السودان بين الانهيار والإمكان (1)

نحو رؤية عملية لإعادة تأسيس الدولة والوعي
م. هيثم عثمان إبراهيم

سأبدأ معكم في كتابة سلسلة مقالات بعنوان ” السودان بين الانهيار والإمكان” هدفها أن أنقل الحوار الدائر في الساحة السياسية و الفضاء العام من الجدل القائم على شعارات فارغة المضامين، إلي حوار فكري منتج يسهم في دفع الآخرين لكي يقدموا أيضا تصورات أخرى تتخذ من الفكر قاعدة لها وتنظر بتفاؤل نحو مستقبل الدولة السودانية التي ننشدها والتي كان ينبغي ان تكون منذ رفع العلم في 1956 م إيذانا ببدء السودان الحر المستقل ذو السيادة.
هذه السلسلة ليست قراءة عابرة في واقعٍ مأزوم، ولا محاولة لتجميل الخراب أو تبرير ما لا يُبرَّر. إنها محاولة جادة لإعادة النظر في جذور الأزمة السودانية، بعيدًا عن الضجيج السياسي، وبعيدًا عن الاصطفافات التي مزّقت المجتمع وأفقدت الدولة معناها.
أنا هنا لا أكتب عن السودان بوصفه جغرافيا منهكة أو سلطة متنازَع عليها، بل بوصفه مشروعًا مؤجلًا، مشروعًا لم يُمنح يومًا فرصة أن يُبنى على وعي سليم، أو على عقد اجتماعي متماسك، أو على مؤسسات مهنية تحترم الإنسان.
هذه السلسلة هي دعوة إلى التفكير الهادئ في زمن الانفعال، وإلى إعادة ترتيب الأولويات في زمن الفوضى، وإلى إعادة اكتشاف السودان من جديد.
سودان لا يُختزل في قبيلة أو حزب أو جهة، ولا يُدار بمنطق الغلبة، ولا يُختطف باسم الهوية أو الدين أو الثورة.
سودان نعيد تأسيسه من الداخل، من وعي الإنسان قبل هندسة الدولة، ومن المصالحة مع الذات قبل المصالحة مع الآخر.
ستتناول هذه السلسلة، عبر ثلاثة أجزاء مترابطة، خريطة طريق شاملة لإعادة بناء السودان على أسس جديدة.
في الجزء الأول، نبدأ من الجذر: إعادة تأسيس الوعي الوطني، بوصفه البنية التحتية غير المرئية التي تقوم عليها الدولة والمجتمع، وبوصفه الشرط الأول لأي نهضة حقيقية.
أما الجزء الثاني، فيغوص في صميم البناء المؤسسي والاقتصادي، من خلال تناول إعادة بناء الدولة على أسس مهنية، وربط ذلك برؤية اقتصادية تضع الإنسان في المركز، باعتبار أن الدولة والاقتصاد يشكلان معًا العمود الفقري لأي مشروع وطني قابل للاستمرار.
وفي الجزء الثالث، ننتقل إلى البعد الاجتماعي والأخلاقي، عبر تناول المصالحة الوطنية بوصفها عملية ضرورية لترميم النسيج الاجتماعي، وإعادة بناء الثقة بين المكوّنات السودانية، وفتح الطريق أمام مستقبل مشترك يتجاوز جراح الماضي ونتناول ايضا دور الاعلام في بناء الامة ونختتم برؤية استراتيجية طويلة المدى لسودان 2045.
هذه ليست كتابة من برجٍ عاجي، بل صوت يخرج من قلب المعاناة السودانية نفسها، محاولة لتهذيب الألم حتى يصير بصيرة، ولترويض اليأس حتى يتحول إلى مسؤولية، ولرؤية الخراب كبذرة لبداية جديدة. كتابة تنبع من لحظة يتداخل فيها نزيف الحاضر مع أسئلة المستقبل الكبرى، ومن واقع يقف فيه السودان على عتبة مفترق طُرقٍ حاسم.
هذا البلد، الذي أرهقته الحروب المتعاقبة، وأضعفته الانقسامات السياسية والاجتماعية، وتآكلت فيه آخر خيوط الثقة بين المواطن والدولة، وبين مكوناته الاجتماعية ذاتها، يبدو وكأنه يواجه مصيراً محتوماً من التفكك. ومع ذلك، فإن هذه اللحظة، بكل قسوتها ومرارتها، ليست مجرد نهاية فصل مؤلم في تاريخ الأمة، بل يمكن، بل ويجب، أن تكون بداية جديدة.
بداية لا تولد من رحم الصدفة، بل من رحم الإرادة والشجاعة، شجاعة النظر إلى جذور الأزمة العميقة لا إلى أعراضها السطحية، وشجاعة الشروع في بناء مشروع وطني جديد، لا يقوم على منطق الغلبة والإقصاء، بل على أسس راسخة من الوعي والمسؤولية والمواطنة.
أولًا: الوعي: البنية التحتية غير المرئية للدولة
إن الأزمة السودانية، في جوهرها وأعمق طبقاتها، ليست أزمة موارد طبيعية أو كفاءات بشرية. فالسودان، بتاريخه وجغرافيته، بلد يزخر بالخيرات، من أراضٍ خصبة تمتد على ملايين الأفدنة، ومياه وفيرة من النيل وروافده، ومعادن نفيسة تختزنها أرضه، كما يزخر بعقول أبنائه المبدعة التي أثبتت جدارتها في كل مكان وصلت إليه، وطاقات شبابه الهائلة التي تمثل أكثر من ثلثي السكان. إنها في الحقيقة أزمة وعي، تلك البنية التحتية غير المرئية التي تشكل الأساس الذي تقوم عليه الدول والمجتمعات.
الوعي الجمعي، كما عرّفه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم في كتابه الرائد “تقسيم العمل في المجتمع” عام 1893، هو:
“مجموع المعتقدات والمشاعر المشتركة بين أفراد المجتمع العاديين، والتي تشكل نظاماً محدداً له حياته الخاصة. يمكن تسميته بالوعي الجمعي أو المشترك.”
هذا الوعي الجمعي ليس مجرد تجميع لأفكار الأفراد، بل هو كيان مستقل يتجاوز الأفراد ويؤثر فيهم، ويشكل القوة الموحدة التي تربط أعضاء المجتمع ببعضهم البعض. إنه يشمل المعتقدات والأفكار والمواقف الأخلاقية المشتركة التي تعمل كقوة موحدة داخل المجتمع، وتحدد معايير السلوك المقبول وغير المقبول، وتخلق شعوراً بالانتماء والهوية المشتركة. وقد أكد دوركايم أن غياب هذا التكامل الاجتماعي يؤدي إلى حالة من “الأنومي” أو اللامعيارية، حيث تضعف الروابط الاجتماعية وتتفكك القيم المشتركة، مما يهدد استقرار المجتمع بأسره.
تشخيص أزمة الوعي السوداني
في السودان، تشكّل وعي جمعي مشوه عبر عقود طويلة من الممارسات الخاطئة والتراكمات السلبية، وعي يمكن وصفه بأنه:-
أولاً: وعي قدّس الأفراد على حساب المبادئ.
هذا النمط من الوعي حوّل الزعماء والقادة السياسيين والدينيين والقبليين إلى أصنام معصومة من النقد، وجعل الولاء الشخصي لهم هو المعيار الأول والأخير للوطنية والانتماء. في ظل هذا الوعي، لا يُقاس الإنسان بما يقدمه من عمل أو بما يحمله من قيم، بل بمدى قربه من الزعيم وولائه له. وقد أدى هذا إلى تجاوز قيم العدالة والكفاءة والمؤسسية، وإلى خلق طبقة من المنتفعين الذين يدورون في فلك السلطة، بينما يُقصى الكفاءات والمخلصون لمجرد أنهم لم يقدموا فروض الولاء المطلوبة.
ثانياً: وعي شخصن العمل العام بدل مؤسساته.
هذا الوعي اختزل الدولة بكل مؤسساتها في أشخاص بعينهم، فصارت الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة مجرد أدوات في أيدي من يتولون إدارتها، تُستخدم لخدمة مصالحهم الشخصية وتعزيز نفوذهم وإثراء أنفسهم وأتباعهم، لا لخدمة المواطن وتحقيق المصلحة العامة. في ظل هذا الوعي، تتحول المناصب العامة إلى غنائم توزع على الموالين، وتصبح الدولة ملكاً خاصاً لمن يحكمها، لا أمانة يؤديها لمن يخدمها.
ثالثاً: وعي عمّق الولاءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
هذا الوعي غذّى الانتماءات القبلية والجهوية والأيديولوجية والطائفية، وجعلها الأساس الذي يُبنى عليه التحالف والتنافس والصراع. في ظل هذا الوعي، يرى الإنسان نفسه أولاً وقبل كل شيء ابناً لقبيلته أو جهته أو حزبه، قبل أن يكون مواطناً سودانياً. وقد أدى هذا إلى تفتيت الهوية السودانية الجامعة، وإضعاف الشعور بالمصير المشترك، وتحويل التنوع الذي كان يمكن أن يكون مصدر ثراء إلى سبب للتناحر والاقتتال.
رابعاً: وعي سمح للخطابات الانفعالية والعاطفية أن تتصدر المشهد وتُغيّب العقل.
هذا الوعي حوّل النقاش العام إلى ساحة للتحشيد والتجييش والشحن العاطفي، بدلاً من أن يكون فضاءً للتفكير النقدي والحوار العقلاني والبحث عن حلول مشتركة للمشكلات المشتركة. في ظل هذا الوعي، يُحتفى بالخطيب الذي يثير المشاعر ويحرك الجماهير، بينما يُهمَّش المفكر الذي يدعو إلى التأمل والتحليل. وقد أدى هذا إلى سيادة ثقافة الشعارات الرنانة على حساب البرامج العملية، وإلى تغليب الحماس على الحكمة.

نحو وعي جديد: الوطن كمشروع اختياري
لا يمكن لأي مشروع وطني حقيقي أن يرى النور، أو أن يصمد أمام التحديات، إذا لم يُبنَ على أنقاض هذا الوعي القديم المشوه، ويؤسس لوعي جديد ومختلف جذرياً. هذا الوعي الجديد يجب أن يقوم على عدة ركائز أساسية:
الركيزة الأولى هي رؤية الوطن ليس مجرد هوية وراثية جامدة نحملها بلا تفكير، بل كمشروع نختاره بإرادتنا الحرة، ونسعى جاهدين لتحقيقه كل يوم. الوطن في هذا الوعي الجديد ليس قدراً محتوماً نرضخ له، بل هو عقد اجتماعي نجدده باستمرار، ونلتزم بشروطه طوعاً لأننا نؤمن بأنه يحقق مصلحتنا المشتركة. هذا يعني أن الانتماء للوطن ليس مجرد صدفة الميلاد، بل هو اختيار واعٍ ومسؤول، يترتب عليه حقوق وواجبات متبادلة.
الركيزة الثانية هي إعادة تعريف علاقتنا ببعضنا البعض، بحيث يتحول الاختلاف والتنوع من مصدر للتهديد والخوف إلى منبع للثراء والقوة. في الوعي الجديد، التنوع العرقي والثقافي والديني واللغوي الذي يتميز به السودان ليس لعنة يجب التخلص منها، بل هو نعمة يجب الاحتفاء بها واستثمارها. الآخر المختلف ليس عدواً يجب إقصاؤه أو إخضاعه، بل هو شريك في الوطن، له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات.
الركيزة الثالثة هي تأسيس ثقافة النقد والمساءلة، حيث لا يكون أحد فوق النقد مهما علا شأنه، وحيث يُحاسب كل مسؤول على أدائه بناءً على معايير موضوعية واضحة. في هذا الوعي، النقد ليس خيانة، والمعارضة ليست عداوة، والاختلاف في الرأي ليس انشقاقاً.

خاتمة الحلقة الأولى: من الوعي إلى البناء
إن إعادة تأسيس هذا الوعي ليست ترفاً فكرياً أو نخبوياً، وليست مهمة يمكن تأجيلها إلى ما بعد حل الأزمات العاجلة. بل هي شرط وجودي لا غنى عنه لبناء دولة قابلة للحياة ومجتمع قادر على النهوض. فبدون هذا الوعي الجديد، ستتكرر نفس الأخطاء، وستُعاد إنتاج نفس الأزمات، مهما تغيرت الوجوه والأسماء.
عليه فإن تشخيص أزمة الوعي السوداني بتشوهاته الأربعة – تقديس الأفراد، وشخصنة الدولة، وتعميق الولاءات الضيقة، وسيادة الخطاب الانفعالي – ليس هدفاً في حد ذاته، بل هو خطوة أولى وضرورية لا بد منها. فالاعتراف بالمرض هو أول طريق الشفاء. لقد رأينا كيف أن هذه التشوهات قد أفرغت الدولة من مضمونها، وفتتت المجتمع، وأوصلت البلاد إلى حافة الانهيار.
لكن الوعي الجديد الذي نطرحه، القائم على فكرة “الوطن كمشروع اختياري”، وعلى الاحتفاء بالتنوع، وتأسيس ثقافة المساءلة، هو نقطة البداية التي لا غنى عنها. إنه الشرط الوجودي لأي نهضة قادمة.
ولكن، كيف نترجم هذا الوعي الفكري إلى واقع ملموس؟
كيف نحول هذه الرؤية الجديدة إلى دولة مهنية قوية، وإلى اقتصاد إنساني عادل يضع المواطن في المركز؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي ستتناوله الحلقة الثانية من هذه السلسلة.

haytham.compre@gmail.com

عن هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم

شاهد أيضاً

العدالة والانتقام: في جدلية بناء الدولة وصناعة الثأر

م. هيثم عثمان إبراهيم مدخل: على مفترق طرق الذاكرةتجد الأمم التي مزقتها الحروب والانتهاكات الجسيمة …