الدولة المضادة للحرب
مقاربة تأسيسية في فلسفة بناء الدولة بعد النزاعات
بقلم /د.صلاح احمد الحبو
ليست الحرب نقيض الدولة، بل قد تكون إحدى صورها عندما تعجز المؤسسات عن تنظيم الصراع داخل المجال السياسي. فالدول لا تدخل الحروب الأهلية لأنها تفتقر إلى القوة، وإنما لأنها تفتقر إلى القدرة المؤسسية التي تجعل الاحتكام إلى القانون أقل كلفة من الاحتكام إلى السلاح. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤسس لمرحلة ما بعد حرب أبريل في السودان ليس: كيف نوقف الحرب؟ بل: كيف نبني دولة يصبح اندلاع الحرب فيها خللًا مؤسسيًا لا خيارًا سياسيًا؟
لقد انشغلت أدبيات بناء السلام لعقود بآليات وقف إطلاق النار، وتقاسم السلطة، وإصلاح القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية. ومع أهمية هذه المسارات، فإنها ظلت تتعامل مع الحرب بوصفها أزمة ينبغي إنهاؤها، لا بوصفها نتيجة لبنية دولة تسمح بإعادة إنتاجها. ولهذا تتكرر الاتفاقات بينما تتكرر الحروب.
وتشير أحدث الدراسات، ومنها ورقة مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (Policy Center for the New South)، إلى أن تعثر الانتقال السياسي والانقسام المؤسسي جعلا الحسم العسكري في السودان غير ممكن، وأن أي تسوية مستدامة تقتضي تكامل الإصلاح السياسي والأمني والاقتصادي في إطار واحد. وهذه النتيجة تمثل نقطة انطلاق مهمة، لكنها لا تزال تتحرك داخل منطق التسوية، بينما يحتاج السودان إلى الانتقال إلى منطق التأسيس؛ أي تأسيس دولة لا تكتفي بإدارة النزاع، بل تمنع تحوله إلى حرب.
ومن هنا تنشأ فكرة الدولة المضادة للحرب.
فكما طورت الهندسة الحديثة مفهوم المباني المقاومة للزلازل، ينبغي أن يطور الفكر السياسي مفهوم الدولة المقاومة للحرب؛ دولة لا تستمد استقرارها من توازن القوى، بل من جودة تصميمها المؤسسي. فالحرب، في هذا التصور، ليست فشلًا أمنيًا فحسب، وإنما مؤشر على خلل في البنية الدستورية التي تنظّم توزيع السلطة والشرعية والقوة.
ولا تُعرَّف الدولة المضادة للحرب بامتلاكها جيشًا أقوى، بل بامتلاكها مؤسسات تجعل استخدام القوة أقل الوسائل عقلانية لتحقيق المكاسب السياسية. إنها دولة تُعيد إنتاج الشرعية باستمرار، وتستوعب الاختلاف داخل قواعد دستورية ملزمة، وتفصل بين امتلاك القوة وحق استخدامها، وتحوّل الصراع من منافسة على السيطرة إلى منافسة على الكفاءة.
وعليه، فإن السلام لا يعود اتفاقًا سياسيًا مؤقتًا، بل خاصية بنيوية للنظام المؤسسي ذاته. فكلما ازدادت قدرة المؤسسات على امتصاص الأزمات، انخفضت قابلية الدولة للانزلاق إلى الحرب، وكلما ضعفت هذه القدرة، أصبحت الحرب أداة متوقعة لإعادة تشكيل السلطة.
وبهذا المعنى، فإن معيار نجاح الدولة لا ينبغي أن يكون عدد الاتفاقات التي توقعها، بل مقدار مناعتها المؤسسية ضد الحرب. فالدولة التي تحتاج في كل أزمة إلى وساطة خارجية أو تسوية استثنائية هي دولة لم تُكمل بناءها بعد، مهما امتلكت من موارد أو سلاح.
إن القيمة النظرية لمفهوم الدولة المضادة للحرب أنه ينقل النقاش من إدارة نتائج النزاع إلى هندسة شروط استحالته؛ ومن إصلاح مؤسسات ما بعد الحرب إلى تصميم مؤسسات تمنع الحرب قبل وقوعها. وبهذا يتحول بناء الدولة من مشروع لإعادة الإعمار إلى مشروع لإعادة إنتاج الشرعية، ومن هندسة السلطة إلى هندسة الاستقرار.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي تفرضه حرب أبريل: فالمشكلة لم تكن في غياب اتفاق سياسي، بل في غياب نموذج للدولة يجعل خرق الدستور أعلى كلفة من الالتزام به، ويجعل القانون أكثر نفاذًا من السلاح، والمؤسسات أكثر دوامًا من موازين القوة.
إن المستقبل لن يكون للدول التي تربح الحروب، بل للدول التي تنجح في جعل الحرب غير ضرورية، وغير مجدية، وغير ممكنة مؤسسيًا. وتلك هي الدولة المضادة للحرب؛ ليس بوصفها وصفًا لدولة قائمة، وإنما بوصفها نموذجًا نظريًا جديدًا في فلسفة بناء الدولة بعد النزاعات، ومدخلًا لإعادة التفكير في مخرج السودان من حربه، وفي مستقبل الدول الهشة عمومًا.
إشارات مرجعية
Policy Center for the New South (2024)، The Ongoing War in Sudan and Its Implications for Security and Stability in the Horn of Africa and Beyond.
Douglass C. North, John J. Wallis & Barry R. Weingast, Violence and Social Orders (2009).
Francis Fukuyama, Political Order and Political Decay (2014).
habobsalah@gmail.com
