السودان: بين الممر والمصب، إعادة صياغة موقع الخرطوم في معادلة حوض نهر النيل

المقدمة
من أكثر الأوصاف تضليلاً التي درج عليها الإعلام في تناوله لملف سد النهضة الإثيوبي عبارة “دولتا المصب”، ويُقصد بها السودان ومصر وكأنهما تتشاركان نفس المخاطر والمصالح. وهذا توصيف غير دقيق فنيًا وقانونيًا؛ بينما مصر هي دولة المصب النهائية التي تعتمد على النيل كمصدر شبه وحيد، على النقيض، السودان هو دولة عبور يمكن أن يستفيد من تنظيم تدفقات المياه وتقليل ترسيب الطمي الذي قلل كثيرا من السعات التخزينية للسدود السودانية.

وبناءً على ذلك، فإن دمج المسارين السوداني والمصري في طاولة تفاوض واحدة لم يحقق مصالح السودان بالطريقة المثلى، بل أدى إلى تهميش مصالحه وإعاقة الوصول إلى حلول عملية، الأمر الذي يجعل من المسار التفاوضي المستقل خيارًا أكثر منطقية وضرورة وطنية.

إشكالية دمج المسارين التفاوضيين
يُعد ربط المسارين التفاوضيين السوداني والمصري أحد الأسباب الجوهرية للجمود التفاوضي بين الدول الثلاث. ففي كثير من الأحيان وجدت إثيوبيا نفسها في مواجهة موقف تفاوضي بدا وكأنه “جبهة موحدة”، مما سمح لها بالمناورة وتأجيل الحلول، دون أن يعكس هذا الموقف حقيقة تباين المصالح بين الخرطوم والقاهرة. فبينما كان السودان يسعى لترتيبات فنية عاجلة لحماية سدوده، كانت مصر تركز أكثر على حصتها المائية التاريخية وقواعد الملء والتشغيل طويلة الأجل، مما أدى إلى تهميش أولويات السودان الحيوية وإعاقة الوصول إلى حلول عملية.

الآثار الاقتصادية والسياسية للمسار المستقل
إن الانخراط في مسار تفاوضي مستقل لا يقتصر على الفوائد الفنية، بل يفتح آفاقاً اقتصادية وسياسية أوسع للسودان. حيث اقتصادياً يتيح هذا المسار للخرطوم التفاوض مباشرة حول الاستفادة القصوى من سد النهضة، سواء في توليد الكهرباء أو في تحسين كفاءة الري. يمكن أن يسهم تنظيم تدفقات المياه في زيادة الإنتاج الزراعي، وحماية الأراضي الزراعية السودانية، وتأمين إمدادات الطاقة، وهي عوامل حاسمة لدعم التنمية المستدامة. سياسياً، يعزز المسار المستقل سيادة القرار السوداني في قضية وطنية حيوية، ويمنح الخرطوم القدرة على بناء علاقات ثنائية مباشرة مع إثيوبيا، قائمة على المصالح المشتركة والتعاون بعيدا عن المواجهة. هذا التوجه يقلل من احتمالات الانجرار إلى خلافات إقليمية لا تخدم مصالح السودان، ويزيد من مرونة سياسته الخارجية في حوض النيل.

مقارنة المصالح بين السودان ومصر
• مصر: دولة مصب نهائية – تعتمد بنسبة 97% على مياه النيل – أي تغيير في الكمية أو التوقيت يمثل تهديدًا وجوديًا مباشرًا.
• السودان: دولة ممر – تتأثر سدوده بالفيضانات والملء غير المنظم – يمكنه الاستفادة من سد النهضة في تنظيم المياه وتقليل الطمي وتحسين أداء السدود (سنار، الروصيرص، مروي).
هذه الفوارق الجذرية تجعل من غير المنطقي أن يتفاوض السودان ومصر باعتبارهما “كتلة واحدة”.

الفوائد المشتركة
في مقابلة تلفزيونية، أشار مدير مشروع سد النهضة، المهندس كيفلي حورو (Kifle Horo)، إلى أن السودان ومصر كان يفترض أن يشاركا في تكلفة بناء السد نظرًا للفوائد التي ستعود عليهما. هذا الموقف يعزز مقترحًا سابقًا طرحته جهات سودانية منذ بداية المشروع، إذ كان يُنظر إلى مشاركة البلدين في التمويل كخطوة تضمن لهما دورًا أكبر في إدارة السد، خاصةً فيما يتعلق بمسائل الملء والتشغيل، مما كان سيخلق بيئة تفاوضية أكثر تعاونًا بين الدول الثلاث.

نموذج نهر كولومبيا: درس في التعاون
تجربة التعاون بين كندا والولايات المتحدة في معاهدة نهر كولومبيا عام 1961 تقدم درسًا مهمًا لدول حوض النيل. المعاهدة التي وُقعت لتنظيم استغلال مياه نهر كولومبيا هدفت إلى السيطرة على الفيضانات وزيادة إنتاج الطاقة الكهرومائية. كندا بنت ثلاثة سدود ضخمة في إقليم بريتيش كولومبيا، هي: ميكا، وهيو إل. كينليسايد، ودنكان. هذه السدود لم تحمِ كندا وحدها من الفيضانات، بل استفادت منها أيضًا الولايات المتحدة التي تقع في أسفل مجرى النهر، حيث ضاعفت إنتاجها من الكهرباء بفضل المياه المتدفقة من السدود الكندية.

في المقابل، لم تذهب جهود كندا هباءً. فقد حصلت على تعويضات مالية مقدمة لتغطية تكاليف الحماية من الفيضانات لستين عامًا، إضافة إلى ما يُعرف بـ “استحقاق كندا”، وهو نصف الفوائد الإضافية من الكهرباء المولدة في المحطات الأمريكية. كندا باعت هذا الاستحقاق لشركات أمريكية، واستخدمت العائدات لتمويل بناء سدودها. واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، يجري العمل على تحديث المعاهدة بما يواكب المتغيرات الجديدة.

هذا النموذج يمكن أن يكون مرشدًا للسودان ومصر في تعاملهما مع سد النهضة الإثيوبي. فالسودان، بحكم موقعه أسفل النيل الأزرق، من أكبر المستفيدين إذا نُظر إلى المشروع بروح التعاون. السودان يعاني من ضعف في سعة التخزين المائي، لا تتجاوز عشرة مليارات متر مكعب، بينما يمكن أن يستفيد من بحيرة السد الإثيوبي لتخزين جزء من حصته المائية. كما أن اعتدال المناخ في الهضبة الإثيوبية، حيث تبلغ الحرارة نحو 22 درجة مئوية، يقلل فاقد التبخر مقارنة بالسدود السودانية والمصرية. على سبيل المثال، يفقد السد العالي في مصر نحو عشرة مليارات متر مكعب سنويًا بسبب التبخر، بينما يعاني سد مروي في السودان من معدلات مماثلة بسبب ارتفاع الحرارة التي تصل إلى 45 درجة مئوية في شمال السودان وجنوب مصر.

وهذا يبين أن التعاون القائم على تقاسم المنافع يمكن أن يحوّل الأزمات المائية إلى فرص تنموية مشتركة، وهو ما يحتاجه السودان ومصر في علاقتهما مع إثيوبيا.

تجربة 26 أكتوبر 2022: دليل عملي
إن جدوى المسار التفاوضي المستقل لم تعد مجرد نظرية، بل أصبحت حقيقة راسخة أثبتتها التجربة العملية. ففي 26 أكتوبر 2022، وقّع السودان اتفاقاً منفرداً مع إثيوبيا بشأن تبادل المعلومات حول ملء وتشغيل سد النهضة، متجاوزاً الجمود الذي عطّل المفاوضات الثلاثية لسنوات. هذا الاتفاق لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية، بل نموذجاً واقعياً قدّم للسودان مكاسب حيوية ومباشرة: حماية سدوده من مخاطر الفيضانات أو الجفاف المفاجئ، وتعزيز الثقة الفنية مع أديس أبابا، وتأكيد قدرته على إدارة ملفاته الوطنية دون تبعية. هذا الإنجاز يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الخلاف السوداني–الإثيوبي يمكن تجاوزه بسهولة أكبر بعيداً عن طاولة المفاوضات الثلاثية التي لم تُقدم للسودان سوى تهميش أولوياته.

القانون الدولي: أساس للمسار المستقل
القانون الدولي للأنهار (اتفاقية الأمم المتحدة 1997، واتفاقية هلسنكي 1992) يقوم على مبادئ أساسية:
• التعاون وتبادل المعلومات بين الدول المتشاطئة.
• الانتفاع المنصف والمعقول.
• منع الضرر الجسيم.
وبالتالي، فإن اتجاه السودان للتفاوض الثنائي لا يخالف القانون الدولي لبل ينسجم مع مبادئه الأساسية، طالما لم يتضمن الإضرار بحقوق الآخرين. بل إن الاستقلال التفاوضي يتيح للسودان التوصل لترتيبات عملية لحماية مصالحه، وهو ما عجزت عنه المفاوضات الثلاثية.
حوض النيل واتفاقية عنتبي: الحاجة لشراكات تعاونية
لقد عبرت دول المنبع الأخرى (أوغندا، كينيا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، جنوب السودان) عن رفضها لما اعتبرته هيمنة غير مبررة من السودان ومصر على مياه النيل، وهو ما قاد إلى توقيع اتفاقية عنتبي 2010. ومع انضمام جنوب السودان لاحقًا للتوقيع، أصبح من الواضح أن التمسك بالمواقف الجامدة سيُلحق أضرارًا جسيمة بالعلاقات بين دول الحوض جميعًا. وهذا يفرض على الخرطوم والقاهرة إعادة التفكير بجدية في بناء شراكات تعاونية مع جيرانهما، تجنبًا لصدامات مستقبلية أو تحالفات إقليمية ودولية قد تأتي بما لا يُحمد عقباه.

الخاتمة
• السودان ليس دولة مصب، بل دولة ممر، وله مصالح تختلف جذريًا عن مصر.
• ربط مساره التفاوضي بمصر كان سببًا رئيسيًا في الجمود التفاوضي.
• استقلال السودان في التفاوض يمكّنه من حماية مصالحه، وتنمية سدوده، والاستفادة من سد النهضة.
• تجربة اتفاق 26 أكتوبر 2022 والقوانين الدولية تؤكد مشروعية وجدوى هذا التوجه.
• آن للسودان أن يبرز كفاعل مستقل في حوض النيل، وأن ينخرط في ترتيبات تحقق التوازن بين حماية مصالحه الوطنية والتعاون مع دول الجوار.
فالسودان أمام فرصة تاريخية ليعيد صياغة موقعه في معادلة النيل، بين الممر والمصب، بصفته شريكًا فاعلًا لا تابعًا.

صلاح الدين أبوسارة
كاتب وباحث مهتم بقضايا اللغة والهوية والثقافة
salahabusarah@gmail.com

عن صلاح الدين أبوسارة

صلاح الدين أبوسارة

شاهد أيضاً

من السويدي إلى العالم: ملاحظات على موسيقى العولمة

كنتُ هناك، جوار حديقة السويدي العامة في الرياض السعودية، ليلة السبت الماضي. لم يكن الأمر …