السودان الجديد

بقلم الريح علي الريح
كان سقوطُ نظامِ عمر البشير في عام 2019 نهايةَ حقبةِ استبداد طويلة، ويفترض بداية اختبارٍ تاريخي للقوى السياسية السودانية؛ هل تستطيعُ ادارة دولةٌ خرجت من عقودٍ من الديكتاتورية وتبنيَ نظاماً سياسياً جديداً على هدى ثورة ديسمبر المجيدة ومطالبها الواضحة المشروعة (حرية سلام وعدالة ومدنية خيار الشعب).
ولكن الامر لم يكن كما يرغب ويشتهي الثوار حيث عادَ معظم قادةِ المنافي من المنفى، نعم معظمهم شردتهم سياسات الانقاذ، منهم من كانوا موجودين تحت مظلةِ القوى السياسية المعارضة ومنهم من ذهب الى مصالحه الشخصية وعادوا يبحثون عن المجد على اكتاف الثوار، لاباس نعلم ان توجهات النظام البائد جمعت أطرافاً متناقضة على هدف واحد هو؛ إسقاط النظام. لكن ما إن حان تحقَّق هذا الهدف، حتى ظهرَ الصراع الحقيقي حولى المناصب الوزارية والمناصب العليا في الدولة وتهافت من تهافت وانزوى من انزوى؛ وربما هذا ناتج عن غياب الاتفاق على رؤية لما بعد البشير رغم الاعلان والاتفاق والميثاق.

وفي الداخل وبعد دخولِ القيادة وسقوط البشير وخلفه ابن عوف، بدأ الصراعُ على السلطة. تهافتتِ بعض قيادة الأحزاب (قوى ندا السودان) على السلطة والفوز بحصةِ الأسد من المناصب من خلال التحالف مع العسكر والاجتماع معهم خفية وعلنا، اجتمعوا لاقصاء الاخرين بحجة اعتبارهم يمثلون الأغلبيةَ في اخر انتخابات وغيرها من الاوهام، فيما رأى الاخرون ان اللجنة الامنية لنظام البشير عليها تسليم السلطة للشعب السوداني ولاتفاوض الا لتسليم السلطة، وأنَّ الجيش لا حق له مشروعاً في حكم السودان ولا عمل له في الدولة الجديدة الا حماية ارض البلاد وحراسة الحدود، بما في ذلك مجلسي السيادة والوزراء أو البرلمان كله للشعب وللمدنيين.

اما قوى الاجماع وهي الكتلة الاخرى المشكلة فيها لم تكن في تقاسم السلطة وحدَه، بل في طبيعة التحول نفسه (هبوط ناعم/ اسقاط النظام). بعض القيادات السياسية منها، انتقلت من دور ثوري مقاوم إلى دور دولتي مؤسساتي، دون أن تُهيّئ مجتمعاتِها لهذا التحوّل. لم يرحّب الناس بمشاركة ممثليهم في السلطة خصوصا ممثل جبال النوبة في مجلس السيادة، ومنهم الذين حتى قواعدهم لم يكونوا مستعدين لرؤيتهم وقد خلعوا عباءةَ النضال التاريخي. هذا التناقض أدّى إلى تآكل الثقة الشعبية، وتحوّل السودان إلى ما يشبه المقبرة السياسية لكثير من القيادات التي فقدت اتصالها بقواعدها الاجتماعية فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
هذا الفشل يتحملُه السياسيين وحدَهم. فقد كان واجبهم الدخول في العملية السياسية وتمثيل مجتمعاتهم وقواعدهم ومعرفة ما ينقصهم. وإعداد المجتمع لمرحلة ما بعد الاستبداد. لم يكن هناك مشروع وطني للانتقال المدني الديمقراطي والدليل ظهور وشيوع وتداول عبارة (دي المدنية الدايرنها)، ولم توجد خطة لنشر وتعليم الناس معنى المواطنة، والحقوق، والمسؤوليات، وآليات عمل الدولة الحديثة المدنية الديمقراطية.
تصرفتِ النخبُ القديمة والجديدة وكأنَّ الشرعية السياسية أمر بديهي خلق لها، وأنَّ معارضة النظام السابق تكفي لمنح حق الحكم. ربَّما كان هذا الشعور بالاستحقاق مفهوماً في تلك اللحظة التاريخية، لكنَّه تحوَّل سريعاً إلى نمطِ حكمٍ مغلق يرفض الاخر ويرفض الايدولوجيا، بالتالي اصبح غير قادر على بناء مؤسسات حقيقية أو عقد اجتماعي جامع او قيام برلمان ومفوضيات مكملة لهيكل السلطة المدنية.
من جانب اخر حاولتِ منظمات المجتمع المدني الممولة من السفارات الغربية إعدادَ جيل جديد من السياسيين والسياسيات (الناشطين والناشطات)، عبرَ برامجِ وورش ومحاضرات تدريب ودعم مؤسسي، استهدفت في الغالب شخصياتٍ معينة توسمت فيهم خدمة اجندتها، هؤلا انقطعوا جزئياً أو كلياً عن المجتمع الذي يريدون حكمه. وجاءت هذه النخب بأفكار جديدة، لكنَّها اصطدمت بواقع اجتماعي لم يُهيّأ للديمقراطية وحقوق الانسان والمراة والحيوان والمثليين كما يتصورها الغرب واستخباراته. فلا يمكن فرضُ مفاهيمِ الحرية والمساءلة والحريات الدينية وسيادة القانون على مجتمع عاش طويلاً تحت الخوف والارهاب المتدثر بالدين، لن يتم ذلك من دون عملية تعليمية واعلامية وتربوية واجتماعية تدريجية وعميقة، ولكن هم لم يتعلموا من المجتمع والمجتمع لم يتعلم منهم، دعك عنهم.

في هذا الفراغ، وُلد فساد غير مسبوق. لم يكنِ الفسادُ نتيجةَ سوء أخلاق فردية فقط، بل نتاج نظام انتقالي فشل في ضبط السلطةِ وربطها بالمساءلة وبالمجتمع. ومع أنَّ الناس تحمّل السياسيين السودانيين مسؤولية هذا الفشل، خصوصاً في ملف الأموال المنهوبة على يد النظام البائد والتي وجدت طريقها إلى مصارف وأسواق خارج البلاد ولم تقوم لجنة التفكيك فيها بمحاسبة حقيقية وهذه اهم نقطة في مسار الانتقال لم يفطن لها قادة الغفلة.
هذا لا يعني إنكار الجهود او التضحيات التي قُدمت في محاولات اسقاط النظام البائد. لكن الخطأ الجوهري كان الاعتقاد بأنَّ بناء المؤسسات لا داعي له ويكفي هيكل الدولة القديم والعمل دون بناء الثقافة السياسية. فالديمقراطية ليست نصوصاً دستورية فقط، بل سلوكاً يومياً يُتعلّم الكل يتعلم ويتدرب.
أمَّا من جانب المكوّن العسكري، كان قطار الثورة فاته ولم يصل حتى في اخر المطاف، وشعر أنَّ ميزان القوة انقلب ضده رغم التزلف والخضوع للثورة وطرد الذين ترفضهم الجماهير من اللجنة الامنية، ولكن في ميدان الاعتصام لم يكن يذكرون بالخير ولا التعداد من ضمن قوى الثورة بل يذكرون كبقية النظام البائد اعداء للثورة وسفاكي دماء.
غدا واليوم، يبدو مستقبلُ السودان مفتوحاً على كل الاحتمالات. هناك من يروّج لفكرة أنَّ السودان لا يُحكم إلا بقبضة قوية كما يروج دعاة الحرب ومشجعي طرفي الحرب (الكاهن- المؤسس)، وأنَّ الديكتاتورية هي الضامن الوحيد للوحدة. هذا طرحٌ خطيرٌ ومضلل. فالتجربة أثبتت أنَّ الاستبداد لا يوحّد، بل يؤجل الانفجار كما انفجر الوضع بالحرب الاخيرة.
الطريق الواقعي نحو الاستقرار لا يكمن في العودة إلى الماضي، ولا في إنكار التَّعدد، بل في الاعتراف به. السودان ليس كياناً متجانساً، ومحاولات فرض الوحدة القسرية كلّفته دماءً غزيرة. من هنا، يبرز خيارُ النظام الفدرالي كإطار سياسي يعترف بالواقع، وينظم الاختلاف بدل أن يقمعه، ويبني شراكة طوعية، لا وحدة مفروضة.
التضحية وتقديم الغالي والنفيس من اجل نظام سياسي جديد لا يعني خسارة الهيبة أو التنازل عن التاريخ ورميه في النفايات، بل هو فعل شجاعة وتضحية سياسية. إنَّ إنقاذَ الأرواح، وصونَ الكرامة، وبناءَ دولة قابلة للحياة، حلم نبيل وحق مشروع أهمُّ من الحفاظ على أوهام السلطة والنفوذ.

فالسودان لا يحتاج إلى حاكم أقوى كما يقولون، بل إلى سياسي ومواطن أَوعى بمصالح البلاد. ولكن كما ترى السياسيين السودانيين في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون.

elryahali@gmail.com

عن الريح علي الريح علي

الريح علي الريح علي

شاهد أيضاً

صراعنا اخلاقي في المقام الاول

بقلم الريح علي الريح يفترض، نظرياً على الأقل، أن تقف الغالبية العظمى من القوى المدنية …