السودان بين حلم الدولة وواقع الحروب: قراءة في جذور الأزمة الوطنية

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لــوال كــوال لــوال

منذ فجر الاستقلال، ظل السودان يعيش بين رؤيتين متناقضتين: رؤية وطن متعدد قادر على أن يصنع لنفسه نموذجاً سياسياً فريداً، ورؤية أخرى لا تزال أسيرة تصورات ضيقة لطبيعة السلطة ومن يحق له إدارتها. وبين هاتين الرؤيتين نشأت محطات الصراع التي عصفت بالبلاد، حتى صار تاريخ السودان الحديث سلسلة من الانقطاعات السياسية والحروب الطويلة. لم يكن من المفترض أن تدخل البلاد في هذا المنعطف المظلم بعد استقلالها، لكنها دخلته لأن الأسئلة التي كان يجب الإجابة عليها قبل رفع العلم، ظلت مؤجلة حتى انفجرت في شكل أزمات متتالية. لقد ورث السودان من الاستعمار بنية دولة ناقصة، وورث معها تصورات مشوهة عن الهوية الوطنية. فقد حكمت السلطة الاستعمارية البلاد بشكل غير متوازن، ركزت فيه التنمية في وسط البلاد وشمالها، بينما تركت أجزاء واسعة من السودان، من الجنوب إلى الغرب والشرق، خارج حسابات البناء الإداري والسياسي. وعندما اقترب موعد الجلاء، لم تكن هناك محاولة جادة لمعالجة هذا الخلل البنيوي أو لدمج المجموعات المهمشة في مشروع وطني واحد. بل إن الاستعمار عمّق الانقسامات عبر سياسات “الإدارة غير المباشرة” التي عززت البنى القبلية وأبقت الهوية الوطنية في مرحلة ما قبل التكوين. وهكذا تسلم السودانيون دولةً واسعة في الجغرافيا، لكنها هشة في مؤسساتها، وغير قادرة على أن تستوعب تنوعها الضخم. وحين جاءت لحظة الاستقلال، لم يكن هناك إجماع سياسي حول شكل الدولة أو كيفية إدارتها. كانت النخب التي تولت الحكم، رغم وطنيتها، أسيرة تصورات متوارثة لا تعترف بالتعدد الثقافي والعرقي الذي يشكل هوية السودان الحقيقية. فقد تصرفت هذه النخب كما لو أن السودان دولة بسيطة التركيب، بينما كان الواقع معقداً للغاية، إذ تتعايش فيه عشرات اللغات والثقافات والتجارب التاريخية المختلفة. وحين تسيطر نخبة لا تمثل هذا التنوع على مفاصل الدولة، يصبح الإقصاء نتيجة طبيعية، ويصبح الاحتجاج المسلح خياراً متوقعاً بالنسبة لمن يشعرون بأنهم خارج معادلة السلطة. ومع مرور السنوات، تكرّس هذا الخلل، لأن الحكومات المتعاقبة – مدنية كانت أم عسكرية – تعاملت مع السلطة بوصفها امتيازاً لا مسؤولية. فقد ظل المركز يحتكر السلطة والثروة والقرار، بينما تُركت الأقاليم تنتظر وعوداً لا تتحقق. كان يمكن أن تكون بداية الدولة فرصة لإعادة توزيع السلطة بشكل عادل، لكن النخب اختارت الحفاظ على الامتيازات التاريخية التي ورثتها من الاستعمار. ومن هنا أصبحت الهوة بين المركز والأطراف تتسع كل عام، وأصبحت مطالب الأطراف – في الجنوب سابقاً، وفي دارفور والشرق لاحقاً – تتصاعد في شكل احتجاجات ثم صراعات وحروب. ولم يكن الخيار العسكري مجرد استراتيجية، بل أصبح ثقافة سياسية متجذرة. فعندما يفشل الحوار أو يتم تجاهله عمداً، تصبح القوة بديلاً جاهزاً. وهذا ما حدث في السودان لسنوات طويلة، فكلما ظهرت أزمة سياسية، تدخل الجيش بوصفه “منقذاً”، لكنه كان في الحقيقة يعيد إنتاج الأزمة ويعمّقها. ومع غياب مؤسسات ديمقراطية مستقرة، وضعف الأحزاب، وتراجع دور المجتمع المدني، أصبح المجال العام هشاً بسهولة الاختراق. فليس من المستغرب أن تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة، لأن البيئة التي كان يمكن أن تستوعب النقاش السياسي كانت دائماً ضعيفة أو غائبة. لقد اختارت النخبة السودانية الحلول العسكرية لأنها كانت تخشى الحوار الشامل. فالحوار يعني إعادة تعريف الدولة، وإعادة توزيع السلطة، والاعتراف بحق الآخرين في المشاركة، وهو ما بدا تهديداً مباشراً لامتيازات تراكمت لعقود. ولذلك كانت الحرب أسهل؛ فهي تمنح السلطة قدرة على فرض رؤيتها، وتسمح لها بتبرير إخفاقاتها تحت ذريعة الأمن القومي. لكن هذه الاستراتيجيات كانت قصيرة النظر، لأنها حولت السياسة إلى حقل صراع دائم، وحولت الدولة إلى ساحة تنافس بين قوى مركزية مسلحة وقوى هامش تحمل السلاح دفاعاً عن حقها في الوجود. والنتيجة أننا وجدنا أنفسنا في دولة تكرر نفس الأخطاء جيلاً بعد جيل، دون أن تتعلم من تجاربها. ولا يمكن تجاهل تأثير العوامل الخارجية في تغذية الصراع السوداني. فقد شكل السودان ساحة تنافس إقليمي ودولي، تسعى كل قوة إلى دعم طرف على حساب آخر خدمة لمصالحها. ومع ضعف الدولة المركزية، أصبحت الأطراف أكثر قابلية للتأثر بالتمويل الخارجي والتحالفات العابرة للحدود. ولم يكن هذا مجرد دعم سياسي، بل كان جزءاً من معادلة الحرب نفسها. فالدول التي رأت في السودان فرصة نفوذ، لم تتردد في تقديم الدعم العسكري أو السياسي لطرف دون آخر، مما زاد من تعقيد الأزمة ودمجها في صراعات أوسع من حدود السودان نفسه. ومع كل ذلك، يبقى السؤال: هل يمكن للسودان أن يخرج من هذه الدائرة؟ الإجابة نعم، لكنه يحتاج إلى إعادة تأسيس وطنية حقيقية، لا تكتفي بإصلاحات سطحية. فالسودان بحاجة إلى مشروع جديد يعترف بتعدده ويعيد بناء مؤسساته على أسس المواطنة والمساواة. وهذا يقتضي تغييراً جذرياً في طريقة فهم الدولة، بحيث لا تكون حكراً على مجموعة أو جهة، بل إطاراً جامعاً لكل المكونات. كما يحتاج إلى إعادة هيكلة نظام الحكم بما يضمن مشاركة فعالة للأقاليم في إدارة شؤونها، وإلى اقتصاد يعالج تراكمات التهميش، وإلى جيش مهني يبتعد عن السياسة ويعود إلى دوره الطبيعي. إن السلام لا يتحقق بوقف إطلاق النار، بل يتحقق عندما يشعر المواطن أن الدولة تمثله وتحميه وتستمع إليه. يتحقق عندما لا يشعر أي سوداني بأنه مواطن درجة ثانية. يتحقق عندما تُبنى دولة على أساس العدالة والاعتراف المتبادل، لا على أساس القوة والهيمنة. وما لم يحدث ذلك، فإن السودان سيظل يعيش بين حلم الدولة وواقع الحروب، بين تطلعات شعبه العادلة ونخبة سياسية لم تدرك بعد أن بناء الوطن يحتاج شجاعة تختلف عن شجاعة حمل السلاح. إن الطريق إلى مستقبل مختلف يبدأ بالاعتراف بأن ما حدث طوال العقود الماضية لم يكن مجرد سوء حظ تاريخي، بل كان نتيجة خيارات سياسية خاطئة. والتاريخ، مهما قسا، يمنح الشعوب فرصة ثانية إن امتلكت إرادة التغيير. والسودان، رغم جراحه، ما زال يمتلك تلك الفرصة، وما زال بإمكانه أن يتحول إلى وطن يسع جميع أبنائه، لو اختارت نخبته شجاعة الإصلاح بدل شهوة السيطرة، ولو أدركت أن الدولة لا تبنى بالقوة، بل تبنى بالعدل، والإنصاف، والتشارك في المسؤولية والمستقبل.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …