السلام كعملية اجتماعية لا كوثيقة سياسية في جنوب السودان

بقلم: لـوال كوال لـوال

لم يعرف مجتمع جنوب السودان الحرب كخبرٍ عابر في نشرات المساء، بل عاشها واقعاً يومياً شكّل تفاصيل الحياة الصغيرة: في طرق الرعاة، وحقول المزارعين، ودفاتر التلاميذ، وقلق الأمهات على الغائبين. لذلك، حين يُطرح السلام بوصفه وثيقة سياسية تُوقّع في العواصم، يبدو لكثيرين وكأنه حديث بعيد عن جوهر التجربة الحقيقية. فالسلام، بالنسبة للمجتمع الذي ذاق مرارة النزاع، ليس نصاً قانونياً بقدر ما هو قدرة على العيش مع الآخر دون خوف. لقد شهدت البلاد اتفاقيات عديدة، بعضها وُلد من ضغوط دولية، وبعضها من إرادة سياسية مؤقتة، لكن القليل منها استطاع أن يصمد طويلاً. السبب لا يعود فقط إلى تعقيد المصالح الإقليمية أو هشاشة المؤسسات، بل أيضاً إلى أن المجتمع المحلي ظل في كثير من الأحيان خارج دائرة الفعل، ينتظر ما تقرره النخب دون أن يُمنح فرصة حقيقية لصناعة مصيره. وهنا تتجلى المفارقة: كيف يمكن لاتفاقٍ أن ينجح إذا لم يتجذر في الأرض التي يفترض أن يغيّر واقعها؟ في القرى تبدأ عملية الشفاء. هناك، حيث يتقاسم الناس الماء والمرعى والسوق، يصبح التعايش ضرورة يومية لا شعاراً سياسياً. غير أن هذه المساحات نفسها كثيراً ما تتحول إلى بؤر توتر بسبب الصراعات القبلية، التي تُعد من أخطر التحديات أمام استقرار المجتمعات. فالنزاعات المرتبطة بالهوية والانتماء، أو بالتنافس على الأرض والموارد، لا تدمّر فقط العلاقات بين المجموعات، بل تُفكك أيضاً البنية الاجتماعية التي يقوم عليها السلام. الصراعات القبلية لا تنفجر فجأة، بل تتراكم عبر سنوات من الشعور بالتهميش أو الخوف أو انعدام العدالة. وقد تتحول حادثة صغيرة — سرقة ماشية، أو خلاف على حدود أرض، أو خطاب تحريضي — إلى موجة عنف واسعة تعيد إنتاج دوائر الانتقام. في مثل هذه الظروف، يصبح الفرد أسيراً لهويته الجماعية، وتضيق مساحة المواطنة الجامعة لصالح الانتماءات الضيقة. وهنا يتراجع السلام الاجتماعي، لأن الثقة التي تُبنى بصعوبة يمكن أن تنهار في لحظة. إن أخطر ما في الصراعات القبلية أنها تُطيل أمد عدم الاستقرار حتى في الفترات التي تتوقف فيها الحروب السياسية الكبرى. فقد تنجح الدولة في توقيع اتفاق سلام مع حركة مسلحة، لكنها تجد نفسها عاجزة عن احتواء نزاعات محلية متفرقة، تتجدد باستمرار وتستنزف الموارد وتعرقل التنمية. وهكذا يصبح السلام الرسمي معلقاً في الهواء، بينما يعيش المجتمع واقعاً مختلفاً من القلق والخوف. مع ذلك، أثبتت التجارب أن المجتمعات تمتلك أيضاً أدواتها الخاصة لمواجهة هذه الصراعات. فمبادرات المصالحة التقليدية، والمؤتمرات الأهلية، والوساطات التي يقودها شيوخ القبائل أو رجال الدين أو منظمات الشباب والنساء، يمكن أن تفتح نوافذ للحوار وتمنع التصعيد. هذه الجهود، رغم محدودية إمكاناتها، تُعيد الاعتبار لفكرة أن السلام يبدأ من القاعدة، من قدرة الناس على إدارة خلافاتهم بطرق سلمية. لكن هذه المبادرات تحتاج إلى دعم حقيقي من الدولة، لا مجرد إشادة خطابية. فتعزيز سيادة القانون، وضمان عدالة توزيع الموارد، وتوفير الخدمات الأساسية، كلها عوامل تقلل من احتمالات الانزلاق إلى العنف القبلي. كما أن الاستثمار في التعليم وبناء مشاريع تنموية مشتركة بين المجتمعات يسهم في تحويل التنافس إلى تعاون، ويخلق مصالح متبادلة تجعل الاستقرار خياراً عقلانياً للجميع. إن إعادة تعريف السلام كعملية اجتماعية تفرض الاعتراف بأن الصراعات القبلية ليست مشكلة هامشية، بل قضية مركزية تمس مستقبل الدولة نفسها. فالدولة التي تفشل في إدارة تنوعها الاجتماعي تظل عرضة للهشاشة، مهما وقّعت من اتفاقيات سياسية. أما الدولة التي تنجح في تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة، فإنها تضع أساساً لسلامٍ طويل الأمد. في النهاية، يمكن القول إن السلام الذي يبدأ من القرى ويصعد نحو الدولة هو الأكثر قدرة على الاستمرار، لأنه يعالج جذور النزاع في مستوياتها اليومية. أما السلام الذي يُختزل في وثيقة تُوقّع في القصر، دون معالجة الصراعات القبلية وتأثيرها على استقرار المجتمعات، فيبقى مشروعاً مؤجلاً أكثر منه واقعاً معاشاً. إن مستقبل جنوب السودان لن يُصنع فقط في طاولات التفاوض، بل في قدرة مجتمعاته على تجاوز انقساماتها وبناء عقدٍ اجتماعي جديد قائم على الثقة والعدالة والتعايش. هناك، في تفاصيل الحياة البسيطة، يتقرر إن كان السلام سيصبح ثقافة راسخة… أم مجرد حلم يتكرر في كل جولة تفاوض.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الديمقراطية الغائبة: كيف تهدد هشاشة الأحزاب نزاهة الانتخابات في جنوب السودان

بقلم: لوال كوال لوال حين يقترب موعد الانتخابات العامة في جنوب السودان تتصاعد الآمال في …