على أنه بإمكاننا التعلم من بعضنا البعض. فقد تقدم فنلندا إلهاما للتربويين في بلدان أخرى للتفكير بعمق تجاه مدارسهم وثقافاتهم. وهناك العديد من الدروس كالتي أشارككم إياها في هذا الكتاب يمكن للآخرين أن يتعلموا منها كما سبق وتعلمت فنلندا من تربويين آخرين وأنظمة مدرسية أخرى حول العالم”.
وسوف استعرض أهم الجوانب التي تضمنها الكتاب عن ميزات وعوامل تطور التعليم في فنلندا، وذلك من أجل الاستفادة من هذه التجربة، والاستضاءة بها لتطوير التعليم في بلادنا، لاسيما ونحن نطمح لتقديم إصلاحات في الجوانب المختلفة قبل أن تبدأ هذه الحرب المدمرة، فما بالك بعدها؟
أولا: السياسات التعليمية الفنلندية:
تميزت السياسات التعليمية في فنلندا بوجود: الرؤية الملهمة لما ينبغي أن يكون عليه التعليم العام الجيد. حيث التزمت فنلندا بشكل خاص ببناء مدارس أساسية جيدة لكل الأطفال، وتلك المدارس يمولها القطاع العام وتدار محليا. وأصبح هذا الهدف التعليمي المشترك ذا جذور عميقة في السياسة العامة في فنلندا حيث بقي هذا الهدف صامدا وسليما أمام سياسات الحكومات والوزارات المتعاقبة من دون المساس به. فمنذ قيام مدارس التعليم الأساسي في أوائل السبعينيات كانت هناك 20 حكومة مختلفة و27 وزيرا للتعليم كانوا في مسؤولية الإصلاحات التعليمية في فنلندا، ومع ذلك كان هناك التزام قوي جدا بإنشاء مدارس عامة وعظيمة لجميع الأطفال وهي التي يسميها البعض بالحلم الفنلندي.
وهدفت سياسات التعليم الفنلندي منذ السبعينيات لإتاحة مكان في كل مدرسة لكل طفل، أكثر من تطلعها للترقي في جداول التصنيفات الدولية. وتوجد استراتيجية تعليمية خاصة وشاملة حيث إنه قرابة نصف الطلاب في البلد تلقوا دعما تعليميا خاصة في مرحلة ما قبل إكمالهم أعوام التعليم الأساسي التسعة هذا بدلا عن استراتيجية التعليم الخاص والقائمة على التحديد والتسكين والتصنيف القانوني للطلاب.
وتتبنى السياسة التعليمية فرضية أساسية؛ وهي أنّ كل الأطفال يجب أن تتاح لهم فرص متكافئة للنجاح التعليمي في المدرسة، ولأن عملية التعلم بالمدارس تتأثر بقوة الخلفية الأسرية للطفل والعوامل الأخرى ذات الصلة فتحقيق، نواتج ومخرجات متساوية لجميع الطلاب يتطلب أن تمول المدارس وفقا للاحتياجات الحقيقية من خلال مراعاة عدم التمييز بين الطلبة أينما كانوا.
ثانيا: إعلاء مكانة مهنة التعليم، والعناية في اختيار المعلمين وإعدادهم:
يعتز الفنلنديون برئيس فنلندا في الفترة (94- 2000)، وهو المعلم مارتي اهتيساري (Martti Ahtisaari) والحائز على جائزة نوبل للسلام. ولذلك يعلون من شأن المعلمين. وأصبحوا يهيئون بيئة محترمة وملهمة للمعلمين وقادة المدارس الفنلندية. وقامت فنلندا بتصميم برامج تعليمية للمعلمين على مستوى عالمي، وكذلك قدمت رواتب مجزية للمعلمين، ولكن الفرق الحقيقي هو أنّ المعلمين في فنلندا يتوقع منهم ممارسة معرفتهم المهنية بشكل كامل وممارسة التقويم على نحو مستقل ويتحكمون في المناهج الدراسية وتقييم الطلاب وإصلاح بيئة المدرسة وإشراك المجتمع المحلي وهذا ما يسمى بمهنية المعلم.
ويعتني الفنلنديون كثيرا باختيار الطلبة للالتحاق ببرامج إعداد المعلمين. بحيث يمر المتقدمون للالتحاق ببرامج إعداد المعلمين في الجامعة بمرحلتين من الاختبارات والتقييم المدخلي، وذلك من أجل التأكد من مقدرتهم على تعلم العلوم التربوية والبحث في التعليم، والتأكد من خصائصهم وسماتهم الشخصية وقدراتهم العقلية التي تجعلهم معلمين فاعلين.
وبعد اجتياز تلك الاختبارات يتم إلحاقهم ببرامج إعداد المعلمين الذي تشترك فيه كليات العلوم والآداب والتربية والكليات المهنية وإدارات تدريب المعلمين، والدراسات العليا. وتختتم برامج إعداد المعلم القائمة على البحوث بأطروحة الماجستير حيث يقوم معلمو المدارس الابتدائية المرشحون عادة لاستكمال أطروحاتهم في مجال التعليم وغالبا ما يكون موضوع الماجستير ذا علاقة بممارسات المعلمين في المدرسة أو الفصول الدراسية في مجال تخصصاتهم مثل تدريس أو تعليم الرياضيات. أما الطلاب المعلمين للمواد فلهم الخيار في تحديد موضوع الأطروحة ضمن مادة التخصص الرئيسة لهم. وبصورة عامة يتميز إعداد المعلمين في فلندا على غيرها من البلدان بما يلي:
- استقطاب الموهوبين والأكثر قدرة للعمل في التدريس.
- التعاون بين كليات المواد الدراسية وكليات التربية.
- إعداد المعلم القائم على البحث.
- استمرارية تطوير تدريب المعلمين أثناء العمل.
والذي يجعل التدريس وظيفة ذات مكانة في فنلندا يظهر من خلال ما يتوفر للمعلمين من بيئات وأماكن عمل تسمح لهم بالقيام برسالتهم الأخلاقية في فنلندا، فيدخلون مهنة التدريس نتيجة لرغبة داخلية، للعمل مع الآخرين ومساعدة الناس والمجتمع. ومن خلال التدريس يتوقع المعلمون في فنلندا أنّهم سوف يستمتعون ب الاستقلالية المهنية والمكانة والاحترام والثقة في عملهم. وبالإضافة لذلك فإنّ مستوى المرتبات يزيد قليلا عن المتوسط مقارنة بالوظائف الوطنية في المجالات الأخرى. ويزداد ويرتفع المرتب بناء على الجدارة والأداء وذلك وفق معايير مختلفة.
ثالثا: تميز الطريقة الفنلندية في التعليم:
لم تستجب فنلندا للنفوذ الدولي واستعارة الأفكار التعليمية من الآخرين، ولكنها استطاعت في النهاية بناء طريقتها الخاصة في بناء النظام التعليمي القائم اليوم والذي سمي بالطريقة الفنلندية، لأنه يختلف عن حركات الإصلاح التربوية العالمية التي هيمنت على السياسات التعليمية في معظم أنحاء العالم، حيث حافظت طريقة التغيير الفنلندية على أفضل التقاليد والممارسات الجيدة ومزجت ذلك مع الابتكارات المستوحاة من الآخرين.
