كانت جلسة عامرة تلك التي استمعنا فيها إلى قصة سكك حديد السودان من (رجال ضامرين) وخط الشيب رؤوسهم؛ جاءوا وتحلّقوا حول الطاولة المستطيلة في منتدى (طيبة برس) والتف حولهم شباب الصحفيين وبعض المهتمين وهم يسمعون ما لم يروا من (مأثرة سكك حديد السودان) يوم أن كانت إحدى عجائب القارة الافريقية وعندما كانت تمثل بحق البيت الرؤوم للتلاقح السوداني قبل أن تطالها معاول الهدم وتتناوشها أيدى التخريب..!
وللحقيقة لم يكن الأمر إطلالة على الماضي الجميل أو وقوفاً على (أطلال خولة) إنما كان تناولاً علمياً انتهى بتقديم خطة علمية طازجة لاستعادة عافية السكة حديد سهر عليها صاحب الكتاب القيّم الباشمهندس هاشم محمد أحمد المدير الأسبق لهيئة السكك الحديد بعنوان (مستقبل سكك حديد السودان).. أنظروا الرجل يتحدث عن المستقبل وينظر للامام ويتغاضى عما حاق به وبرفقته أهل المعرفة والتأهيل ..مهندسين وإداريين ومحاسبيين وكماسرة وميكانيكية ومفتشين وفنيين وأشرجية وكهربائين ولحّامين وبرادين وسمكرجية وعشاق ورش وعمال دريسة..!
حكى لي من أثق بكلامه (بنسبة معقولة لا تقل عن 84%) عن حاله فلان (والاسم موجود بطرفي) قال إنه من زملاء المؤلف ومن قيادات السكة حديد جاءه الجماعة في (يوم أغبر) بقائمة فيها ثلاثة آلاف من العاملين بهيئة السكة حديد وقالوا له: هؤلاء يجب فصلهم لأنهم من الـ…… والمخربين إلى آخر عباراتهم المعتادة.. فقال لهم: وكيف أعمل إذا تم فصل كل هؤلاء وهم من أعرف عن أدائهم ولا شأن لي بانتمآتهم.. ثم أخذ الرجل قلماً وكتب اسمه على رأس القائمة (وخرج ولم يعد).. وفي ما بعد خرج من الدنيا جميعها عليه الرحمة.. وهو من الأوفياء المجهولين الذين أرضوا ضميرهم وذهبوا من غير جلبة ولا ضوضاء..!
هذا الكتاب يُعدّ من الأسفار القيّمة التي تجمع بين التناول العلمي والمعرفة الإدارية والفكر الاستراتيجي والتقييم المنطقي والسخاء في المعارف النادرة في عوالم السكك الحديدية، وبيان التحديات الفنية وكيفية تجاوزها كما أن فيه تبسيط ذكي لمن يريد معرفة قضية السكة حديد من غير المتخصصين، وفيه أيضاً الإجابات الحاضرة عن كيفية صياغة أولوليات إحياء السكة حديد؛ مثل نماذج القوة الساحبة والتصنيع المحلي وسعة القضبان..الخ ويمكن أن يتلمس الشخص من بين السطور إنه كُتِب (بأنفاس وطنية) تحب السودان وتحب السكة حديد الى درجة الوجد والتولّه!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم