الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (4-5)

بقلم: لوال كوال لوال

عندما أُعلن استقلال جنوب السودان، بدا وكأن التاريخ يمنح هذا الشعب فرصة نادرة لبدء صفحة جديدة، صفحة تُغلق فيها دفاتر الحرب، ويُعاد فيها تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الدولة والمواطن. غير أن هذه اللحظة المفصلية، التي انتُظرت طويلًا، تحولت سريعًا من حلم جماعي إلى اختبار قاسٍ كشف هشاشة البنية السياسية، وضحالة الاستعداد لتحمّل مسؤولية الدولة. كان الاعتقاد السائد، لدى قطاعات واسعة من النخبة والجمهور على حد سواء، أن الاستقلال بحد ذاته كفيل بجلب الاستقرار والازدهار. هذا الوهم، الذي غذّته سنوات طويلة من الصراع مع “الآخر”، غطّى على سؤال أكثر جوهرية: ماذا بعد الاستقلال؟ وكيف تُدار الدولة في غياب مشروع وطني جامع، ومؤسسات قادرة على ضبط التنافس السياسي؟ بمجرد خروج العدو الخارجي من المعادلة، برزت التناقضات الداخلية بكل حدّتها. فالقيادات التي توحّدت تحت راية التحرير، لم تمتلك رؤية مشتركة لإدارة الدولة. وسرعان ما تحوّل الخلاف من صراع حول البرامج والسياسات إلى تنافس شخصي على النفوذ والسلطة. وفي ظل غياب مؤسسات قوية، لم يجد هذا الصراع إطارًا سلميًا يُدار من خلاله، فانزلق إلى الميدان المسلح. ضاعت البوصلة السياسية في اللحظة التي كان يفترض أن تكون فيها أكثر وضوحًا. فبدل أن تُستثمر طاقات ما بعد الاستقلال في بناء دولة القانون والمؤسسات، استُنزفت في معارك جانبية، وفي سباق محموم على السيطرة على مفاصل الدولة. تحوّل المنصب العام من أداة لخدمة المجتمع إلى وسيلة للتمكين الشخصي، وأصبح القرب من مركز السلطة معيارًا للشرعية، لا الكفاءة ولا التفويض الشعبي. في هذا المناخ، غابت فكرة الدولة بوصفها كيانًا محايدًا فوق الجميع، وحلّ محلها تصور ضيق يرى الدولة كغنيمة ينبغي اقتسامها. ومع هذا التحول، تآكلت الثقة بين المجتمع والسلطة، وأصبح المواطن يرى في الحكومة خصمًا أو طرفًا في صراع، لا إطارًا جامعًا لحماية حقوقه. هذا الانفصال النفسي بين الدولة ومواطنيها كان من أخطر نتائج مرحلة ما بعد الاستقلال. لم تكن العودة إلى السلاح نتيجة حتمية، لكنها كانت نتيجة منطقية في ظل انسداد الأفق السياسي. فعندما تُغلق قنوات الحوار، وتُهمَّش المؤسسات، وتُختزل السياسة في صراع صفري، يصبح العنف لغة بديلة. وهكذا، عادت البلاد إلى مربع الحرب، ولكن هذه المرة بلا مبررات تحررية، وبلا أفق واضح للنهاية. اللافت أن كثيرًا من هذه الصراعات رُفعت فيها شعارات حماية الدولة أو الدفاع عن الشرعية، بينما كانت في جوهرها تعبيرًا عن صراع نخبوي على السلطة. ودفع المواطن العادي الثمن مرة أخرى، نزوحًا، وفقرًا، وانعدامًا للأمن، بينما ظل الخطاب السياسي يبرر الفشل بلغة المؤامرة أو الخطر الخارجي. كان يفترض بالحركة الشعبية لتحرير السودان، بوصفها القوة السياسية الأكبر، أن تقود عملية التحول من حركة تحرر إلى حزب دولة. لكن هذا التحول لم يكتمل. فقد ظلت الحركة أسيرة تاريخها العسكري، ولم تُجرِ مراجعة جادة لبنيتها الداخلية، ولا لآليات اتخاذ القرار فيها. وبدل أن تكون نموذجًا للعمل المؤسسي، أصبحت ساحة مفتوحة للصراع الداخلي. ومع تعمّق الأزمة، بدأ الخطاب السياسي يفقد أي بعد وطني جامع، ومال شيئًا فشيئًا نحو التعبئة الضيقة، مستندًا إلى الهويات الأولية بدل البرامج. هذا الانزلاق لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل كان انعكاسًا لعجز النخبة عن إنتاج خطاب سياسي قادر على إدارة التنوع دون استدعاء الانقسام. هكذا، اغتيل مشروع الدولة في مهده، لا بفعل عدو خارجي، بل نتيجة صراع داخلي على السلطة، افتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية التاريخية. تحولت الدولة الجديدة إلى كيان هش، يعيش على وقع الأزمات، ويعجز عن تقديم أبسط الخدمات لمواطنيه، رغم ما يمتلكه من موارد وإمكانات. ومع ذلك، لا يمكن القول إن الفرصة قد ضاعت نهائيًا. فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم، والشعوب قادرة على تصحيح مسارها، وإن بعد حين. لكن هذا التصحيح يتطلب أولًا الاعتراف بأن الاستقلال لم يكن نهاية الرحلة، بل بدايتها، وأن بناء الدولة أصعب من تحريرها، ويتطلب وعيًا سياسيًا، وشجاعة أخلاقية، واستعدادًا لتقديم المصلحة العامة على حساب الطموحات الشخصية. يتبع…

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

جنوب السودان بين هيبة الدولة وسطوة القبيلة

جنوب السودان بين هيبة الدولة وسطوة القبيلة بقلم: لوال كوال لوال جنوب السودان ليس بلد …