إسماعيل ع. مضوي
يناير 30/2026
هذه ليست لغة خصومة عاطفية، بل تشخيص سياسي ونفسي للحظة تاريخية، لحظة يُختبر فيها معنى الجوار، ومعنى السيادة، ومعنى الإنسان حين يفقد كل شيء…
إلا وعيه بأن ما يجري ليس قدرًا، بل خيارًا اتخذه الأقوياء، ودفع ثمنه الأضعف. من القهر يولد الطارد، إنه ذاك المقهور…
الذي انتهت فرصته في العدالة، فحوّل ما تبقّى فيه إلى قسوة، وتعلّم أن ينجو لا بأن يُنقِذ، انما يطارد كفريسهسهله المنال.
حين يُسحق الإنسان طويلًا، وحين يُربّى على الطاعة لا على الكرامة، وحين يُمنَع من مواجهة من قهروه فعلًا، فإنه يبحث عن طرائد أضعف…طرائد لا تحميها دولة، ولا يسأل عنها قانون، ولا يجرؤ أحد على الدفاع عنها. وإن أردت أن تفهم ما قد يحدث للسودانيين في مصر، فلا تبحث في الخطابات الرسمية، ولا في شعارات الأخوّة، بل تذكّر ببساطة:
كيف تتصرف قوات الأمن المصرية حين تُعطى يدًا مطلقة؟
أو انظر، بلا مواربة، كيف يُعامل المصري في داخل دولته او حين يكون هو الغريب في مهجره، حين يكون هو الأضعف، او في بلاد الخليج. فالسلطة حين تُقهَر في الأعلى، تُفرغ قهرها في الأسفل.
وهذه ليست شتيمة، بل قانون نفسي–اجتماعي معروف:
القهر لا يختفي، هو فقط يغيّر اتجاهه.
السوداني المشرد في مصر اليوم يقف في أسفل السلسلة:
غريب، منهك، بلا دولة تحميه، وبلا مظلة دولية حاضرة، وبلا قدرة على الرد أو الشكوى.
وهنا يصبح كل شيء ممكنًا:
التنمر، الابتزاز، التحقير، والتجريب اليومي لفكرة:
إلى أي حد يمكن أن نضغط عليه دون أن يحدث شيء؟
هذه ليست حكاية كراهية بين شعوب، ولا صراع ثقافات، بل قصة قهر متراكم يبحث عن منفذ، فوجده في جسد اللاجئ،
وفي صمت العالم، وفي هشاشة من لا يملك إلا أن ينجو.
ومن لا يفهم هذه المعادلة، سيفاجأ بالنتائج، ثم يتساءل متأخرًا:
كيف تحوّل الجوار إلى مطاردة؟
والإجابة كانت دائمًا هناك:
حين يُترك المقهور بلا محاسبة، يُصبح القهرُ سياسة، والإنسانُ هدفًا، واستمرار المداهمات دون تدخل من دولة الرعايا اللاجئين والمشردين ودون ضوابط، ودون رقابة دولية، ودون شراكة قانونية واضحة، لا يخلق أمنًا، بل يخلق نموذجًا للاستضعاف، يُدرّب المنظومة على أن هناك فئة يمكن اختبار القسوة عليها بلا ثمن.
وهذا، في علم النفس الجمعي، هو أخطر أشكال الانزلاق:
حين يصبح الضعيف معتادًا على أن يكون ضعيفًا، ويصبح القوي معتادًا على أن لا يُسأل حقًا، بات السوداني اليوم الضحية الكاملة:
فقد حاضره حين انهارت الدولة من حوله، وفقد مستقبله حين أُغلقت في وجهه منافذ الأمان، وفقد كرامته حين تحوّل من إنسانٍ صاحب حق إلى جسدٍ مكشوف في فضاءٍ بلا حماية.
إنها لحظة الانكشاف بكل ما تحمله الكلمة من معنى:
انكشاف الفرد، وانكشاف المجتمع والجماعة، وانكشاف الدولة التي لم تعد قادرة – أو راغبة – بل ومتواطئة أحيانًا، في أن تكون درعًا لمواطنيها خارج حدودها، في هذه اللحظة، لا يُسحق الإنسان بضربة واحدة، بل يُستنزف على مهل، ويُدفع تدريجيًا إلى موقع الهدف الأسهل.
📌أولًا: حين يتحوّل الإنسان السوداني إلى “هدفٍ سهل”:
إن ما يتعرض له السودانيون من مداهمات متكررة لا يقف عند حدود الإجراء الأمني، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل نفسية الخوف، وصناعة فئة بشرية موسومة بالهشاشة، قابلة للتنمر، والابتزاز، والتجريد المنهجي من الكرامة.
في علم النفس الاجتماعي، لا تُنتج المداهمة الخوف فقط، بل تُنتج الاعتياد:
اعتياد الضحية على الإذلال، واعتياد الفاعل على الإفلات، وحين يعتاد جهاز أمني، وأي جهاز أمني، الامن المصري… أن يرى مجموعة بعينها بوصفها:
بلا سند سياسي، بلا حماية قانونية فعّالة، وبلا صوت مؤسسي يدافع عنها، فإن هذه المجموعة تتحول، لا شعوريًا، إلى الهدف الأضعف، وإلى المساحة التي يُمارَس عليها ما لا يُمارَس على غيرها.
📌ثانيًا: من المداهمة إلى التنميط – كيف يولد الابتزاز؟
المداهمة المتكررة تصنع تنميطًا نفسيًا خطيرًا:
السوداني لا يُرى كلاجئ فارّ من عنف، بل كـ“مشتبه دائم”، وكـ“مقيم بلا ظهر”، وكجسد يمكن الضغط عليه دون كلفة، وهنا يبدأ الابتزاز بأشكاله المختلفة:
ابتزاز بالخوف من الترحيل، ابتزاز بالاحتجاز، ابتزاز بالصمت، عند تقديم الخدمه في المدرسه في المشفي وعند متاجر توزيع غاز الطهي. وهذا ليس لأن الضحية ضعيفة بطبيعتها، بل لأن المنظومة أوصلتها إلى حالة انكشاف كامل، حيث يصبح التنازل غريزة بقاء لا خيارًا حرًا.
📌ثالثًا: أثر الصمت المؤسسي – حين يغيب الرادع:
الأخطر من المداهمة نفسها هو الصمت الذي يليها ، فالصمت لا يُقرأ كحياد، بل كرسالة ضمنية مفادها:
لا أحد يراقب، ولا أحد يحاسب ، وعندما يغيب:
التنسيق مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والحضور القانوني لمنظمة الهجرة الدولية، والموقف الواضح من الدولة الأم التي يحمل اوراقها الضحايا، يتحوّل اللاجئ إلى فراغ قانوني متحرك، يمكن الضغط عليه دون خوف من العواقب.
📌رابعًا: الأثر النفسي العميق – الخوف كهوية:
مع الزمن، لا يعيش الإنسان الخوف فقط، بل يصبح الخوف جزءًا من هويته:
يختصر حركته، يخفض صوته، يتجنب الظهور، ويتنازل عن حقوقه قبل أن تُنتهك، وهنا تقع الجريمة النفسية الأشد:
ويتحويل الإنسان السوداني من صاحب حق دفع لكل الخدمات من حر ماله إلى طالب سلامة، ومن لاجئ محمي بالقانون الدولي إلى كائن يتوسل النجاة اليومية.
📌خامسًا: من الضحية إلى الهدف – سقوط في بيئة القسوة:
في هذه اللحظة الحرجة، لا يقع السوداني في فراغ محايد، بل يسقط في أشد البيئات قسوة على الضعفاء، بيئة اعتادت البطش، واختبرت القهر، وتُدار فيها الأزمات بمنطق أمني صرف، وتُقرأ فيها الهشاشة باعتبارها فرصة لا مسؤولية.
وهنا لا يعود السؤال: من أخطأ؟
بل يصبح السؤال الأخطر: من استغلّ؟
حين يفقد الإنسان كل أوراق القوة:
بلا دولة تحميه، بلا وضع قانوني مستقر، وبلا مظلة دولية حاضرة، فإنه لا يُعامل كضحية حرب، بل كـمشكلة يجب التحكم فيها.
📌سادسًا: مصر – من الجوار إلى الموقع الاستراتيجي:
إن القول بأن مصر أصبحت، في هذا السياق، الخصم الاستراتيجي للسوداني المنكشف، لا يعني عداءً لشعب، ولا شيطنةً لتاريخ، بل توصيفًا باردًا لمعادلة سياسية وأمنية مختلّة.
فمصر، بوصفها:
دولة عبور واستقبال قسري، ودولة تملك اليد العليا أمنيًا، ودولة تعرف أن اللاجئ السوداني بلا ظهر فعلي، تقف في موقع الطرف الأقوى في علاقة غير متكافئة، علاقة لا يحكمها توازن المصالح، بل اختلال القوة.
وفي علم السياسة، حين يختل ميزان القوة:
يصبح القانون هشًا، وتصبح الأخلاق اختيارية، ويُعاد تعريف الإنسان وفق فائدته أو كلفته.
📌سابعًا: لحظة الانكشاف النفسي – كيف تُصنع القابلية للاستضعاف؟
السوداني اليوم لا يُستضعف لأنه ضعيف، بل لأنه مكشوف، والانكشاف هو أخطر الحالات النفسية والسياسية، لأنه:
يعلّم الضحية الصمت، ويدرّب السلطة على التجاوز، ويحوّل الانتهاك من استثناء إلى ممارسة.
المداهمات، الاحتجاز، التهديد، والضغط غير المعلن، لا تعمل فقط على ضبط الأجساد، بل على إعادة تشكيل الوعي:
وعي اللاجئ بذاته كـ“عبء”، وعي الجهاز الأمني به كـ“ملف سهل”.
📌ثامنًا: غياب الرادع – حين يصبح الصمت شريكًا:
ما يجعل هذه اللحظة أكثر فداحة ليس فقط سلوك الدولة المضيفة، بل:
غياب موقف صارم من الدولة السودانية، وغياب التنسيق الجاد مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وصمت المنظمات الدولية عن ممارسات تُخالف صراحةً روح القانون الدولي.
هذا الصمت لا يبقى محايدًا طويلًا، إنه يتحول، بحكم الواقع، إلى شراكة غير معلنة في إنتاج الضعف.
📌نستخلص أن السوداني اليوم لا يواجه دولة فقط، بل يواجه معادلة كاملة:
قوة بلا رقيب، وهشاشة بلا حماية، وصمت بلا تبرير أخلاقي.
وفي هذه المعادلة، تصبح مصر وعبر سلطاتها الامنية والمواطنيين، بحكم الموقع والسلطة لا النية المعلنة – الطرف الأكثر تأثيرًا، والأشد خطورة، في مصير السوداني المنكشف.
هذه ليست لغة خصومة عاطفية، بل تشخيص سياسي ونفسي للحظة تاريخية، لحظة يُختبر فيها معنى الجوار، ومعنى السيادة، ومعنى الإنسان حين يفقد كل شيء… إلا وعيه بأن ما يجري ليس قدرًا محتومًا، بل خيارًا اتخذه الأقوياء، ودفع ثمنه الأضعف.
📌وفي علم النفس الجمعي، هذا هو أخطر أشكال الانزلاق:
حين يصبح الضعيف معتادًا على أن يكون ضعيفًا، ويصبح القوي معتادًا على أن لا يُسأل عن الضحية (اديه وبالجزمه) هذا سوداني بربري غلبان…
🤲 اللهم ارفق بحالنا في السودان،
وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وأرِنا عدلك فيمن كان السبب، فإنه لا يعجزك شيء، وأنت أعدل العادلين وأرحم الراحمين
ونواصل ✍️…..
حين يتعلّم المقهور، كيف يطارد: المرآة التي لا ترحم (2 ) :
قبل أن نسأل:
📌ماذا سيفعل المواطن المصري بالسوداني المهجر؟
علينا أن نملك الشجاعة لنسأل سؤالًا أسبق… وأقسى:
كيف كان ينظر )بعض السودانيين(، حين كانوا في موضع القوة النسبي،في فتره الثمانينيات باللاجئ والمهجر الإثيوبي أو الإريتري؟ كيف كان يُرى؟ وكيف كان يُعامَل؟
وماذا كان يحدث للمهجر الاثيوبي او الاريتري إذا تجرأ وذهب إلى مركز الشرطة ليشتكي؟
أنا لا أكتب من موقع التعميم، ولا من برجٍ أخلاقيٍّ مرتفع، بل من موقع الشاهد.
