نحتاج للتذكير ببضعة بديهيات لإستصحابها في سياق ما نتصدي له .
أول تلك البديهيات التسليم بالقاعدة المعروفة ( الرجل العام ملك عام ) واهميتها انها تسقط أي قدسية عن أي كائن وتعصمه من مواجهة النقد الموضوعي . أيضاً ، في موازاة ذلك يتعين الإقرار بأن المنصب العام ، غض النظر عن ماهيته ، من يشغله وكيفية اختيار ذلك الشاغل ، فان الشعب المطحون بالضرائب والإتاوات هو من يدفع مرتباته ومخصصاته .
المبدأ الآخر يتصل بضرورة السمو بالنقد فوق الرغبات الشخصية والمكايدات لنهش الآخرين وذلك لا ينعقد إلا بتجريد الحقائق من مسوح الرغبات الذاتية .
اما آخر البديهيات فيتعلق بضرورة إنصاف الخصوم ، فلا نطفف ونرميهم بما ليس فيهم ولا نبخس أشياؤهم .
ظلت الأسافير تضج في اليومين الماضيين بخبر تعيين سعادة السفير نورالدين ساتي وزيراً لخارجية حكومة أمل د. كمال إدريس . ولأنني أقف في معسكر يبتعد بسنوات ضوئية عن كل شئ له صلة بهذه الحكومة ، بيد ان ذلك لم يؤثر علي إنهماكي في قراءة ما يتصدر أخبارها منكباً علي قناعتي بأن مهمة نفخ الروح في حكومة
” مدنية” تخرج من رحم حكم عسكري انقلابي مُستبد هي لا محالة جنين ميت بالميلاد ، وان “أجعص جعيص” بأي قدرات أسطورية لن يتمكن من نفخ الحياة في رئتيها اليابستين . فإحياء الموتي هو من الخصائص الربانية ولا علاقة له ببني البشر- تكنوقراط كانوا ام سحرة “مايرنو ” وبلة الغائب .
إستطراداً ، فإن السؤال عن ملكات وخبرات ومؤهلات سعادة السفير نورالدين ساتي أو آهليته لشغل هذا المنصب ليست ذات معني اللهم إلا إذا سلّمنا بامكانية نجاح معجزة إجراء نطاسي بارع لعملية قلب مفتوح في مرحاض . فهذا مبحث يناسب تناول آخر . فالبيئة التي يُدار فيها الشأن الخارجي تستجيب للأوامر ( صفا ، إنتباه ، إسترح وإنصرف ) ! ولعلي أضيف ان معرفتي الشخصية بسعادة السفير نورالدين ساتي تمكنني من القول ، بتلقائية ودون مواربة او غمطٍ ، انه رجل علي خلق وتهذيب كبيرين – وهذا أيضاً ليس مبحثنا اليوم .
يقول الصحفي الزميل الكبير الاستاذ ، الطاهر ساتي ، في مقال يتقافز بين قروبات الاسافير مانصه (وغادر تقدم باستقالة شهيرة احتجاجاً على إرتمائهم في حضن كفيل الجنجويد.نعم، في أكثر من خمس ورش، بجنيف و أديس أبابا و القاهرة، ظل ساتي يطالب نشطاء صمود بالتبرؤ من جرائم الجنجويد، ولكنهم – كالعهد بهم حتى الآن – يختبئون وراء الحياد المزعوم و ( طرفي النزاع) و ( حرب الجنرالين) وغيرها من قطع الكدمول، فغادرهم كما غادر كيكل الجنجويد و انحاز للشعب و الوطن)
انتهي الاقتباس من مقال عنوانه ( ساتي للخارجية) تكوّن من 552 كلمة – بما فيها اسمه.
بلا شك ، فان من حق زميلنا ان يؤيد ترشيح سعادة السفير ، ومن حقه ان يقول للناس لماذا يدعم ذلك الترشيح ، ومن حقه أن يقول رأيه فيما يراه ويعتقده من سوء في كيانات القوي المدنية ، بل من حقه ان يحتقرها ويشهّر بها .
لكن ليس من حقه أن ينسج من خياله حكايات وينشرها علي الناس كحقائق . فهذا ليس من الصحافة في شئ . هذا المقال بذلك العدد من الكلمات كان يمكن ان يكون رأياً مهماً يستقوي به المترددون في دعم ترشيح السفير نورالدين ساتي وزيراً للخارجية أو وزيراً للثروة الحيوانية – لايهم . لكنا نقول ان الزميل الاستاذ لم يكن بحاجة لأن يخترع كذبة فينسب للرجل مالم يفعل ليجمّله ، وإلا فما قيمة الرّصة الطويلة من المؤهلات التي أدرجها المقال ؟
الحقيقة هي ان السفير نورالدين ساتي استقال استقالة مكتوبة من تقدم يوم 29 مارس 2024 ونشرها في قروب الهيئة القيادية لتقدم . والاهم من كل ذلك أنه لم يذكر سبباً لاستقالته سوي حديثه عن”ظروف خاصة ” ، وفي هذا لعمري ما يقفل الباب أمام أي مساعٍ للمراجعة وبخاصة ان كثير من المقربين علموا بتوافر مثل هذه الظروف الخاصة فآثروا منح الرجل ما أراد . الرسالة المنشورة أعلاه لم يقل فيها اكثر من الآتي (الزملاء والزميلات،
لظروف خاصة أعلن عدم تمكني من الاستمرار في عضوية المكتب التنفيذي والهيئة القيادية ولجنة الاتصال. وسأجري المشاورات من أجل اختيار بديل لي في الأجسام الثلاثة.
مع أمنياتي للجميع بدوام التوفيق.
د. نورالدين ساتي)
لو اكتفي الزميل بما كتبه وترك تأليف 66 كلمة من خيال دماغه ، ولم يقل ان الاستقالة “شهيرة” بما تضمنته من جرأة وتقريع سياسي حاد ونقد علني بل ورفض تام لمبادئ ومواقف تحالف “تقدم” لأعتبرنا الأمر حرية رأي واستعراض لوقائع حدثت بالفعل، وليس كذباً وتدليساً (ونَجِر ) حيثيات بديلة – لكنه للأسف فعل فأسقط عن مقالة أي مصداقية مرتجاة !
ياعيب الشُوم
عبدالرحمن الامين
aamin@journalist.com
الأحد 29يونيو 2025
واشنطن
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم