السودان: الهُدنة وشبح التقسيم

أوصلت الحرب بين الطرفين، الجيش السوداني والدعم السريع إلى مفترق طرق شكّلته النتائج العسكرية على أرض الواقع، وتصاعدت معها بطبيعة الحال، ما كان يخشى منه في بدايات الحرب بأن يصبح التقسيم واقعا لا مفر منه. وبعد سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع كآخر معقل للجيش السوداني أواخر الشهر الماضي، ازداد الضغط الدولي، من دول المجموعة الرباعية، وعلى رأسها الولايات المتحدة للوصول إلى هدنة إنسانية، في محاولة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، أو وقف نهائي للحرب بين الطرفين.
ولا تزال محاولات التقريب بين الطرفين تجري في ظل واقع يزداد تعقيده العسكري والسياسي يوما بعد آخر، وأدت الحرب المستمرة، إلى شبه توافق بين المكونات السياسية بضرورة إنهاء النزاع بعد عامين ونصف العام، إلا أن طرفا وحيدا ربما يقف عائقا دون التوصل إلى هذا الاتفاق لينهي الحرب، وهو طرف لديه تأثيره البالغ على سياسات وقرارات الموقف من الحرب، والممثل في الحركة الإسلامية من أنصار النظام السابق، أو جماعات الدولة العميقة.
فما أحدثه الموقف العسكري على الخريطة الاستراتيجية في دارفور، انسحب على كامل الموقف السياسي لكل من الحكومة، وقوات الدعم السريع على السواء، ما أدى إلى خلط الأوراق وتباين المواقف حول عمليات الحرب العسكرية ومسار السلام الدبلوماسية. فبالنسبة للدعم السريع يعد هذا الموقف الجديد بسيطرته على الفاشر، اكتمال هيمنته المطلقة على كامل إقليم دارفور، وقد سبق هذه السيطرة قيام «تحالف تأسيس» بالإعلان عن حكومة موازية في الإقليم. ومن جانب آخر يكون الجيش في وضع حرج، بما إنه يمثل دولة تفقد السيطرة على أراضيها، وما يعقد موقفه الميداني، عدم قدرته على تغطية مساحات شاسعة تمتد من إقليم كردفان إلى دارفور. فالرهان على الهدنة، أو على وقف جزئي لإطلاق النار، لن يخفف من حدة الموقف المتصاعد على طول خط المواجهة بين طرفي القتال.. ولكن ماذا بعد الفاشر؟
ترى غالب التحليلات أن شبح التقسيم بدأ في الظهور، ولا شيء يحول دون تطبيقه عمليا، فإن ما يلوح في أفق المشهد السوداني الجغرافي والسياسي، يحمل معطيات يمكن أن تفسر في اتجاه ما يخشى منه، من بروز واقع مستجد لا يملك معه صانع القرار في الطرف الحكومي، إلا الاستجابة القهرية لشروطه المستجدة، فالقوة العسكرية المتأرجحة للجيش، لا تمكنه من إعادة السيطرة على المناطق التي أصبحت بيد الدعم السريع، وربما الخشية من سقوط مناطق أخرى بما يهدد من عودة الحرب إلى المربع الأول. والسيطرة على الفاشر ستفتح مسارات جديدة وتضيف إلى قوات الدعم السريع منافذ أخرى تعزز من دعمه اللوجستي الخارجي. والموقف الدولي بات خيارا وحيدا في ما يطرح من مبادرات للحد من ازدياد ضحايا الحرب، بالصورة المروعة التي ارتكبت في الفاشر ونسبت إلى قوات الدعم السريع، وهزت الضمير العالمي. ولأن الإدانات على المستوى الإنساني لا تفضي إلى رد فعلي دولي نافذ، ما لم يتخذ على أعلى المستويات الأممية، فقد أصبح التركيز، من جانب القوة الفاعلة مؤسسيا، على الضغط على الطرفين بقبول الهدنة لمدة ثلاثة أشهر، مع أن هذه الهدنة لم تطرح تفاصيلها بعد، ويرفضها الجيش لأكثر من تبرير، أقله للحيلولة دون تمكن الدعم السريع من إعادة تحشيد قواته. فالمفاوضات التي جرت في العاصمة الأمريكية واشنطن، ومهما كانت صيغتها التفاوضية مباشرة أو غير مباشرة، كما شاع عنها، إلا أنها تعد اختراقا غير مسبوق على ما سبقها من محاولات، ونتجت عن ضغط أمريكي مباشر على الطرفين، خاصة الطرف الحكومي، لما يظل يتمسك به من موقف مبدئي برفض التفاوض كلية. فالوضع ما بعد الفاشر ليس كما قبله، إذا ما طبق وقف إطلاق النار، إذ يتمركز كل طرف في موقعه الذي يعني لقوات الدعم السريع وضع يده على آخر المدن الكبرى في دارفور، وبذلك يكون الإقليم بمساحته الشاسعة جاهزا لسيناريو الحكومة الموازية «حكومة تحالف تأسيس». ويختزل هذا التطور المستجد على ساحة الحرب الأهداف غير المعلنة للطرفين، ما بين تفاوض يفضي إلى سلام، أو استمرار يوسع من دائرة الحرب.
فالمساعي الإقليمية والدولية في التوفيق بين هدنة يشوبها حذر، كما ينظر إليها الجيش، وسانحة تعيد للدعم السريع بعض ما فقده، بسبب انتهاكات الفاشر، تصبح المعادلة غير قابلة للتفسير على الأسس التي ستقوم عليها هدنة غير مستقرة، ثم إن الهدنة التي تطالب بها الأطراف قد سبقتها هدن، منذ أن بدأ التفاوض في منبر جدة، الذي انطلق بعد اندلاع الحرب في مايو 2023، إلا أن النتائج لم تكن لتحقق أدنى ما يتم التوافق عليه على مائدة التفاوض، ولكن باختلاف الظروف الراهنة والمتغيرات السياسية والعسكرية في مجريات الحرب يكون للهدنة أكثر من تفسير. وتلقى هذه المخاوف حظها من الانتشار، وسط الأوساط الرسمية والشعبية على السواء. ولكن لم يعد ثمة خيار أو هامش مناورة غير أن يستجيب الطرفان للمقترحات الأمريكية بأي صيغة قد تأتي بها، في ظل تسارع المطالبات دوليا بإنقاذ الموقف المتردي في البلاد جراء الحرب.
الحركات المتحالفة مع الجيش «القوات المشتركة» تجد نفسها في مصير يصعب التنبؤ به بما يحمله من تناقضات، فمن ناحية تنتمي هذه الحركات إلى إقليم دارفور وتقاتل إلى جانب الجيش الحكومي، وخسرت معركتها في الفاشر بسقوطها. فالمواجهة التي باتت مفتوحة مع الدعم السريع خاصة في غربي البلاد، يضع المزيد من التحديات أمامها كما للجيش في الاستمرار في الحرب على هذه الجبهة العريضة. فإحدى هذه الحركات جناح حاكم الإقليم مني أركو مناوي أعلنت توجهها غربا في محاولة لاستعادة ما سقط بيد قوات الدعم بتوجيه كما صرح قائدها من الفريق البرهان الحاكم الفعلي للبلاد. ولأن دارفور في واقعها الجديد تعني الكثير لهذه الحركات سياسيا وجغرافيا وتاريخيا، في علاقاتها مع قوات الدعم منذ أن تفجر الصراع في الإقليم عام 2003 بدعم حكومي ومنه تأسيس قوات الدعم السريع نفسها لمواجهتها، أبان تمردها على الدولة المركزية. وفي هذه الأثناء فإن أي ترتيبات سياسية وعسكرية قد يتخذها الدعم السريع في دافور قد تخرج هذه الحركات خارج المعادلة في السلطة أو شرعية بقائها.
وما بين سقوط الفاشر، وما ينتظر ما يحدثه من تحولات على خريطة جغرافيا الصراع، لا على الموقف العسكري وحسب، وإنما ما سيفصح عنه الواقع الجديد، فإنه أقرب ما يكون إلى النموذج الليبي دولة واحدة بحكومتين؛ وهو الأمر القائم من واقع تفكك الدولة جراء الحرب انقساما على نزعات جهوية وإثنية متضمنة في خطاب الحرب، وما أبرزه من كراهية. ولم تعد المخاوف من الانفصال نفسه تشغل حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، بقدر انشغالها بالحفاظ على ما تسيطر عليه من أقاليم ومدن يخشى اجتياحها مجددا من قبل الدعم السريع. وستكون موازين القوى العسكرية لدى الطرفين رهن ما يحدده المقترح الأمريكي في مبادرة الآلية الرباعية، مع أن كل الاحتمالات باتت مفتوحة على صعيد تمدد الحرب وتصاعدها على مستوى يتجاوز وقف إطلاق النار إلى حرب إبادة.
كاتب سوداني.
نشر بالقدس العربي اللندنية# الخميس 13 نوفمبر 2025م

عن ناصر السيد النور

ناصر السيد النور

شاهد أيضاً

السودان بين أنقاض الحرب ومسارات السلام

ناصر السيد النورما شهدته التحركات والتطورات المتسارعة على المستوى الدولي والإقليمي بشأن الأزمة السودانية في …