عند الحديث عن الصراع في السودان، لا يمكن أبداً تجاهل الدور الخارجي لبعض الدول في تأجيج الصراع وزيادة حدته، منذ بدايته في أبريل 2023 وحتى اليوم.
وبحسب بعض الخبراء والمراقبين والتطورات الميدانية، فقد استخدمت بعض الدول كل الوسائل السياسية والعسكرية وحتى الإنسانية في التأثير والتدخل السافر بالمشهد السوداني لتحقيق مصالحها وأطماعها على حساب قتل وتهجير الشعب السوداني وتدمير بلاده.
ووفقاً لتقارير إعلامية واستخباراتية، وبعض الأدلة الوثائق التي تم العثور عليها، وتداولها في وسائل الإعلام، خلال فترة الصراع في السودان فإن إحدى أهم الدول المتورطة في الصراع هي فرنسا وغيرها من دول عربية وإقليمية ودولية .

دور باريس في السودان
تجلّى الدور الفرنسي المشبوه في السودان بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر حسن البشير. فبعد الإطاحة بنظام البشير في 2019 ارتفعت الأصوات الداعية لتسليمه والمطلوبين إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، لكن العسكريين المشاركين في الثورة والسلطة الانتقالية أظهروا رغبة بتسليم القضاء السوداني مهمة إنجاز المحاكمات، مما سبب انزعاج الفرنسيين من ذلك، لأنه قطع الطريق عليهم لاستغلال المحكمة لأهداف سياسية تخدم مصالحها.
مما دفع فرنسا لاحقاً إلى إعادة تصويب نار بندقيتها تجاه من يقف عقبة في وجه مخططاتها، حيث استغلت ملف المحكمة الدولية للضغط على بعض العسكريين الذين ساهموا بتحرير الشعب السوداني وإسقاط نظام البشير ومن بينهم عبد الفتاح البرهان – رئيس مجلس السيادة الحالي في السودان قائد الجيش، بهدف إجبارهم على تنفيذ مطالبها السياسية في السودان وتحقيق أطماعها ومصالحها.
ولكن انسحاب السودان لاحقاً من نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، قطع الطريق على فرنسا لابتزاز البرهان وغيره من العسكريين الذين يعارضون خططها في السودان.
بخطط بديلة.. محاولات فرنسية للقضاء على البرهان سياسياً
وبحسب مختصون بالشأن السوداني ، فإن فرنسا وبعد انسحاب السودان من نظام روما المؤسس، مما جعله غير ملزم باتباع قوانينه، قررت التخلص من البرهان عبر مجلس الأمن سياسياً ودعم قوات “الدعم السريع” خصم البرهان عسكرياً وسياسياً. وقد تم ترجمة هذا على الأرض عبر عدّة إجراءات اتخذتها باريس سياسياً وعسكرياً ضد الحكومة السودانية والجيش السوداني.
لذلك قامت فرنسا باللجوء إلى خيار رفع دعوى ضد البرهان عبر مجلس الأمن الدولي. وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن فرنسا حاولت الحصول على مذكرة من الأمم المتحدة لبدء التحقيق، كما أن الخطة الفرنسية سوف تتم بمساعدة القاضي الفرنسي المعروف نيكولا غيو والذي شغل منصب قاضٍ في محكمة كوسوفو المتخصصة والمحكمة الجنائية الدولية، وفي منصبه السابق، أصدر مذكرة توقيف بحق عدّة شخصيات سياسية.
ووفقاً للمراقبين بالشأن السوداني فإن ممثلي روسيا والصين لدى الأمم المتحدة أوضحوا أنهم سيستخدمون حق النقض (الفيتو) ضد المبادرة الفرنسية، ولن يسمحوا بتمريرها أو إقرارها. وأضافوا، بأن روسيا والصين هما الوحيدتان القادرتان على حماية البرهان من الخطوة الفرنسية ضده ضمن السياق القانوني الدولي.
بدعم قوات “الدعم السريع”.. محاولات فرنسية للتخلص من البرهان عسكرياً
وبحسب خبراء عسكريون فإن الذراع العسكري لباريس ونفوذها في السودان يتمثل بقوات “الدعم السريع”، وهو ما جرى فعلياً ولكن بشكل غير مباشر، مستشهداً بما فعلته باريس العام الماضي، عندما ساهمت بنقل السلاح الإماراتي لقوات الدعم السريع عن طريق قواعدها العسكرية الموجودة في تشاد مما يؤكد على أنها تدعم وبشكل مباشر أحد طرفي الصراع على حساب الأخر.
وأصافوا ، أن دعم باريس عسكرياً لـ “قوات الدعم السريع” يتم بشكل غير علني وعبر وسطاء بسبب الجرائم الأخلاقية المرتبطة بالدعم السريع والاتهامات التي تطالها بـ”الإبادة الجماعية والتطهير العرقي” في عدة مدن سودانية خلال الحرب.
في السياق ذاته، فإن الدعم الأوربي وخاصة الفرنسي للجماعات المسلحة في السودان، اتخذ عدةّ أشكال، حيث دعمت قوات “الدعم السريع” سياسياً بعدم ادانتها أو محاسبتها على جرائمها بحق الشعب السوداني بالتوازي مع تجاهل كل الانتهاكات التي ارتكبتها، مع حماية قادتها واحتضانهم واحتضان أموالهم، بالإضافة لدعم بعض الوجوه السياسية المقربة من الدعم السريع كعبدلله حمدوك وتنسيقياته.
في سياق متصل، كشفت منظمة العفو الدولية في أحدث تحقيق لها في نوفمبر الماضي، عن وجود التكنولوجيا العسكرية الفرنسية المدمجة في ناقلات الجنود المدرعة في حوزة قوات “الدعم السريع” بعد حصولها عليها عبر إحدى الدول الخليجية الداعمة لقوات الدعم السريع. وبحسب مختصين بالشأن الأفريقي فإن قوات “الدعم السريع” تلقت دعماً غربياً مباشراً بأسلحة متطورة ونوعية، عبر وسطاء مثل الأوكران وبتنسيق فرنسي، وهذا ما أكده مسؤولون أوكران رسمياً.
وفي تطور لافت، كشف الخبير الاستراتيجي والسياسي أسامة المهدي في مداخلة صحفية لموقع إخباري، عن أن عبد الرحيم دقلو نائب قائد قوات “الدعم السريع” بات يواجه تهديدات من داخل المليشيا، مما دفعه لتأمين نفسه عبر شراء أنظمة حماية فرنسية متطورة وتركيبها على مركباته وسط تعزيزات من مقاتلين أجانب.
ووفقاً لعبدلله، فأن كل ما سبق يكشف سعي باريس الحثيث للتخلص من البرهان، كونه يشكل عقبة بوجه خططها، ويوضح سبب استمرار الصراع في السودان.
جمال دياب: الكاتب .. الدكتور.. محمد صادق.. الكاتب والباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم