بقلم مرتضى القسم
أين ذهبت خيرات البلاد، وأين ضاعت أمجاد العباد؟ من بدّد الثروات وهدّ المكرمات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الخراب والفساد؟
جيشنا الباسل يقاتل ببسالةٍ ونُبلٍ وإقدام، يبذل الروح رخيصةً بصدقٍ وإقدام، ينتظر الأجر من ربّ الأنام، فكيف يُكشف ظهره ويُطعن بسهام اللئام؟
هل الحاكم في خدمة الشعب فيكرمه ويُعليه، أم الشعب في خدمة الحاكم فيُذله ويُشقيه؟ سؤالٌ مرٌّ يدمي القلوب ويُبكيه!
من الذي أثقل الكاهل بإتاواتٍ تنوء بها الجبال الرواسي؟ ومن الذي أباح بين الولايات نقاط تحصيلٍ وجبايات، تُحصّل أحياناً بغلظةٍ وتعسّفٍ وقسوةٍ وبأسِ؟ فقطّعت الأوصال، وأهلكت الحرث والنسل والمال!
إنها ممارسةٌ سيئة، وسنّةٌ وضيعة، لا تُرى في دولةٍ في كل البسيطة، فالدنيا تمضي لتكتلاتٍ وشراكاتٍ واقتصاد، ونحن نمضي لتفتيتٍ وجباياتٍ وتعطيلٍ للبلاد.. آهٍ ثم آهٍ يا سودان العجائب!
ونتفق أن صلاح الحال من صلاح المسؤول، فبيد بعض المسؤولين المقاليد والمقاصد، وبيدهم القرار والإعلام، فإن صلُح الإعلام صلُحت الأخلاق والأذواق، وإن فسد الإعلام فسدت القيم والذمم، وصُنع المنافقون والمطبّلون، مدّاحون للفساد والطغيان، حتى مسخ الإنسان وسلب الكرامة والأمان!
لماذا تُكرّم التافهات ويُهان الكرام ذوو الشيمة؟ ولماذا صار المواطن ذليلاً في وطنه مهانا، غريباً في بلده مصابا، يُزجر ويُقهر، ويُحتقر ويُكسر؟
لماذا الإذلال والإهمال؟ صفوفٌ في الجوازات تذلّ الرجال، وصفوفٌ في السجلات تقهر الأبطال، انتظارٌ مقززٌ ممل، وإذلالٌ متكررٌ مخل، من أجل شهادةٍ تستخرج بذلٍ وهوان!
فهل يرضى الضمير الحي أن يرى الناس في الطوابير قياماً وقعودا، يعانون ألماً وصدودا؟
لماذا صفوف البنزين لا تنتهي ولا تنقضي؟ وصفوف الجازولين لا تنقضي ولا ترتضي؟ وصفوف الغاز لا تنقطع ولا تقتنع؟ أما آن لشركاتٍ عالميةٍ أن تأتي فتحلّ العقدا، وتوفر الخدمة بيسرٍ وفصلٍ وهدى؟
لماذا لا تُضاء الأحياء بطاقة الشمس المنيرة؟ ولماذا لا تُغاث القرى بمستشفياتٍ صغيرةٍ منيرة؟ حتى يتفرغ الناس للعمل والإنتاج، ويتخلصوا من الذل والإملاق!
أم أن بعض السياسات نذرت نفسها لمحاربة الإنتاج، تريد المواطن ذليلاً خنوعا، فقيراً مسكيناً خضوعا؟
قال جبران خليل جبران: “ويلٌ لأمةٍ تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع.. ويلٌ لأمةٍ تحسب المستبد بطلاً، وترى الفاتح المذل رحيماً!”
وقال عبد الفتاح مورو: “الظلم لا يدوم، وإن دام دمّر، والشعوب إذا سُلبت كرامتها ثارت، وإذا أُهينت في لقمة عيشها لم تعد تخاف شيئاً!”
وقال علي عزت بيجوفيتش: “إن الظلم حين يستشري، والفساد حين يستفحل، يصبح إصلاح الأمة واجباً مقدساً، وثورة الكرامة فرض عين!”
وقال ابن خلدون: “فساد الدولة بفساد حاشيتها، فإذا فسدت الحاشية فسد الراعي والرعية!”
فيا من وليتم أمرنا، اعلموا أن الكرسي زائلٌ حائل، والمنصب راحلٌ مائل، والشعب باقٍ والتاريخ لا يرحم ولا يجامل.
نشكو بثنا وحزننا إلى الله، فعند الله تجتمع الخصوم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!
