أمجد شرف الدين المكي
في غضون أيامٍ قليلة، تستعد العاصمة الأمريكية واشنطن لإستضافة إجتماع الرباعية بشأن السودان، بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وبحسب تقرير موقع Africa Intelligence الصادر في 24 يوليو 2025، والذي يُعد من المصادر التحليلية المرموقة، فقد تقرر تأجيل الاجتماع إلى يوم 29 يوليو بدلاً من الموعد المبدئي في 20 يوليو، نتيجة لتباين وجهات النظر بين أعضاء الرباعية.
ولعل ما يثير الانتباه في هذا السياق هو أن الالتزام الرسمي والتأكيد على المشاركة من قِبل بعض الأطراف لا يزالان معلقَين حتى اللحظة، كما لم تصدر حتى الآن أي بيانات رسمية عن وزارة الخارجية الأمريكية، أو عن وزارات خارجية الدول العربية المعنية، الأمر الذي يذكي المزيد من التساؤلات بشأن مستوى التنسيق والتحضير لهذا اللقاء الدبلوماسي.
وبحسب ما ورد في تقرير Africa Intelligence، من المتوقع أن تُمثَّل الولايات المتحدة في هذا الاجتماع عبر المستشار الخاص لشؤون أفريقيا، السيد ماساد بولس (Massad Boulos).
على الرغم من الأهمية الرمزية لهذا الاجتماع في تقديري، فإن مخرجاته المتوقعة لا تُشير إلى إمكانية إحداث اختراق حقيقي أو تحوّل نوعي في مسار الحرب السودانية. بل من المرجّح، كما درجت عليه أدبيات اللقاءات الإقليمية والدولية السابقة، أن يُختتم هذا اللقاء ببيان متكرر في مضمونه ومألوف في صيغته، يدعو إلى وقفٍ فوريٍ لإطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية آمنة، وحثّ الأطراف المتحاربة على الجلوس إلى طاولة الحوار، والعودة إلى مسار الانتقال المدني.
هذه اللغة الدبلوماسية، التي أُفرط في استخدامها، فقدت فعاليتها منذ وقت طويل، إذ لم تَعُد تلامس جوهر الأزمة، ولا تُقدّم رؤية واضحة أو أدوات ضغط فعّالة على الأطراف المتصارعة.
في صلب هذه الإشكالية يقف غياب الرؤية السياسية الشاملة لدى الولايات المتحدة، التي اعتادت منذ عقود على ترك ملفات القارة الإفريقية في أيدي القوى الإقليمية المتحالفة معها. هذا النمط من “القيادة من الخلف”، إن صحّ التعبير، جعل من واشنطن شريكًا ضعيفًا في مقاربات الحل، رغم امتلاكها لأدوات ضغط اقتصادية وسياسية قوية وذات تأثير واسع على الفاعلين الإقليميين والدوليين.
من اللافت أن هذا التحرك الأمريكي المفاجئ في الملف السوداني يأتي في سياق يُذكّر بتجربة دبلوماسية قريبة، تمثلت في تدخل واشنطن مؤخرًا بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية بهدف احتواء التوترات الحدودية المتصاعدة بين البلدين. وقد اعتبر عدد من المراقبين أن هذا التدخل شكل اختراقًا دبلوماسيًا نسبيًا في منطقة البحيرات الكبرى، لا سيما بعد توقيع اتفاق سلام بين الدولتين الإفريقيتين في أواخر شهر يونيو الماضي، والذي احتضنته مباني وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن.
إلا أن هذا التحرك لا يبدو منفصلاً عن الطموحات الشخصية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وبحسب محللين ومراقبين، يسعى لإستثمار الملفات الدولية في معاركه السياسية الداخلية، لا سيما بعد عودته مجددًا للبيت الأبيض. ومن المثير للتأمل أن يسعى ترامب إلى تحقيق “سلام رمزي” في السودان أو في شرق إفريقيا، بهدف حصد جائزة نوبل للسلام على غرار غريمه الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي نال الجائزة عام 2009 مع بداية فترته الرئاسية الأولى. ومن هذا المنظور، فإن انخراط واشنطن – ولو بشكل محدود – في ملف السودان قد يُقرأ كجزء من أجندة استعراضية خاصة بالرئيس ترمب أكثر من كونه التزامًا حقيقيًا برسم مسار سياسي مستدام في البلاد.
تُضاف إلى هذه الإشكاليات البنيوية إشكالية أكثر تعقيدًا تتمثل في الانقسام العميق داخل الرباعية نفسها. فعلى الرغم من تنسيقها الظاهري، إلا أن الدول العربية الثلاث المعنية بالملف السوداني لا تنطلق من أرضية سياسية واحدة، بل تتبنى مواقف متناقضة إلى حدّ بعيد. ففي الوقت الذي تدفع فيه مصر والمملكة العربية السعودية نحو دعم القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان، تُظهر الإمارات العربية المتحدة انحيازًا واضحًا نحو قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي. وهذا التباين لا ينعكس فقط في الخطاب السياسي، بل يمتد إلى الدعم اللوجستي والاقتصادي، بحسب تقارير أممية وإستخباراتية، ما ساهم فعليًا في استدامة الصراع وإطالة أمد الحرب، بدلًا من العمل على إخمادها.
هذا الانقسام يُضعف من قدرة الرباعية على أن تتحرك كجسم دبلوماسي واحد، ويفرّغ أي بيانات أو اتفاقات محتملة من مضمونها التنفيذي، نظرًا لانعدام الإرادة المشتركة والالتزام الجماعي نحو هدف واحد. وعليه، فإن أية مبادرة تصدر عن الرباعية، طالما كانت هذه التباينات موجودة، ستظل شكلية ومفرغة من آليات التنفيذ ما لم تُعالَج هذه الانقسامات الجذرية في المقاربة الإقليمية للأزمة السودانية.
في ظل هذا الانسداد السياسي، أقدمت قوات الدعم السريع مؤخرًا على إعلان تشكيل حكومة تأسيسية في مناطق سيطرتها، وهو تطوّر بالغ الخطورة، لا يُقرأ فقط باعتباره تصعيدًا ميدانيًا، بل يُفسَّر لدى مراقبين بأنه ورقة تفاوضية مدروسة تسعى من خلالها الإمارات إلى تعزيز موقعها التفاوضي داخل الرباعية، خاصة في الاجتماع المزمع انعقاده في واشنطن نهاية الشهر الجاري.
فهذا الإعلان، وإن بدا أحاديًا من حيث الشكل، إلا أنه يحمل رسائل متعددة الأبعاد. الأولي هي رسالة للجيش مفادها أن الدعم السريع بات يملك “إدارة سياسية” بديلة، ورسالة للمجتمع الدولي بأنه طرف قادر على تقديم بديل “مدني” في المناطق التي يسيطر عليها، ورسالة ضمنية لحلفائه الإقليميين بأن لديه أوراق ضغط استراتيجية، يمكن توظيفها وفق التفاهمات.
لكن الأهم من ذلك، أن هذا الإعلان يعكس مدى هشاشة المبادرات الخارجية، عندما تكون منفصلة عن مشروع سوداني حقيقي للسلام. فكل ما يُبنى على توازنات إقليمية هشة، أو تفاهمات فوقية بين العواصم، دون إشراك القوى السودانية، سيكون عرضة للتفكك، ويزيد من احتمالات التقسيم، أو ترسيخ أمر واقع جديد يعيد إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة.
وسط هذا الزخم من المبادرات الإقليمية والدولية، تبرز حقيقة جوهرية غائبة عن كثير من طاولات التفاوض، وهي أن الحل الحقيقي للأزمة السودانية لن يأتي إلا من السودان نفسه، عبر توافق وطني شامل، يضع حدًا لدوائر العنف المتتالية، ويؤسس لمسار سياسي جامع تتقاطع عنده إرادات السودانيين لا مصالح الفاعلين الخارجيين.
إن كل المحاولات التي تسعى إلى هندسة تسوية من خارج النسيج السوداني، سواء برعاية أمريكية أو أوروبية أو إقليمية، ستظل محاولات مؤقتة، معرضة للإنهيار مع أول تغير ميداني أو تباين في الأجندات الدولية. فالمعضلة في السودان ليست مجرد خلاف على السلطة أو مطالب تقنية في تقاسم النفوذ، بل هي أزمة عميقة متجذرة في بنية الدولة نفسها، تحتاج إلى مصالحة وطنية شاملة، وعقد اجتماعي جديد لا يمكن تصديره من الخارج، بل يجب أن ينبثق من داخل القوى السودانية المدنية، والمجتمعية، والسياسية، وحتى العسكرية، شرط تجاوز منطق المغالبة والتصفية.
ولئن كانت واشنطن جادة فعلًا في إنهاء الحرب في السودان، فإن مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية تقتضي ألا تنخرط في صناعة تحالفات جزئية أو دعم مسارات انتقائية، بل أن تسعى إلى تهيئة بيئة سياسية ودبلوماسية تُمكّن السودانيين من الحوار مع أنفسهم، بتنسيق مع دول الجوار الإقليمي الأكثر صلة بالملف، شرط أن تلتزم هذه الدول بالحياد، لا التموقع خلف هذا الطرف أو ذاك.
أمجد شرف الدين المكي
كولورادو – أمريكا
amgadss@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم