الدورالمرجو لوازارة الموارد البشرية في السودان
الإنتقال من هجرة العقول الى تداول العقول
د. عبدالرحيم عبدالحليم محمد
abdelrmohd@hotmail.com
لو سأل انسان يعنيه امر الموارد البشرية في بلادنا في السودان التي ينصب معظم عملها الآن على الشؤون الانسانية والاجتماعية ، لكان أول سؤال يضعه على منضدة الوزرة في صباح اليوم الأول سؤالًا بسيطًا في عبارته، بالغ الصعوبة في إجابته:
كم نملك، في هذا السودان، من موارد بشرية؟
ولا أقصد بهذا السؤال: كم عدد الموظفين في دواوين الدولة؟ ولا كم عدد الذين يتقاضون مرتبات من الحكومة؟ وإنما أقصد شيئًا أكبر بكثير: كم طبيبًا لدينا؟ كم مهندسًا؟ كم معلمًا؟ كم ممرضًا؟ كم فنيًا؟ كم خبيرًا في الزراعة والمياه والطاقة والتعدين؟ كم حرفيًا ماهرًا؟ كم عالمًا وباحثًا؟ كم سودانيًا في المهاجر يحمل معرفة أو خبرة يحتاج إليها الوطن؟ وأين يوجد هؤلاء؟ وما أعمارهم وتخصصاتهم وخبراتهم؟ وما الذي فقدناه منهم بسبب الحرب والهجرة والنزوح؟
ذلك، في تقديري، هو السؤال الأول لوزارة تسمى وزارة الموارد البشرية.
فالمورد البشري ليس بندًا في كشف المرتبات، وليس ملف خدمة مدنية فحسب. الإنسان هو أهم أصل تملكه الدولة، بل إن بقية مواردها لا تصبح موارد بالمعنى الاقتصادي إلا بوجود الإنسان القادر على اكتشافها وإدارتها وتحويلها إلى قيمة.
لدينا الذهب، ولكن الإنسان هو الذي يحوله إلى صناعة وثروة. ولدينا الأرض، ولكن المعرفة الزراعية هي التي تحولها إلى إنتاج. ولدينا المياه، ولكن المهندس والمخطط والباحث هم الذين يحولونها إلى تنمية. ولدينا المدارس والجامعات، ولكن المعلم والأستاذ والإدارة الكفؤة هي التي تحول المباني إلى تعليم.
ولهذا، لو تولى هذه الوزارة مشفق وحادب ، لما بدأ بتغيير الأثاث والمكاتب واللافتات، وإنما بدأت بما يمكن أن نسميه:
الجرد القومي لرأس المال البشري السوداني.
نحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية حقيقية، لا تسجل اسم المواطن ورقمه الوطني فحسب، وإنما تسأل: ماذا يعرف؟ ماذا يستطيع أن يفعل؟ ماذا درس؟ أين عمل؟ ما خبرته؟ أين يقيم الآن؟ وما المهارات التي يمكن أن يقدمها للوطن؟
ومن الإنصاف الإشارة هنا إلى أن تدشين منصة بيان الرقمية في أغسطس 2026 يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، إذ قُدمت باعتبارها بداية لملف رقمي قومي موحد للكوادر الوطنية بالدولة. لكنني أريد لهذه الفكرة أن تتجاوز ملفات الأجور والخدمة المدنية إلى خريطة قومية شاملة للمهارات والكفاءات السودانية.
فالسودان بعد الحرب لا يحتاج فقط إلى تعداد للسكان؛ إنه يحتاج إلى تعداد للقدرات.
وزارة تعرف ماذا يحتاج السودان بعد خمس وعشر سنوات
الخطوة الثانية عندي ستكون إنشاء مرصد وطني للمهارات وسوق العمل.
من أكبر أخطاء الإدارة في بلادنا أننا نفصل بين التعليم والعمل. الجامعة تخرّج ما اعتادت أن تخرّجه، والمدرسة الفنية تعمل في طريق، والقطاع الخاص يبحث عن عمالة في طريق آخر، ثم نكتشف بعد سنوات أن لدينا آلاف الخريجين الباحثين عن وظائف، وفي الوقت نفسه نعاني نقصًا حادًا في تخصصات ومهارات أخرى.
وزارة الموارد البشرية ينبغي أن تكون العقل الذي يربط هذه الجزر بعضها ببعض.
عليها أن تقول لوزارة التعليم العالي: هذه هي المهن التي سيحتاج إليها السودان خلال عشر سنوات.
وتقول للتعليم العام والفني: هذه هي المهارات التي ينبغي أن نبدأ في بنائها منذ الآن.
وتقول لوزارة المالية: هذه هي الاستثمارات المطلوبة في رأس المال البشري.
وتقول للقطاع الخاص: هذه هي الكفاءات الموجودة، وهذه هي الفجوات التي نحتاج إلى شراكتكم في سدها.
فوزارة الموارد البشرية ليست وزارة تنتظر الإنسان بعد تخرجه كي تعيّنه؛ بل وزارة تبدأ بالتفكير فيه قبل دخوله سوق العمل بسنوات.
التدريب المهني ليس تعليمًا للذين لم يدخلوا الجامعة
علينا ان نجعل التدريب المهني والتقني واحدًا من أكبر مشروعات الوزارة.
وقد أعلنت الوزارة بالفعل خلال عام 2026 اهتمامها بتطوير التدريب المهني والتلمذة الصناعية، وهي بداية في الاتجاه الصحيح. ولكن السودان يحتاج إلى انقلاب حقيقي في النظرة الاجتماعية إلى هذا النوع من التعليم.
فليس معقولًا أن نظل أسرى ثقافة ترى النجاح في الشهادة الجامعية وحدها.
إعادة بناء السودان ستحتاج إلى الكهربائي والسباك والنجار واللحام وفني التبريد وفني الطاقة الشمسية والميكانيكي ومشغل المعدات وفني شبكات المياه والبناء والطرق، مثلما ستحتاج إلى الطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي.
بل قد يصبح الفني المدرب في مرحلة إعادة الإعمار أكثر ندرة وأهمية من عشرات التخصصات النظرية التي ظلت جامعاتنا تخرّج أعدادًا كبيرة منها دون ارتباط كافٍ بحاجات الاقتصاد.
من المهم ان تقام شراكة قومية بين الدولة والقطاع الخاص ومراكز التدريب والمؤسسات الدولية لإنشاء منظومة حديثة للتلمذة الصناعية، تنتهي بشهادات مهنية معترف بها، وترتبط مباشرة بفرص العمل.
السودانيون في المهجر ليسوا غائبين عن كشف الحضور
ثم هناك كنز قومي أهملناه طويلًا: السودانيون في الخارج.
لقد صدّر السودان، طوعًا وقسرًا، أعدادًا هائلة من الكفاءات إلى العالم. أطباء وأساتذة جامعات ومهندسون وخبراء إدارة واقتصاد وتقنية ومياه وزراعة وذكاء اصطناعي يعملون في دول الخليج وأوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا وإفريقيا وغيرها.
لا أريد أن أطلب منهم جميعًا العودة غدًا؛ فذلك غير واقعي ولكنن يجب أن أعرفهم وأن تبنى شبكة الكفاءات السودانية العالمية.
قد يستطيع الأستاذ الجامعي أن يقدم محاضرات وبرامج تدريب عن بُعد. وقد يستطيع الطبيب أن يشارك في تدريب أطباء الداخل. وقد يقدم المهندس استشارة لمشروع. وقد يعود بعضهم شهرًا أو شهرين كل عام. وقد يدخل آخرون في استثمارات أو شراكات أو برامج نقل معرفة.
الهجرة لا ينبغي أن تعني أن السودان فقد أبناءه إلى الأبد.
هناك مفهوم عالمي مهم هو الانتقال من هجرة العقول إلى تداول العقول؛ أي أن تتحرك المعرفة بين الوطن ومهاجريه حتى عندما لا يعود أصحابها بصورة نهائية.
الخدمة المدنية: من الأقدمية إلى الكفاءة
لا بد من فتح ملف الخدمة المدنية بشجاعة.
السودان الجديد لا يمكن أن يبنى بخدمة مدنية تقوم فقط على السنوات التي قضاها الموظف في كرسيه.
الأقدمية لها قيمتها، ولكنها ليست بديلًا عن الكفاءة.
سأضع نظامًا حديثًا لإدارة الأداء يبدأ بوصف وظيفي واضح، وأهداف قابلة للقياس، وتقييم عادل، وتدريب مستمر، ومسارات للترقي مرتبطة بالكفاءة والإنجاز والقيادة، لا بمجرد مرور السنوات.
وسأعيد الاعتبار إلى مفهوم الجدارة.
فالوظيفة العامة ليست منحة سياسية، ولا مكافأة اجتماعية، ولا غنيمة توزع بعد كل تغيير في السلطة. إنها تكليف مهني لخدمة المواطن.
ومن هنا يجب أن تصبح الوزارة حارسًا لمبدأ بالغ الأهمية:
الرجل المناسب والمرأة المناسبة في المكان المناسب، بالمعرفة والخبرة والنزاهة والجدارة.
أكاديمية قومية للقيادة والإدارة العامة
ومن الاولويات كذلك إنشاء مؤسسة قومية رفيعة المستوى لتطوير القيادات الحكومية.
فواحدة من مشكلات السودان ليست دائمًا نقص المتعلمين، وإنما نقص الإدارة.
قد تجد مؤسسة مليئة بحملة الماجستير والدكتوراه، لكنها تعاني ضعف التخطيط، وسوء الاتصال، وغياب إدارة الأداء، وعدم القدرة على قيادة التغيير.
لذلك نحتاج إلى برامج جادة في القيادة، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المشروعات، والتحول الرقمي، وإدارة الجودة، والتفاوض، وإدارة الأزمات، وأخلاقيات الوظيفة العامة.
ولا ينبغي أن يصبح الإنسان مديرًا لمجرد أنه أمضى سنوات طويلة في المؤسسة.
الإدارة مهنة، والقيادة معرفة ومهارة ومسؤولية.
ولكن ماذا عن الوزارة الحالية؟
هنا أصل إلى السؤال الأكثر حساسية.
عندما نقرأ الاختصاصات المنشورة للوزارة الحالية نجد مساحة واسعة مخصصة للرعاية الاجتماعية: مكافحة الفقر، الضمان الاجتماعي، كبار السن، الأيتام، الأشخاص ذوو الإعاقة، المرأة والأسرة، التكافل، العون الإنساني، العمل الطوعي، وغيرها.
وكل هذه ملفات بالغة الأهمية، بل إن السودان الخارج من حرب مدمرة يحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى.
المشكلة ليست في أهميتها..
المشكلة في هوية الوزارة وحدود اختصاصها.
هل نحن أمام وزارة للموارد البشرية، مهمتها الأساسية تخطيط وتنمية رأس المال البشري وسوق العمل والخدمة المدنية والتدريب والمهارات؟
أم نحن أمام وزارة للتنمية والرعاية الاجتماعية أضيفت إليها ملفات الموارد البشرية؟
الفرق ليس لغويًا.
إنه فرق في الفلسفة وفي الأولويات وفي الهيكل وفي الموازنة وفي نوع الكفاءات التي تستقطبها الوزارة.
فالوزارة التي تنشغل بالفقر والأيتام وكبار السن والإعاقة والحماية الاجتماعية تحتاج إلى أدوات وخبرات تختلف، في جانب كبير منها، عن الوزارة التي تخطط للقوى العاملة وتدير المواهب وتعيد هيكلة الخدمة المدنية وتتنبأ بمهارات المستقبل.
والجمع بين العالمين ممكن إداريًا، لكنه يحمل خطرًا واضحًا: أن يبتلع العاجلُ الاجتماعي الاستراتيجيَّ البشري.
فالفقر يطرق الباب اليوم، والنازح يحتاج إلى المساعدة اليوم، والإغاثة لا تنتظر، فتستهلك هذه الملفات بطبيعتها اهتمام الوزير والجهاز التنفيذي والموارد. أما تخطيط القوى العاملة لعشر سنوات قادمة فلا يصرخ ولا يتظاهر ولا يطلب كيس ذرة اليوم، ولذلك يسهل تأجيله.
وهنا تكمن المشكلة.
الرعاية الاجتماعية ليست إدارة للموارد البشرية
أنا لا أدعو إلى إلغاء الرعاية الاجتماعية أو تقليل شأنها؛ بل العكس تمامًا.
أرى أن أهميتها تستحق جهازًا قويًا ومتخصصًا في الحماية والتنمية الاجتماعية، يركز على الفقر والضمان الاجتماعي والفئات الهشة والإعاقة والأسرة والطفولة وكبار السن، ويعمل بالتنسيق مع الصحة والتعليم والمالية والولايات والمنظمات المختصة.
لكن إدارة الموارد البشرية القومية مشروع مختلف.
إنها إدارة المورد الذي سيصنع الدولة نفسها.
ولهذا ربما يكون من الضروري، في إعادة بناء الجهاز التنفيذي السوداني، إعادة التفكير في هذا الجمع المؤسسي، وتحديد الاختصاصات بصورة تمنع التداخل بين الوزارات، فلا تتحول وزارة الموارد البشرية إلى وزارة تفعل قليلًا من كل شيء، بينما يضيع السؤال الكبير:
من يخطط للإنسان السوداني؟
أول مائة يوم
ولو جلس فردعلى كرسي الوزارة، فلن يبدأ بمؤتمر ضخم ولا بشعارات جديدة.
عليه أن يعلن خلال المائة يوم الأولى مشروعًا قوميًا من سبعة مسارات مترابطة:
خريطة قومية للكفاءات السودانية؛ مرصد للمهارات وسوق العمل؛ سجل عالمي للكفاءات السودانية في المهجر؛ خطة عاجلة للتدريب المهني وإعادة الإعمار؛ مراجعة شاملة لهياكل ووظائف الخدمة المدنية؛ نظام قومي للجدارة وإدارة الأداء؛ وخطة عشرية لرأس المال البشري مرتبطة مباشرة بخطة التنمية الاقتصادية.
لا بد من ان يكون لكل وظيفة حكومية وصف، ولكل مؤسسة أهداف، ولكل مسؤول مؤشرات أداء، ولكل برنامج تدريبي نتيجة يمكن قياسها.
فالذي لا نستطيع قياسه يصعب علينا تطويره.
الإنسان أول مشروع لإعادة الإعمار
لقد دمرت الحرب المباني والطرق والمصانع والمؤسسات، وسيكون من الطبيعي أن نتحدث في السنوات المقبلة كثيرًا عن إعادة الإعمار.
ولكنني أخشى أن نفهم الإعمار مرة أخرى باعتباره إسمنتًا وحديدًا وآليات.
قبل إعمار الخرطوم ومدني ونيالا والفاشر والجنينة وغيرها، هناك إعمار آخر ينبغي أن يبدأ:
إعمار الإنسان السوداني نفسه.
إعادة تأهيل المعلم، وتدريب الفني، واستعادة العالم، وتمكين المرأة، وتأهيل الشباب، وربط الخريج بسوق العمل، وإعادة المهنية إلى الخدمة المدنية، واستقطاب خبرات المهجر، وبناء جيل يعرف أن المعرفة والمهارة والإنتاج هي طريقه إلى المستقبل.
وزارة الموارد البشرية التي نحلم بها ليست وزارة شؤون موظفين مكبرة.
وليست وزارة احتفالات ومؤتمرات وورش.
وليست مستودعًا لكل ملف اجتماعي لم نجد له مكانًا في الهيكل الحكومي.
إنها، ببساطة، وزارة الإنسان السوداني بوصفه رأس مال الوطن الأول.
وحين تسألني في نهاية الأمر: بماذا كنت ستنصح وزير الموارد البشرية؟
سأقول:
كنت ساقول له عليك البدء بدفتر كبيرتكتب على غلافه:
«ماذا يعرف السودانيون؟ وماذا يستطيعون أن يفعلوا؟ وماذا ينبغي أن يتعلموا كي يبنوا السودان الذي نريده؟»
ثم أجعل الدولة كلها تبحث معي عن الإجابة.
فالأوطان لا تعيد بناءها الموارد التي تحت الأرض وحدها.
تعيد بناءها العقول التي تمشي فوقها.
