الدعم السريع من حرب الفظائع إلى قائمة المنظمات الإرهابية: الأدلة، مشروعات التصنيف، شبكات التمويل، ومسارات العدالة الدولية
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يعرض المقال تقييماً قانونياً وتحليلياً لمسألة تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، منطلقاً من التمييز بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والإرهاب، مع بيان أن التصنيف الإرهابي يخضع لأنظمة قانونية وطنية وإقليمية مختلفة ولا يوجد حتى الآن تصنيف دولي موحد يجعل الدعم السريع منظمة إرهابية في جميع الدول. ويرى أن حجم الانتهاكات الموثقة وطبيعة التنظيم والقيادة وأنماط التمويل والعنف جعلت القضية تنتقل من مجرد توصيف سياسي إلى ملف قانوني يناقش في المحاكم والبرلمانات والهيئات الدولية.
يوضح المقال أن الإرهاب لا يملك تعريفاً دولياً موحداً، لكنه يقوم غالباً على استخدام العنف أو التهديد به ضد المدنيين بهدف نشر الرعب أو تحقيق غرض سياسي أو إكراهي، بينما ترتبط جرائم الحرب بانتهاك قواعد النزاعات المسلحة، وتتطلب الجرائم ضد الإنسانية هجوماً واسعاً أو منهجياً ضد السكان المدنيين، وتستلزم الإبادة الجماعية إثبات قصد خاص لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية. وقد يجتمع أكثر من وصف قانوني للفعل الواحد إذا استوفى كل جريمة عناصرها المستقلة.
يستعرض المقال الإطار السوداني المستند إلى قانون مكافحة الإرهاب وإلى المرسوم الدستوري رقم 7 لسنة 2023 الذي أعلن حل قوات الدعم السريع وتصنيفها منظمة إرهابية داخل السودان، مؤكداً أن هذا التصنيف لا يكتسب أثراً دولياً تلقائياً. كما يؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية مختصة بالنظر في جرائم دارفور بموجب إحالة مجلس الأمن (القرار 1593 لعام 2005)، وأن المسؤولية الجنائية الدولية تركز على الأفراد لا على تصنيف الجماعة تنظيماً إرهابياً.
ويستعرض تطور قوات الدعم السريع من مليشيات دارفور منذ 2003 إلى قوة أعيد تنظيمها عام 2013 ثم أضفيت عليها صفة قانونية بقانون 2017، مع احتفاظها باستقلال في القيادة والتمويل والتجنيد، وصولاً إلى مشاركتها في انقلاب أكتوبر 2021 ثم الحرب المفتوحة مع الجيش منذ أبريل 2023. ويرى المقال أنها تستوفي معايير الجماعة المسلحة المنظمة من حيث القيادة المركزية والوحدات الميدانية والقدرة على التجنيد والتمويل، وهو ما يساعد في إسناد المسؤولية القيادية عند إثبات السيطرة الفعلية والعلم بالجرائم.
يعرض المقال طيفاً من الوقائع الموثقة: القتل الجماعي والاستهداف الإثني في غرب دارفور واستهداف المساليت، وحصار الفاشر وسقوطها في أكتوبر 2025، حيث وثقت بعثة تقصي الحقائق الدولية القتل الجماعي والاغتصاب والتعذيب والتجويع، مع مؤشرات قوية على أفعال مادية قد ترقى إلى الإبادة الجماعية تجاه جماعتي الزغاوة والفور، مع بقاء الحسم القضائي النهائي للقصد الخاص من اختصاص القضاء. كما يتناول الهجمات على مخيمات النازحين والعنف الجنسي واسع النطاق والتهجير القسري والتجويع كوسيلة حرب والنهب المنظم، ويربط ذلك جميعاً بالاقتصاد الحربي القائم على الذهب وشبكات التجنيد العابرة للحدود.
ويفرق المقال بين التصنيف الإرهابي (قرار إداري تصدره دولة ويترتب عليه تجميد أصول وحظر تمويل) والمسؤولية الجنائية الدولية (تقوم على إثبات فردي بالأدلة). ويستعرض أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات متتالية على قادة وشركات مرتبطة بالدعم السريع دون اعتماد تصنيف نهائي للقوة كلها منظمة إرهابية أجنبية، وأن الكونغرس يناقش مشروع قانون (H.R. 8301) يطلب مراجعة أهليتها للتصنيف لكنه لم يتحول إلى قانون. كما يناقش دعوة البرلمان الأوروبي في نوفمبر 2025 لتقييم إدراج الدعم السريع على قائمة الإرهاب الأوروبية، ومطالبات الحكومة السودانية المتكررة بتصنيف دولي، مع الإقرار بمحدودية أثرها ما لم تتبنها دول أخرى.
يخلص المقال إلى أن الأدلة المتاحة تقدم أساساً قوياً لاعتبار أفعال الدعم السريع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع مؤشرات جدية على الإبادة الجماعية في الفاشر تحديداً، وأن مسار العقوبات والمشروعات التشريعية يعكس انتقال النقاش من الإدانة السياسية إلى دراسة التصنيف الإرهابي، لكن هذا التصنيف لم يصبح بعد موحداً أو نافذاً دولياً. ويرى أن المسار الأكثر رسوخاً هو الجمع بين العقوبات وتجفيف التمويل والتحقيق الجنائي المستقل، مع ضمان عدم استخدام التصنيف لتبرير العقاب الجماعي أو إعفاء أي طرف آخر من المساءلة.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية
يمثل الجدل حول تصنيف قوات الدعم السريع في السودان منظمة إرهابية نقطة التقاء بين القانون الدولي والسياسة الخارجية والعدالة الجنائية والاقتصاد الحربي وحماية المدنيين. فالمسألة لا تتعلق فقط بوصف قوة مسلحة ترتكب انتهاكات واسعة، بل بتحديد ما إذا كانت هذه الانتهاكات، مع نمط التنظيم والتمويل والاستهداف، تفي بمعايير التصنيف الوطني أو الإقليمي أو الدولي في أنظمة الإرهاب والعقوبات (United Nations Human Rights Council, 2026).
أنتجت الحرب السودانية منذ 15 أبريل 2023 سلسلة متراكمة من الجرائم الموثقة: القتل الجماعي، والاغتصاب، والتعذيب، والتهجير القسري، والتجويع، والنهب، والهجمات على المدنيين ومخيمات النازحين، إلى جانب شبكات تمويل وتجنيد عابرة للحدود (Human Rights Watch, 2025; Khan, 2025). ولم يعد الدعم السريع يناقش فقط باعتباره طرفاً في الحرب، بل باعتباره كياناً محتملاً للتصنيف والعقاب، وهو ما تجسد في مبادرات أمريكية وتشريعات أوروبية ومطالب سودانية رسمية وعقوبات متتالية (U.S. Department of the Treasury, 2025; European Parliament, 2025; جمهورية السودان، 2025).
وتقوم الحجة الرئيسة على أن التوصيف القانوني الأقوى هو أن قوات الدعم السريع جماعة مسلحة منظمة ارتكب أفرادها وقادتها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأن بعض أفعالها في الفاشر تحمل مؤشرات جدية على الإبادة الجماعية، مع احتمال استيفاء بعض الأنماط عناصر الإرهاب في قوانين وطنية أو أنظمة عقوبات معينة، دون وجود تصنيف دولي موحد ونافذ على جميع الدول (United Nations Security Council, 2005; United Nations Human Rights Council, 2024).
الإطار المفاهيمي والقانوني
لا توجد اتفاقية دولية شاملة تضع تعريفاً موحداً للإرهاب، لكن معظم التشريعات تشترك في عناصر عامة: العنف أو التهديد به، استهداف المدنيين، إحداث الرعب، وتحقيق غرض سياسي أو إكراهي (United Nations, 1999). ويجب عدم الخلط بين الإرهاب وجرائم الحرب (انتهاك قواعد النزاع المسلح) والجرائم ضد الإنسانية (هجوم واسع أو منهجي ضد المدنيين)، إذ قد يندرج الفعل الواحد تحت أكثر من وصف مع بقاء إثبات كل وصف مستقلاً من حيث العناصر المطلوبة (International Criminal Court, 1998).
وتتطلب الإبادة الجماعية إثبات قصد خاص لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية. وفي الفاشر، خلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية إلى أن جرائم القتل الجماعي والعنف الجنسي والاحتجاز والتعذيب والتجويع تمثل مؤشرات على مسار إبادي يستهدف خصوصاً مجتمعي الزغاوة والفور، مع بقاء الحسم القضائي النهائي للقصد الخاص من اختصاص الجهة المختصة (United Nations Human Rights Council, 2026).
ويحظر القانون الدولي الإنساني أعمال العنف التي يكون غرضها الأساسي نشر الرعب بين المدنيين، لكن هذا لا يعني أن كل عمل عسكري ضد جماعة غير حكومية هو عمل إرهابي؛ فالتحليل يتطلب النظر إلى الهدف والضحية والقصد وطريقة التنفيذ (Human Rights Watch, 2025; Amnesty International, 2025).
أما الإطار السوداني، فيستند إلى قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2001، وقد أفادت بعثة تقصي الحقائق بأن المرسوم الدستوري رقم 7 لسنة 2023 أعلن حل قوات الدعم السريع وتصنيفها منظمة إرهابية استناداً لقانون قوات الدعم السريع لسنة 2017 وتعديلاته (United Nations Human Rights Council, 2024). وكررت الحكومة هذا الموقف في يناير ويونيو 2025 داعية المجتمع الدولي للتصنيف وفرض عقوبات على الداعم الإقليمي المزعوم (جمهورية السودان، 2025; وكالة السودان للأنباء، 2025)، لكن القيمة القانونية لهذا التصنيف المحلي تبقى مرتبطة بمدى اعتراف الدول الأخرى به، ولا يلزم أياً منها تلقائياً.
وتنطبق على النزاع قواعد المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف، وقد أحال مجلس الأمن وضع دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1593 لعام 2005 (مجلس الأمن، 2005). وفي يناير 2025 أعلن مكتب المدعي العام للمحكمة أن العمل يسير نحو طلبات إصدار أوامر قبض بحق مسؤولين عن جرائم غرب دارفور (Khan, 2025). وتركز المسؤولية الجنائية الدولية على الأفراد الذين ارتكبوا الجرائم أو أمروا بها أو ساعدوا فيها أو فشلوا في منعها بصفتهم قادة، دون حاجة لتصنيف الجماعة نفسها تنظيماً إرهابياً.
طبيعة قوات الدعم السريع وبنيتها التنظيمية
تعود جذور الدعم السريع إلى مليشيات دارفور التي دعمتها حكومة البشير منذ 2003، وارتبطت باتهامات واسعة بالقتل الجماعي والاغتصاب والنهب (African Commission on Human and Peoples’ Rights, 2025). أعيد تنظيمها عام 2013، ثم أضفي عليها وضع قانوني بموجب قانون 2017 مع احتفاظها باستقلال عملي في القيادة والتمويل والتجنيد (جمهورية السودان، 2017)، ما أنتج مؤسسة مسلحة هجينة تجمع الشرعية الشكلية والاستقلال الواقعي.
شاركت القوة في السلطة الانتقالية بعد سقوط البشير عام 2019، ثم في انقلاب أكتوبر 2021 إلى جانب الجيش، قبل أن تنفجر المواجهة المفتوحة بينهما في 15 أبريل 2023 حول الدمج والجدول الزمني وسلسلة القيادة، في صراع شمل السيطرة على المطارات والمقار السيادية والذهب والمصارف (International Crisis Group, 2024).
تتوافر في الدعم السريع مؤشرات التنظيم بوضوح: قيادة مركزية، وحدات ميدانية، تسلسل رتب، انتشار في ولايات عدة، وإدارة مناطق سيطرة. وأظهرت بيانات أكليد أن القوة خاضت من بداية 2024 حتى نهاية نوفمبر 2024 نحو 1600 معركة، وارتبطت بنحو 1792 حادثة عنف ضد المدنيين أسفرت عن 4204 قتلى، ونُسب إليها 77 بالمئة من الفظائع المسجلة في تلك الحوادث (Armed Conflict Location and Event Data, 2024). وتعتمد المسؤولية القيادية على إثبات سلطة القائد الفعلية وعلمه بالجرائم وعدم اتخاذه تدابير لمنعها، من خلال أدلة مثل الأوامر وحركة القوات وسجلات الاتصالات (United Nations Human Rights Council, 2025).
الأدلة والوقائع الموثقة
شهدت الجنينة ومناطق غرب دارفور موجات عنف واسعة منذ بداية الحرب، شملت استهداف المساليت وإحراق الأحياء ونهب المنازل ودفع السكان نحو تشاد (Khan, 2025). وفي ديسمبر 2023 خلصت وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن الطرفين ارتكبا جرائم حرب، وأن أفراد الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وأعمال تطهير عرقي (Blinken, 2023)، وفي يناير 2025 أكد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وجود أسباب معقولة للاعتقاد باستمرار هذه الجرائم (Khan, 2025).
بدأ حصار الفاشر خلال 2024 وتصاعد حتى سقوطها في 26-27 أكتوبر 2025، وهي آخر مركز حضري كبير في دارفور خارج سيطرة الدعم السريع وملاذ لآلاف النازحين (United Nations Human Rights Council, 2026). وثقت بعثة تقصي الحقائق الدولية خلال الحصار وبعده عمليات قتل جماعي واغتصاباً جماعياً وتعذيباً واحتجازاً تعسفياً واختفاءات قسرية ونهباً وحرماناً متعمداً من الغذاء والخدمات الطبية، استهدفت بصورة خاصة مجتمعات غير عربية، وخلصت إلى أن الأفعال المادية للإبادة الجماعية كانت موجودة بدرجة غالبة، وأن النمط العام يشير إلى مسار إبادي يستهدف جماعتي الزغاوة والفور تحديداً، مع بقاء إثبات القصد الخاص مسألة قضائية (United Nations Human Rights Council, 2026).
تعرضت مخيمات النزوح، وأبرزها زمزم، لهجمات مباشرة شملت القتل والاحتجاز والعنف الجنسي والنهب وتدمير البنية المدنية (Amnesty International, 2025). ووثقت تقارير أممية وحقوقية حالات اغتصاب جماعي واستعباد جنسي استُخدمت لإذلال الأسر وتفكيك النسيج الاجتماعي، وهو ما قد يشكل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو دليلاً على قصد اضطهادي أو إبادي (United Nations Human Rights Council, 2025). كما وثقت البعثة الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري والقتل في أماكن الاحتجاز، والهجمات على الأحياء السكنية والأسواق والمرافق الطبية والمدارس (United Nations Human Rights Council, 2025).
أدى القتل وحرق القرى إلى نزوح واسع داخل السودان وخارجه؛ وذكرت مجموعة الأزمات الدولية أن 18 مليون شخص واجهوا انعداماً حاداً في الأمن الغذائي بحلول أبريل 2024 (International Crisis Group, 2024). ولا تشكل عبارة “التطهير العرقي” جريمة مستقلة في نظام روما الأساسي، بل تترجم قانونياً إلى القتل والاضطهاد والتهجير القسري والإبادة. كما اعتُبر التجويع وعرقلة المساعدات جزءاً من انتهاكات حصار الفاشر (United Nations Human Rights Council, 2026)، وقد يسهم في إثبات الإبادة إذا اقترن بالقصد الخاص، دون أن يكفي وحده. ويشكل النهب المنظم جريمة حرب أدت وظائف اقتصادية وعسكرية: تمويل العمليات، ومكافأة المقاتلين، وترسيخ السيطرة على الأرض (Khan, 2025).
الاقتصاد الحربي والذهب
ترتبط الحرب ارتباطاً وثيقاً بالذهب. أشار تقرير تشاتام هاوس إلى أن معظم الذهب السوداني ينتهي في الإمارات مباشرة أو عبر تشاد ومصر وإريتريا وجنوب السودان، وأن السيطرة على أصول الذهب كانت أحد دوافع التنافس بين الطرفين، مع تقدير أن الإمارات استوردت نحو 17 طناً من الذهب السوداني عام 2023 بقيمة تجاوزت مليار دولار (Baldo, 2025). ولا يكفي مرور الذهب عبر دولة أو شركة لإثبات التواطؤ؛ بل يلزم إثبات العلم أو القصد أو الاستفادة من مصدر غير مشروع.
وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية في ديسمبر 2025 عقوبات على أفراد وكيانات لدورها في تأجيج الحرب، وفي أبريل 2026 عقوبات على شبكة لتجنيد مقاتلين كولومبيين سابقين للقتال إلى جانب الدعم السريع (U.S. Department of the Treasury, 2025; 2026)، ما يكشف تحول النزاع إلى سوق أمنية عابرة للحدود تشمل شركات ووسطاء ونقلاً وتمويلاً خارجياً.
الفرق بين التصنيف الإرهابي والمسؤولية عن الفظائع الدولية
التصنيف الإرهابي قرار قانوني أو إداري تصدره دولة أو منظمة إقليمية، يترتب عليه تجميد الأصول وحظر المعاملات وتقييد السفر. وقد أعلنت السلطات السودانية هذا التصنيف بموجب المرسوم الدستوري رقم 7 لسنة 2023 (United Nations Human Rights Council, 2024)، لكن أثره خارج السودان يبقى محدوداً ما لم تعتمده جهات أخرى.
فرضت الولايات المتحدة في يناير 2025 عقوبات على محمد حمدان دقلو وشركات وشخصيات مرتبطة به بموجب قاعدة تجميد الكيانات المملوكة بنسبة 50 بالمئة أو أكثر للأشخاص المدرجين (U.S. Department of the Treasury, 2025)، وسبق ذلك عقوبات في مايو 2024 على قائدين بسبب قيادتهما الحملة العسكرية (U.S. Department of the Treasury, 2024)، وتلتها عقوبات في فبراير 2026 على ثلاثة قادة بسبب أفعالهم في الفاشر (U.S. Department of the Treasury, 2026). غير أن هذه التدابير لا تعني أن القوات أدرجت كلها كمنظمة إرهابية أجنبية وفق المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية، إذ يوجد فرق قانوني بين العقوبات التنفيذية وتصنيف منظمة أجنبية إرهابية.
وفي 15 أبريل 2026 أودع في مجلس النواب الأمريكي مشروع H.R. 8301، “RSF Terrorist Designation Act”، الذي يطلب من وزيري الخارجية والخزانة مراجعة شاملة خلال 90 يوماً لتحديد ما إذا كانت قوات الدعم السريع تستوفي معايير تصنيفها “منظمة إرهابية عالمية محددة” وفق الأمر التنفيذي 13224. أحيل المشروع إلى لجنتي الشؤون الخارجية والقضاء، وما زال في حالة “مقدم” ولم يتحول إلى قانون نافذ (Congress.gov, 2026). ويكشف هذا عن انتقال جزء من النخبة التشريعية الأمريكية للتعامل مع الدعم السريع كمرشح للتصنيف الإرهابي، خصوصاً بعد إعلان الإدارة الأمريكية في يناير 2025 أن أعضاء في الدعم السريع ارتكبوا إبادة جماعية (U.S. Department of State, 2025).
وفي 27 نوفمبر 2025 اعتمد البرلمان الأوروبي قراراً أدان فيه فظائع الدعم السريع في الفاشر، ودعا المجلس الأوروبي لبدء إجراءات تقييم ما إذا كانت تستوفي معايير الإدراج في القائمة الإرهابية للاتحاد (European Parliament, 2025)، وفي 2026 كررت أسئلة برلمانية للمفوضية المطالبة نفسها (European Parliament, 2026). أما مجلس الاتحاد الأوروبي فواصل توسيع نظام العقوبات دون إصدار إدراج إرهابي شامل نهائي (Council of the European Union, 2026). وبذلك، لم يعتمد الغرب حتى الآن تصنيفاً نهائياً موحداً، لكنه أظهر انتقالاً واضحاً من العقوبات الفردية إلى طرح مسألة الإدراج الإرهابي للنقاش المؤسسي.
خارج الغرب، لم يصدر عن الاتحاد الإفريقي أو أي دولة عربية أو آسيوية تصنيف قانوني رسمي شامل مماثل، رغم توثيق اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب انتهاكات واسعة وممنهجة (African Commission on Human and Peoples’ Rights, 2025)، وتظل هذه المواقف في نطاق بيانات الإدانة والدعوات السياسية دون قرار قانوني نافذ.
ولا يمثل الإدراج الإداري حكماً قضائياً بأن كل فرد في الجماعة ارتكب جريمة، ولا يثبت مسؤولية شخص عن حادثة محددة؛ لذا ينبغي أن تتضمن أي قائمة إجراءات مراجعة وطعن واستثناءات إنسانية. وتبقى المساءلة الجنائية الدولية، عبر المحكمة الجنائية الدولية، المسار الأقوى لأنه يركز على الأشخاص والأفعال والأدلة لا على الوصف السياسي للجماعة (Khan, 2025). ويحذر المقال من مخاطر الخلط بين المفاهيم: فقد يخفي وصف الجماعة بأنها إرهابية الفروق بين جرائم الحرب والإبادة، وقد يُستخدم التصنيف لتبرير العقاب الجماعي أو رفض التفاوض الإنساني أو إعفاء طرف آخر من المسؤولية، إذ لا ينفي توثيق جرائم الدعم السريع مسؤولية القوات المسلحة السودانية أو المليشيات المتحالفة معها.
الآثار المحتملة للتصنيف ومنهجية الإثبات
قد يؤدي التصنيف إلى تجميد الأصول وتشديد الرقابة على الذهب وتجريم الدعم المالي والعسكري وتعقب شبكات التجنيد. وفي المقابل، يحذر المقال من ظاهرة “الإفراط في الامتثال” التي قد تدفع المنظمات والمصارف للانسحاب من العمل الإنساني في مناطق سيطرة الدعم السريع، داعياً إلى استثناءات واضحة للغذاء والدواء والرعاية الصحية وحماية التفاوض الإنساني.
ويشدد المقال على أن بناء ملف إثبات موثوق يتطلب منهجية صارمة: التمييز بين الأدلة المباشرة (الوثائق، الاتصالات، صور الأقمار الصناعية) والأدلة النمطية (تكرار الأفعال وتشابه أساليب التنفيذ عبر مناطق ووحدات متعددة) وشهادات الضحايا (مع ضرورة حمايتهم وعدم الاكتفاء بشهادة منفردة لإثبات سياسة عامة)، إلى جانب التحقق الرقمي الدقيق من المصدر والموقع والتاريخ. كما يستلزم ربط كل واقعة بسلسلة القيادة والتمويل، والفصل الصارم بين الوقائع المثبتة والادعاءات والاستنتاجات السياسية، باستخدام عبارات مثل “توجد أسباب معقولة للاعتقاد” بدل الجزم القطعي قبل صدور حكم قضائي. وتقتضي الاستجابة الدولية الفعالة تنسيقاً بين مجلس الأمن (توسيع العقوبات وحظر السلاح)، والاتحاد الإفريقي (دعم التحقيق ومساءلة كل الأطراف)، والدول العربية والغربية والآسيوية (مراقبة تجارة الذهب والشحن وشبكات التجنيد العابرة للحدود)، مع الحرص على تطبيق معيار واحد على جميع الأطراف دون انتقائية.
خاتمة نقدية
تثبت الأدلة المتاحة أن قوات الدعم السريع ليست مجرد قوة عسكرية تنازع الحكومة على السلطة، بل فاعل مسلح منظم نشأ في بيئة المليشيات، واكتسب وضعاً قانونياً شبه رسمي، وطور قيادة وشبكات تمويل وقدرة على التجنيد والانتشار، ثم استخدم هذه القوة في عمليات اتسمت بالقتل والتهجير والاضطهاد الإثني والعنف الجنسي والتعذيب والنهب والتجويع (Human Rights Watch, 2025; United Nations Human Rights Council, 2026).
وتعطي تقارير الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ووزارة الخارجية الأمريكية أساساً قوياً لتوصيف أفعال الدعم السريع بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتبرز الفاشر كالحالة الأكثر خطورة، إذ خلصت بعثة تقصي الحقائق إلى أن نمط الأفعال يشير إلى مسار إبادي يستهدف جماعتي الزغاوة والفور، مع بقاء إثبات القصد الخاص خاضعاً للتقييم القضائي (United Nations Human Rights Council, 2026). كما أن الاعتراف الأمريكي بارتكاب إبادة جماعية في يناير 2025 يمثل تطوراً سياسياً مهماً لا يغني عن التحقيق القضائي، وفرض العقوبات على القيادة يختلف عن تصنيف القوة كلها منظمة إرهابية أجنبية (U.S. Department of State, 2025; U.S. Department of the Treasury, 2026).
ويضيف مشروع H.R. 8301 طبقة جديدة إلى هذا المسار، إذ يقترح إلزام وزيري الخارجية والخزانة بمراجعة أهلية الدعم السريع للتصنيف، لكنه بقي مشروعاً مقدماً ولم يتحول إلى قانون نافذ (Congress.gov, 2026)، كما تكشف دعوات البرلمان الأوروبي عن انتقال سياسي مهم دون صدور إدراج أوروبي نهائي (European Parliament, 2025).
وعليه، فإن المطالبة بتصنيف الدعم السريع تستند إلى أساس قوي في القوانين الوطنية، لكنها تحتاج إلى صياغة قانونية دقيقة تحدد الجهة المصنفة والأساس التشريعي وعناصر الإثبات والاستثناءات الإنسانية وآليات الطعن. أما على المستوى الدولي، فالمسار الأكثر ثباتاً هو الجمع بين العقوبات المنسقة وحظر الدعم العسكري وتجفيف التمويل وتعقب الذهب والتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، دون أن يتحول التصنيف إلى عقاب جماعي أو تجريم للمدنيين أو إعفاء لأي طرف آخر من المسؤولية. فالمعيار القانوني السليم يقتضي مساءلة كل من أمر أو نفذ أو حرض أو مول أو ساعد أو تستر على الجريمة، بصرف النظر عن صفته أو تحالفه، وتكمن قوة الملف الحقيقي في الانتقال من اللغة السياسية إلى الإثبات المنهجي القابل للتقديم أمام جهة قضائية مستقلة.
المراجع
- International Criminal Court. Rome Statute of the International Criminal Court. The Hague: International Criminal Court; 1998.
- United Nations. International Convention for the Suppression of the Financing of Terrorism. New York: United Nations; 1999.
- United Nations Security Council. Resolution 1373 on threats to international peace and security caused by terrorist acts. New York: United Nations; 2001.
- United Nations Security Council. Resolution 1593 concerning the situation in Darfur. New York: United Nations; 2005.
- Republic of the Sudan. Rapid Support Forces Act 2017. Khartoum: Republic of the Sudan; 2017.
- Blinken A. War crimes, crimes against humanity, and ethnic cleansing determination in Sudan. Washington, DC: U.S. Department of State; 2023.
- U.S. Department of the Treasury. Treasury sanctions Sudanese Rapid Support Forces commanders. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2024.
- International Crisis Group. Sudan: a year of war. Brussels: International Crisis Group; 2024.
- United Nations Human Rights Council. Report of the Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. Geneva: United Nations; 2024.
- Armed Conflict Location and Event Data. Sudan conflict sees record violence. Madison: ACLED; 2024.
- African Commission on Human and Peoples’ Rights. Report of the virtual joint fact-finding mission on the human rights situation in Sudan. Banjul: African Commission on Human and Peoples’ Rights; 2025.
- Amnesty International. A ruined refuge: abuses by the Rapid Support Forces in Zamzam camp. London: Amnesty International; 2025.
- Baldo S. Gold and the war in Sudan. London: Chatham House; 2025.
- Human Rights Watch. World report 2025: Sudan. New York: Human Rights Watch; 2025.
- Khan K. Fortieth report of the Prosecutor of the International Criminal Court to the United Nations Security Council pursuant to resolution 1593. The Hague: International Criminal Court; 2025.
- U.S. Department of State. Genocide determination in Sudan and imposing accountability measures. Washington, DC: U.S. Department of State; 2025.
- U.S. Department of the Treasury. Treasury sanctions Sudanese paramilitary leader and companies. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2025.
- U.S. Department of the Treasury. Treasury sanctions recruitment network enabling war in Sudan. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2026.
- Congress.gov. H.R. 8301: RSF Terrorist Designation Act, 119th Congress. Washington, DC: United States Congress; 2026.
- GovInfo. H.R. 8301: RSF Terrorist Designation Act. Washington, DC: U.S. Government Publishing Office; 2026.
- European Parliament. Escalation of the war and the humanitarian catastrophe in Sudan. Strasbourg: European Parliament; 2025.
- European Parliament. Human rights violations in Sudan, Nigeria and Pakistan. Strasbourg: European Parliament; 2026.
- Council of the European Union. Sudan: EU sanctions regime prolonged for a further year. Brussels: Council of the European Union; 2024.
- Council of the European Union. Council Decision amending Decision (CFSP) 2023/2135 concerning restrictive measures in view of the situation in Sudan. Brussels: Council of the European Union; 2026.
- United Nations Human Rights Council. Sudan: a war of atrocities. Report of the Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. Geneva: United Nations; 2025.
- United Nations Human Rights Council. Sudan: hallmarks of genocide in El-Fasher. Report of the Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. Geneva: United Nations; 2026.
- United Nations Human Rights Council. Sudan: hallmarks of genocide in El-Fasher. Conference room paper. Geneva: United Nations; 2026.
- جمهورية السودان. قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2001. الخرطوم: جمهورية السودان؛ 2001.
- جمهورية السودان. المرسوم الدستوري رقم 7 لسنة 2023 بشأن حل قوات الدعم السريع وتصنيفها منظمة إرهابية. بورتسودان: حكومة السودان؛ 2023.
- جمهورية السودان. بيانات وزارة الخارجية واللجنة الوطنية للتحقيق بشأن تصنيف قوات الدعم السريع. بورتسودان: حكومة السودان؛ 2025.
- وكالة السودان للأنباء. السودان يجدد دعوته للمجتمع الدولي لتصنيف مليشيا الدعم السريع جماعة إرهابية. بورتسودان: وكالة السودان للأنباء؛ 2025.
- وكالة السودان للأنباء. السودان يجدد دعوته للضغط على مليشيا الدعم السريع الإرهابية وداعمها الإقليمي. بورتسودان: وكالة السودان للأنباء؛ 2025.