وقد أظهرت فنلندا طريقتها الخاصة في التعليم استنادا على النظريات والابتكارات العالمية في مجال التربية وعلم النفس، ولكن قامت بتكييفها وتهجينها وفق الإمكانات والعوامل المحلية، ومما ينبغي أن تجدر الإشارة إليه أنّهم تبنوا فلسفة جون دوي الأمريكي التقدمية في التربية، وأنّهم طبقوا طرق التعليم التعاون، وأنّهم راعوا الذكاءات المتعددة للطلبة، وأنّهم استخدموا طرق التقييم تقييم البديل للطلاب في حجرة الدراسة، وأنّهم اعتمدوا على التدريب وتعلم الأقران في تعلم الطلبة. ومن المفارقات في طرق التعليم الفنلندي أنّه تميز على التعليم العالمي فيما يلي: - تدريس أقل وتعلم أكثر: وذلك أنّ الواجبات المدرسية أقل في كميتها ولكنها نوعية. وأنّ اليوم الدراسي أقل من العالم، ولكن الطلبة ينغمسون في الأنشطة المتعلقة بالتعليم خارج نطاق دوام المدرس.
- أوقات عمل المعلمين في المدارس أقل من أوقات عمل نظرائهم في البلدان الأخرى، ولكنهم يتواصلون مع طلبتهم خارج الدوام ويقدمون لهم الإرشادات.
- اختبارات أقل وتعلم أكثر، وذلك أنّ تقوم الطلبة لا يعتمد على الاختبار التحصيلية أيا كانت، سواء كانت محلية أو مركزية، وإنّما يتم تقويم تعلم الطلبة من خلال طرق التقويم التشخيصي، والتقويم التكويني، والتقويم الشخصي الشامل. ولكن يتم تقويم عمل المدارس بصورة عامة من خلال إجراءات مركزية معينة.
- المزيد من العدالة: وذلك بتمكين كل طالب من التعلم بما يناسبه، وتقديم الخدمات النوعية للطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال برامج الدمج.
- التعاون بين المدارس: وذلك بنا على الافتراض بأن تعليم الناس عملية تعاونية وأن التعاون والتواصل وتبادل الأفكار بين المدارس سيسهم في نهاية المطاف في رفع نوعية التعليم وعندما تتعاون المدارس ستساعد بعضها البعض وهذا أيضا سيساعد المعلمين على إيجاد الثقافة التعاونية في صفوفهم.
- التركيز على الطفل من جميع الجوانب: وذلك أنّ التدريس يركز على التعلم العميق والواسع والاهتمام المتوازن بجميع جوانب النمو في شخصية الفرد، مع مراعاة الجانب الأخلاقي والإبداع والمعرفة والمهارات. ومساعدة الطفل اكتشاف مواهبه وتنميتها.
كيف يمكن الاستفادة من تجربة تطور التعليم في فنلندا في إصلاح وتطوير تعليمنا؟ - أولا: تكثيف التثقيف التربوي، وعرض النماذج التعليمية المتنوعة لتنمية الوعي لدى كل المجتمع عامة والقادة وصناع القرار بصورة خاصة.
- ثانيا: تحقيق مبدأ تكافأ الفرص التعليمية: وهذا المبدأ لا يتمثل في توسيع خارطة المدارس لتغطي معظم المناطق ليتعلم كل الأطفال فحسب، لأن هذا حق أصيل ودستوري، ولكن تكافأ الفرص هو تقديم الدعم المناسب للمتعلمين على حسب احتياجاتهم، في السكن والاعاشة والتوصيل والعلاج والرفاهية وغيره.
- ثالثا: التركيز على تنمية المهارات في التعليم بدلا من التركيز على التحصيل الدراسي للاستعداد للاختبارات.
- رابعا: العناية بالمعلمين من خلال حسن اختيارهم، وتطوير إعداد المعلمين وتدريبهم في البرامج النوعية المتكاملة وذلك بتكامل عمل الجامعات وإدارات التعليم.
- خامسا: العناية بالمعلمين من حيث التوظيف، وتحسين الرواتب والامتيازات الأخرى التي تجعل المهنة جاذبة للشباب المتميزين ذوي المقدرات العالية، والسماح لهم بقدر من الاستقلالية لإبراز مقدراتهم القيادية والتطويرية في مجال التعليم.
sirkatm@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم