الذين لا تؤذن ديوكهم للفجر .. بقلم: د. على حمد إبراهيم

(2)
يعوى  مكبر  الصوت  فى  المطار  الفخيم  يبارك   سلامة  الوصول  الى  البلد  البعيد ،  الذى  لا تؤذن  ديوكه عند  الفجر  الصادق ،  كما  تفعل  ديوك  دار  محارب  فى  البوادى  عموم . بدأ  إذن  فصل  المحنة الأول  :  محنة  فراق   الربوع  التى  اطلق  فيها  صرخة  الميلاد  الأولى .  تمنى  فى  سره  أن  لا  يكون  فراقه  مثل  فراق  الطريفى  لجمله  السريع  الهباب  الذى  صار  مضربا  للأمثال  فى  البوادى  عموم . دشّ  خارجا  من  الطائر  الفخيم . لفحته  موجة  برد  قاسية  ، ارتد على  اعقابه  مزعورا  الى  داخل  الطائر  الفخيم .  همس  الى   نفسه  مرعوبا :   مشيناها  خطى  كتبت علينا  . و من  كتبت  عليه  خطى  مشاها . شدته  المفارقة :  فى  هذا  اليوم   المقدس  يتسابق  الميامين  فى  البوادى  عموم  الى  الصلاة  القائمة كتلا  كتلا .  لا  يلحظ  اثرا  للجمعة  وسط  جمعه  هذا . تذكر  ملاحظة  قديمة  سمعها  من  شخص  جوال ، لا يستقر  فى  بلد  إلا  و غادره  الى  بلد  آخر . قال الناس  فى  هذا  البلد  البعيد لا  يصلون  كما  يصلى  الناس  فى  البوادى  عموم . و حتى  ديوكهم  المعلوفة  لا تؤذن  للفجر  الصادق  كما  تفعل  ديوك  دار محارب  غير  المعلوفة  فى البوادى  عموم . إنها  ديوك  مسخوتة  على  الآخر. أصلو  السختة  لا وطن  لها  و لا جنسية  . دلف  الى  غرفة  جانبية  فى  المطار  الفخيم  يرشف  فنجانا  من  الشاى . يريد  أن  يفضفض  هجمة  البرد  عليه .  عاد اليه  حديث  النفس  الهامس  الذى صار لا يفارقه  منذ  غادر المظان  التى  فتح  فيها عيونه  على  الحياة . غادر  مغاضبا  لا يدرى  الى  أين  يقوده  قدمه  المفارق ،   ولا متى  يعود  إن  كانت  العودة  مرصودة  فى  دفتر الغياب . همهم  مغموما : صارت   بعيدة  البوادى  عموم . و صاروا  بعيدين  الناس  الذين  يألفهم  القلب  قبل  العين .  بعدت  عنه  عائشة ، الأخت  الأم ،   و بعيدة  صارت  مياسة  الصغيرة . لم  يعد  يطالهم   النظر .  و لا يحمل  النسيم  اليه  بعض  همهماتهم  الحانية . أنة  حرى   تتدلى  من  القلب  : حملت  اشياءك  وبعض  غضبك ، وغادرت  البوادى  عموم  فى  سرية  لم   تعهدها  منك. تركت  للأقربين الاحزان   من  بعدك . و للابعدين الجفاة  تركت  الجمل  بما  حمل .   الخميل  الساجى  تركته  لهم  .  ومستودع  الخزف  الجميل. وما  ابقيت  لهم  فى الخاطر  والوجدان  من  شئ.   لو  يكفيهم  هذا . لماذا  فعلت  بالاقربين الذى  فعلت . تعاوره  نفسه  اللوامة . فعلت  بهم  ما  فعلت  وأنت  العليم  بمقدار تعلقهم  بك. عزاؤه  الباقى  أنهم  لا يطلبون  منه  إعتذارا .  نفسه  غير  المطواعة  لا  تقدر  على  ممارسة  رذيلة  الانحناء   طمعا  فى  ذهب  المعز  أو  رهبة  وتقية  من  سيفه. يعرفون  له هذا  ، فيغفرون .  ويتضرعون   أن  لا  يكون  هذا  آخر  وداع .  يتعزى  بهذا   البيع  الرابح   ، يهوّن   عليه  وعثاء  الضرب  فى  الوهاد  المدلهمة .  وما  تخفيه  له  من   محن  طارئة .  لا  يجزعن  علينا  أحد  ،  يقول  للسائلين :  ديار  الله  واسعة . وارزاقه . نأكل  يوما .  ونجوع  يوما .  لن  نجوع  فى  كل  الاوقات . لن  نغادر الفانية  قبل  أن  نستنفذ  ماكتبه  لنا  قلم  القدرة  من  رزق . نتيه  ساعة . ونسترشد  ساعة . لا يثقلنا  أن  نبدأ  من  الصفر  تارة  اخرى . حياة  الانسان  كلها  صفرية . جاء  الى دنياه  صفر  اليدين .  وسيغادرها  صفر  اليدين.   بدا له  البلد البعيد  ليس  بلدا واحدا . بل  مجموعة  بلدان  تتوشح علما  واحدا .  بخلاف هذا ، فهى مجموعة  بلدان  يتراطن   الناس فيها  بالسنة  كثيرة  تستعصى  على  العد  والعادين .  نيويورك  عالم  مترهل  وصاخب ،  ومتخم  بالمال والناس  حتى  شدقيه . هو  ليس عالم  واشنطن ، العاصمة  الصغبيرة  الانيقة  اذا استثنيت  جنوبها  الشرقى .  على صغرها   و بساطتها  تحكم  العالم . وتتسيده .  ففيها  تقف  شاهقة  المنارات  التى  تستحوذ   على البصر  من  بعيد : الكونجرس  الذى  يشرع  للانسان  الامريكى ما  يريد . و ما  لا يريد. وما  لم  يخطر على  قلبه . ويشرع  للعالمين  خارج  حدوده  هبلا  كثيرا . يدس  انفه  فى  شئون  الغير ، وفى  انوفهم  عنوة  واقتدارا . يصدر فرمانات الادانة  و التبجيل  فى  آن  واحد. يرسل  هؤلاء  الى حظيرة  المغضوب عليهم.  .يرجهم  رجا. ويخجهم  خجا . و يشهد العالم  على  سؤاتهم  الارهابية . ثم   يركمهم  فى  مظان  الارهابيين، لا  يخرجون  منها  ابدا .  ولا  يغادرونها  ابدا ، ما  ظلت  الارض  سوحا   تجقلب  فيه   خيول  اليانكى ،  ويرعى  فيها  نعامه  الذى  لا يزجره  احد .  وقريبا  من  ذلك  تقوم  شاهقة  منارات  البيت  الابيض  والبنتاجون  ووزارة  الخارجية  ، ذلك  المطبخ  الكبير الذى تطبخ   فيه  كل  الاطعمة  الامريكية  الفاسدة  قبل  تقديمها   للآكلين  خارج  الحدود ،  يتناولونها ، و لا يكادون  يستسيغونها. صار  يدوح  فى الطرقات  المكتظة  بالبشر حتى  شدقيها . كل  شئ   بدا له  مختلفا  عن  اشياء  البوادى  عموم . ومتجاوزا  للحدود  التى  الفها . الشموس  لا تبدو  محدقة. و شرسة  كما  هى  شموس  العشيرة  فى  البوادى  عموم . ناس  مسرعون  فى  كل  الاتجاهات ،  يسابقون  خطوهم  والريح.  واناس  كأنهم   لا  يمضون  فى  أى  اتجاه  . يتحادثون  بمقدار. لا وقت  لديهم  لفضل  الحديث . تحيتهم  ايماءة  سريعة. أو تكشيرة  مبهمة. أو  تبسم  بخيل. يندسون  فى  معاطفهم  الشتوية  الثقيلة   كما  تندس  حبات  الفستق  فى اكمامها .  هذا اسيوى  قصير  القامة ، نحيف  على  آخر  المدى ، كأنه  مضروب  حشا  من   مسغبة  مستدامة . وهذا افريقى ممتلئ  الجسم ، كأنه  يأكل  نصيبه  فى  طاولة  الطعام  كاملا. ويحربت  من  نصيب  الذى  يليه  فى  ذات  الطاولة . ممتلئ  نضارة  و عنفوانا ، كأنه  ذاهب  للتو الى  حلبة  مصارعة .  وهذه  حسناء  لا تدل  ملامحها  على  أى  هوية جغرافية  . ضاعت  ملامحها  فى المكياج  العبيط ،  لا يترك  اثرا  يدل  على  الهوية  الجهوية . أو على  العرقية   المرشدة .  يطمس المعالم  الدالة  الاخرى .  يطاردهم  الخوف من  فقدان  الرزق  متى  نقصت  بلايين  الرأسمالى  الملهوف  بضع  سنتات   فى  البورصة  الشقية . تخيفهم  فواتير الاستغلال  الرأسمالى ، تاتيهم  آخر كل  شهر .  يشبعون  من  خوفهم  الجزافى  هذا .  ولا  تشبع  بطونهم  من  المسغبة .  يقضمون  وجباتهم  الصغيرة  فى  مطاعم  الوجبات  السريعة .  لا وقت  لديهم  ولا مال  يفيض . يقضمونها  مسرعين  ويقضمون  معها  امراضهم  المستعصية  بعد  حين . تأقلم  سريعا  على  محيطه  الجديد. أعانه  كثير  تسفاره  القديم  على  هذا. أكمل  تعليمه  العالى  فى  (الجميلة  و مستحيلة) ، هكذا  يصفون  الجامعة  الشاهقة . أهلته شهادة ( الجميلة  والمستحيلة)  للولوج  الى  عالم  الخدمة  الدبلوماسية.  ومنذ  ذلك  الحين  صار الناس  فى الديرة  لا  يرونه  إلا  مسافرا  او عائدا  من سفر .  شرع  يصنع  له  اصدقاء  يساعدونه  فى  محيطه  الجديد ، كيف  يستقر فى  البلد  الذى  كان  بعيدا  بالامس . وصار اليوم  جزءا من  كيانه . سمع عن  اشياء  يفعلها  الناس  فى هذا البلد  لا يستطيع  الناس  فى  البوادى  عموم  ان  يتحدثوا  عنها  فى العلن .   ينقبض   قلبه  مما  سمع. زمّ  شفاهه  من  عجب .  هون على  نفسه ، يذكرها  بالمثل  الشعبى  الذى  تتداوله  العشيرة  فى البوادى  عموم  :  كل  شاة  معلقة  من   عصبتها . صار  يسأل الناس  الحافا  كيف  يستقر.  يسألهم  سؤال  الضهبان  كما  هى  عادة  الناس  فى  ديار العشيرة . يداعب   اصدقاء   الحاجة  كثيرا .  يهددهم  ممازحا  بأنه  سوف  يتخلى عنهم  متى  اشتد  ساعده  فى جمع المعلومات  التى تساعده  على  الاستقرار النهائى.  صديقه  جون  يكيل  له  الصاع  صاعين . يرد   ضاحكا : بأنهم  سيجرجرون  خطوهم  على  مهل . يعطونه  ما  يريد  من  معلومات  بالقطارة  حتى  لا  يتخلى  عنهم   فيفقدون  كرمه  العبيط.
يتبع-
alihamadibrahim@gmail.com
////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً