إدوارد كورنيليو
قال لينين ذات مرة جملة موجعة ودقيقة: “المثقفون هم أقدر الناس على الخيانة، لأنهم أقدر الناس على تبريرها”. لم يكن يقصد إهانة القلم ولا الحبر، بل كان يصف وظيفة اجتماعية تتكرر في كل الأزمات.
المثقف لا يملك مصنعاً ولا أرضاً، ولا يبيع يديه في سوق العمل اليومي. هو يبيع شيئاً أخف وأغلى: الكلمة، التفسير، المعنى. وهذه السلعة لا جذور لها. اليوم تُكتب في صحيفة السلطة، وغداً تُقال في منصة المعارضة، وبعد غد تُباع في ندوة ممولة. لا شيء مادي يربطه بمكان، لذلك كان دائماً أول من يغادر السفينة عند العاصفة، وأول من يصعدها عند الهدوء.
الخطر هنا لا يكمن في الشخص، بل في الوضع. المثقف يعيش على فائض لا ينتجه بيده. راتبه يأتي من جامعة، من مركز، من قناة، من جهة داعمة. ومن يدفع يريد مقابلاً. لا يريد معلومات فقط، يريد معنى يخدمه. وهكذا يتحول العقل تدريجياً إلى سمسار للأفكار. لا يخترعها، بل يغلفها ويبيعها بالصيغة التي يطلبها السوق.
ولهذا كان المثقف أخطر من غيره وقت الانكسار. العامل إذا ترك الإضراب يُرى ويُحاسب فوراً. أما المثقف فيستطيع أن يكتب عشر صفحات تثبت أن ترك الإضراب كان “حكمة” و”قراءة للواقع” و”خطوة إلى الأمام”. يملك اللغة التي تقلب الهزيمة إلى تكتيك، والتراجع إلى واقعية، والتنازل إلى مصلحة عليا. يملك ذاكرة يختار منها ما يريد، ويسكت عن الباقي. يملك شرعية اجتماعية تجعل الناس تصدقه أكثر من السياسي، لأنه يتكلم باسم العقل وباسم الحياد.
التاريخ مليء بأمثلة من هذا النوع. في لحظات الصراع الكبرى يظهر نوعان. الأول يرفع راية المبادئ في القاعات المغلقة، وعند أول تهديد يغير لهجته ويبحث عن “الاعتدال”. والثاني يختبئ خلف عبارة “أنا باحث موضوعي” في الوقت الذي يكون فيه الصمت نفسه موقفاً وانحيازاً. كلاهما لا يخون بالسيف، بل بالقلم الذي يشرح لماذا كان السيف ضرورياً.
لكن التعميم ظلم. لينين نفسه كان مثقفاً، وغيره كثيرون دفعوا حياتهم ثمن كلمة. الفرق لم يكن في الشهادة ولا في عدد الكتب، بل في الحبل الذي يربط الإنسان بالأرض. هناك مثقف يعيش في برج عاجي ويقتات من مديح السلطة، وعند أول منعطف يبيع الجميع ويكتب مذكرات يبرر فيها البيع. وهناك مثقف آخر يقطع علاقته بمصدر رزقه الآمن، وينزل إلى الشارع، ويأكل نفس الخبز، وينام تحت نفس الخطر. هذا لا يبرر لأنه لم يعد يملك ترف التبرير، هو يتحمل نتيجة كلامه.
المشكلة إذن ليست في الثقافة، بل في موقعها. طالما أن الكلمة سلعة، وطالما أن من يملك المال يملك المنبر، وطالما أن وظيفة المثقف صارت تزيين الواقع بدل فضحه، فستظل الخيانة أسهل. ليس لأنهم أشرار بطبيعتهم، بل لأن التبرير مهنة، والمهنة تطلب الزبون.
لا نحتاج إلى إلغاء المثقفين، نحتاج إلى مثقفين لا يخافون الفقر. نحتاج إلى من يكتب وهو يعرف أنه سيدفع الثمن، لا من يكتب وهو يحسب المكافأة. نحتاج إلى من يضع الحقيقة قبل الأناقة، والانحياز قبل “الموضوعية” الكاذبة.
جوهر الأمر واضح. السلطة لا تشتري البنادق فقط، هي تشتري أيضاً من يشرح لماذا كانت البنادق عادلة. ومن يستطيع أن يفعل ذلك بأفضل صياغة هو المثقف. لذلك كان التحذير قديماً وما زال حاضراً: احذر من الذي يملك كل الأجوبة، لأنه غالباً هو أول من يغير السؤال.
الكلمة سلاح. فإن لم تكن في يد صاحب قضية، صارت في يد صاحب صفقة.
tongunedward@gmail.com
