السودان إلى أين؟

talaat1706@gmail.com

في بداية تسعينات القرن الماضي تدخل الجيش الجزائري لمنع جبهة الانقاذ الجزائرية من الوصول الي الحكم بعد ان فازوا باغلبية انتخابات البلديات.
وقف علي بلحاج في الساحة العامة بالعاصمة الجزائر ليصرح بقوله انه يشكر الله علي وصولهم لسدة الحكم واضاف ان الديمقراطية موروث غربي . بمعني آخر انه سيركل السلم الذي صعد به الي الحكم لمنع غيره مستقبلا.!
رسخت لدي قناعة منذ وقت مبكر، بأن الغالبية من القوي الوطنية السودانية علي امتداد الطيف السياسي يسارا ويمينا لم تظهر فهما عميقا وحقيقيا لطبيعة الاخوان المسلمين” لمن الفاس وقع في الراس”، والفاس هنا هو الحرب والتشريد الذي يحدث امام اعيننا.
هذه الحرب مأساة عايشها جيلنا الذي يوشك ان يمضي من هذه الفانية ، وإذا كان لهذه المأساة جانب واحد إيجابي من جوانبها السلبية المتعددة طبعا، يكون هو توحد كلمة السودانيين ضد الكيزان ومخاطبة المجتمع الدولي والامم المتحدة بصوت واحد. الامم المتجدة التي تعاني أصلا من ضعف بسبب التمويل وبسبب ان اشرعتها كانت تحركها رياح الحرب العالمية الثانية ومآسيها، ولكن مع بروز أجيال جديدة سكنت تلك الرياح التي كانت تنفخ في اشرعة المنظمة بقيم حقوق الانسان ، ولذلك تحولت الامم المتحدة إلي بيروقراطية باردة وخير شاهد علي ذلك تصريحات غوتيرس الاخيرة حول الحرب في السودان.
في مثل هذه الاوضاع الغير مواتية، كان توحيد كلمة القوي الوطنية عامل حاسم لايقاف الحرب بتوحيد الجهود العسكرية ضد الكيزان إضافة إلى الجهود الدبلوماسية حتي يستيقظ ضمير الشعوب اقليميا ودوليا ، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث حتى الآن حيث مازالت القوي السياسية تتعامل مع الكيزان كحزب سياسي ” عادي” علي الرغم من ان مفهوم الحزب السياسي الحديث هو خدمة الانسان والقضايا العامة وليس السيادة عليه و ” اعادة صياغته” .
الجانب النفسي والثقافي المدمر والعطب الغير قابل للاصلاح في طبيعة جماعة الإسلام السياسي في السودان لم تستوعبه بكل جوانبه احزابنا الوطنية بعد، رغم تجربة حكمهم المؤلمة. علي سبيل المثال وليس الحصر ظل الحزب الشيوعي يتعامل مع الظاهرة ومنذ ستينات القرن الماضى، من خلال منظور طبقي فقط ” برجوازية صغيرة وراسمالية طفيلية” مع ان هذه مجرد مآلات فقط.
حينما اندلعت ثورة الشباب في ديسمبر ٢٠١٨، اندلعت ضد تنظيم تمت تعريته اخلاقيا بحكم تجربة ثلاثة عقود من الفساد والقمع والقتل والظلم وتجفيف مساحات الحريات العامة . بيد انهم مدججون بالسلاح من اعلي الرأس حتي اخمص القدمين مع علاقات دولية واقليمية ومخابرات اخطبوطية. لولا وجود الدعم السريع لما قامت الحرب في السودان اصلا.
اذ كان من الواضح نوايا الكيزان في تصفية الثورة والثوار من خلال الإعتقالات والاغتيالات والترهيب وهو شئ لا تستطيع القوى المدنية مواجهته الا ب ” الشعارات ” .
كان كل ذلك سيتم دون حرب business as usual
بالنسبة للكيزان الذين لايمكن بأي حال من الأحوال ان يتركوا السلطة بعد ان ذاقوا امتيازاتها والاهم من ذلك لايمكن ان يعرضوا انفسهم للمحاسبة علي الجرائم المالية الضخمة والتجاوزات في حق الانسان السوداني.
القوى الوحيدة التي واجهت الكيزان عسكريا هي الدعم السريع ، ولذلك فان دعمه كان بمثابة الفرصة التاريخية الوحيدة للتخلص من هذا السرطان الذي يسري في جسد الأمة. لا اري اي مستقبل للسودان مع الاسف دون انتصار عسكري لقوي تأسيس يفرض علي الكيزان شروط نضمن إيقاف الحرب والانتقال والبناء. بالنسبة لنشاط ” صمود” السياسي الذي ينطلق من فلسفة مفادها ضرورة تعدد الوسائل مع وحدة الهدف المتمثل فى وقف الحرب وصولا الي دولة مدنية ترعي الحقوق وتطبق القانون علي الجميع ، في تقديرى ان هذه الفلسفة هي المسؤولة عن الموقف الحالي الذي يستند إلي الحياد السلبي وتسويق خزعبلات جامعة ييل المدعومة من قطر وغيرها من ادعاءات تفيد بتجاوزات مزعومة للدعم السريع لتبرير حيادهم الماساوي تجاه شرور الكيزان .
استطيع ان اقول : نعم هناك تجاوزات لجنود الدعم السريع لكنها تحدث لأسباب اقتصادية وثقافية ولا علاقة لها بالمواقف السياسية للقيادة وذلك بعكس الكيزان ناس ” يا نحكمكم يا نكتلكم “.
أخشى ان تكون نشاطات ” صمود” مثل ثوب الإمبراطور العاري، وذلك بسبب الحياد ومحاولات “التعفف والتطهر من دنس الواقع”.

طلعت محمد الطيب

عن طلعت محمد الطيب

شاهد أيضاً

نشاط ” صمود” وغضب البرهان (٢)

استنكر الباشمهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني حديث رئيس الوزراء الكندي مارك كارنى حينما …