شاهد رأى، وسمع، وعرف…
كيف يُسحق الضعيف حين لا ظهر له، وكيف يُستخدم القانون أداةً ضده لا لحمايته.
اللاجئ الإثيوبي لم يكن يُرى كإنسانٍ صاحب حق في الحياه والكرامه، بل كجسد زائد، كعبء، ككائن يمكن دفعه إلى الصمت
بكلمة، بنظرة، بتهديدٍ صغيرٍ كافٍ.
📌وحين كان يذهب ليشتكي، لم يكن يسأل عن العدالة، بل كان يختبر سؤالًا أبسط:
هل أنا مرئي أصلًا؟
غالبًا، لم يكن الجواب نعم.
📌هذه ليست محاكمة لشعب، بل تشريح لحظة أخلاقية فشلنا فيها، لحظة اعتقد فيها بعضنا أن القهر لا يصيب إلا غيرنا، وأن موقع “اللاجئ” قدرٌ مؤقت للآخرين.
اليوم، ظهر قانون الزمان وتدور السلسلة. لا مجازًا… بل حرفيًا. ان ما حدث للإثيوبي والإريتري في بعض الفضاءات السودانية، هو ما سيحدث للسوداني في مصر… وربما أسوأ ولن يتوقف ابدا.
ليس لأن المصري شرير بطبيعته، ولا لأن السوداني أصبح فجأة ضعيفًا، بل لأن الباب الذي فُتح يومًا على الضعيف لا يُغلق وحده.
📌الباب الذي فُتح حين:
تواطأت دولة الضحية مع صمتها، وأطلقت الدولة المضيفة يد الجاني، وتحوّل اللاجئ إلى فراغ قانوني، يمكن الضغط عليه بلا ثمن.
في هذه المعادلة، لا يكون المقهور بريئًا دائمًا، ولا يكون صاحب الغرض وحيدًا، ولا تكون الدولة غافلة.
فالجريمة هنا مركبة:
مقهور تعلّم أن ينجو بالقسوة، وصاحب غرض استثمر في الهشاشة، ودولة الضحية التي تخلّت عن مواطنيها، ودولة مضيفة أطلقت اليد وقالت: افعلوا… ولن يُسأل أحد.
وهكذا يصبح السوداني اليوم ضحية منظومة كاملة، لا ضحية شعب واحد.
المرعب في هذه اللحظة ليس ما سيحدث فقط، بل ما أصبح مسموحًا أن يحدث.
وحين يصبح الاستضعاف مباحًا، والشكوى مخاطرة، والصمت غريزة بقاء، نكون قد دخلنا أخطر أبواب الانهيار الإنساني:
أن يتحول الإنسان، أي إنسان، إلى هدفٍ سهل…
لأنه وُجد في المكان الخطأ والزمان الخطأ وبلا دولة تقف خلفه.
📌هذا الباب فُتح. ولم يُفتح صدفة، وما لم نسمِّ من فتحه، ومن تواطأ، ومن صمت…
فإن المطاردة لن تتوقف عند السوداني، كما لم تتوقف قبله عند غيره، ليس كل عنفٍ يولد من الكراهية، بعضه يولد من الإذلال المتراكم، من أعمارٍ كاملة عاشت منحنية، ومن بشرٍ لم يُسمح لهم يومًا أن يواجهوا من كسرهم فعلًا.
المقهور لا يستيقظ وحشًا، إنه يُصنَع على مهل.
يُكسَر مرة، ثم يُجبر على الصمت، ثم يُطالَب بالطاعة، ثم يُقال له إن نجاته مشروطة بألا يرى نفسه إنسانًا كاملًا.
وحين تُغلق في وجهه كل سُبل العدالة، وحين يصبح القوي بعيدًا لا يُطال، يتعلّم درسًا واحدًا فقط:
أن القسوة لغة مفهومة، وأن الضعيف هو المجال الوحيد المتاح للتنفيس.
هنا لا يبحث المقهور عن حق، بل عن كائن أضعف منه، كائن لا دولة تحميه، ولا قانون يسأل عنه، ولا ضمير عام يشعر بغيابه.
📌وهكذا يولد “الطارد”.
ليس بوصفه شريرًا بالفطرة، بل بوصفه إنسانًا أُغلق عليه كل طريق، فلم يبقَ له سوى أن يثبت وجوده بأن يكون فوق أحدٍ ما… أيّ أحد.
وحين يصل السوداني إلى هذا المشهد في مصر، فهو لا يدخل فضاءً محايدًا، بل يدخل حقلًا جاهزًا لإعادة إنتاج القهر.
إذا أردت أن تفهم ما ينتظره، لا تنظر إلى كلمات المجاملة، ولا إلى شعارات الأخوّة، بل اسأل سؤالًا واحدًا فقط:
ماذا يحدث حين تُعطى السلطة يدًا مطلقة بلا مساءلة؟
📌أو انظر إلى المصري نفسه، حين يُنزع عنه الغطاء، حين يكون هو الغريب، هو الأضعف، في بلادٍ لا يملك فيها سوى جسده وصمته.
القهر لا يختفي، هو يهاجر من الأعلى إلى الأسفل، من المركز إلى الهامش، من صاحب السلطة إلى من لا يملك حتى حق الشكوى.
وفي هذه الهجرة، يقف السوداني في القاع:
غريب بلا ظهر، منهك بلا أفق، محاصر بالخوف، ومكشوف أمام بشرٍ تعلّموا – مثل غيرهم – أن القسوة حين لا تُحاسَب، تصبح وسيلة حياة.
هنا لا يعود السؤال، من يكره من؟ بل: من يُسمَح له أن يبطش… ومن كُتب عليه أن يكون المساحة الآمنة لهذا البطش؟
هذه ليست مواجهة بين شعوب، ولا خصومة ثقافات، بل لحظة انهيار أخلاقي مكتملة الأركان، حين يُدفع إنسان مكسور ليكون وقودًا لكرامة آخرين سُحقت طويلًا.
ومن لا يرى هذه المعادلة الآن، سيراها لاحقًا… لكن بعد أن تكون المطاردة قد أصبحت نظامًا، والقهر قد لبس زيًّا عاديًا، والإنسان قد تحوّل – مرة أخرى – إلى هدفٍ سهل.
📌في تقديري حين تتكامل الجريمة، في هذه اللحظة، لا يملك أحد رفاهية التبرؤ.
الفرد الذي مارس القهر حين أُتيحت له الفرصة، وصمت حين كان الصمت مريحًا، واستسهل إهانة لاجئٍ لأنه أضعف، ليس بريئًا اليوم لمجرد أنه صار في موقع الضحية.
القهر لا يُغتفر لأنه تغيّر موقعه، والكرامة لا تُجزّأ بحسب ميزان القوة، والدولة التي تركت مواطنيها بلا ظهر، واكتفت بالبيانات، وتخلّت عن واجب الحماية، وتعاملت مع التشريد كقدرٍ لا كجريمة، هي شريك كامل في ما يجري، لا بالنية، بل بالفعل والإهمال والتواطؤ الصامت.
أما المنظومة الدولية، بتقاعسها، وبيروقراطيتها، وبتحويلها الإنسان إلى ملفٍ مؤجَّل، فقد نزعت آخر وهمٍ عن خطاب الحماية، وأثبتت أن القانون الدولي لا يفشل فجأة، بل ينسحب ببطء… حين تكون الضحية فقيرة، ومنهكة،
ولا تُربك أحدًا سياسيًا، هنا، تكتمل الجريمة، لا بيدٍ واحدة، بل بسلسلة كاملة من الأيدي التي دفعت، أو أطلقت، أو صمتت.
والسؤال الذي لا مهرب منه ليس: لماذا يحدث هذا لنا؟
بل: متى قبلنا، مرةً أولى، أن يحدث لغيرنا… وسكتنا؟
حينها فقط، فُتح الباب.
imodawiy@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم