السودان بين مشروعين فاشلين- حرب الهوية التي تأكل الدولة

زهير عثمان

لا يمكن قراءة المشهد السوداني الراهن، الملبد بغيوم الحرب والتمزق، بمعزل عن صراع تاريخي ممتد لم يكن يوماً مجرد خلاف على مقاعد السلطة، بل كان اشتباكاً وجودياً حول ماهية الدولة
وشكل الهوية ويقال إنه الصراع بين “اليسار القومي” كمشروع نهضوي نشأ في أتون الحقبة الاستعمارية، وبين “الإسلام السياسي” الذي قدم نفسه كنقيض أيديولوجي وحضاري
اليسار السوداني الماركسية في “الواقع المحلي”
لم يكن اليسار السوداني، وفي طليعته الحزب الشيوعي، “بضاعة مستوردة”، بل كان محاولة نادرة لتوطين الماركسية في بيئة طائفية وتقليدية معقدة من هنا نحد التحدي الاعظم , فمنذ خمسينيات القرن الماضي، نجح الحزب في التحول
إلى “مثقف عضوي” -بتعبير غرامشي- ملتحماً بقواعد العمال في عطبرة ومزارعي الجزيرة
لقد صاغ قادة من وزن الراحل عبد الخالق محجوب رؤية فريدة ترفض النصوص الجامدة، وتدعو لتطبيق مستقل للمنهج العلمي في التنمية
ولم يقف المشروع عند حدود الاقتصاد، بل كان سباقاً في طرح معضلة “المركز والهامش” قبل عقود من تحولها إلى أدبيات دولية، حيث قدم جوزيف قرنق (1971) تحليلاً فذاً للاقتصاد السياسي للتهميش الذي يغذي النزعات الإثنية
الإسلام الحداثي الاستلاب من “الخصم”
في المقابل، صعد تيار الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون ثم الجبهة الإسلامية) من ذات الأروقة التي تخرج منها اليساريون جامعة الخرطوم. وبقيادة الدكتور حسن الترابي، قدم التيار مشروعاً “حداثياً” بمرجعية دينية، مستخدماً أدوات اليسار
ذاتها في التنظيم والتحشيد
وتبرز هنا مفارقة تاريخية؛ إذ يرى المحللون أن الحركة الإسلامية السودانية كانت “صورة مرآة” للحزب الشيوعي في انضباطها الكادري وهيكلتها السرية، لكنها وظفت هذا الانضباط لخدمة مشروع “الدولة الرسالية” التي تقسم المجتمع على
‘ أساس الولاء العقدي، بدلاً من المواطنة الشاملة
من قاعات المحاضرات إلى “ميادين الجهاد”
انتقل الصراع سريعاً من السجال الفكري في الستينيات إلى المواجهات الدامية , فبينما كان اليسار يطرح “الدولة المدنية” القائمة على العدالة الاجتماعية، كان الإسلاميون يسعون لتجييش المجتمع. ومع انقلاب 1989، تحول العنف من
“اشتباك طلابي” إلى “سياسة دولة” عبر قوات الدفاع الشعبي ومصادرة الآخر سياسياً ودينياً، فيما عُرف بـالتمكين

الحرب الراهنة عودة الخيار الافتراضي
اليوم، يعيد التاريخ إنتاج الصراع بصور أكثر قسوة , فمع استمرار الحرب بين الجيش والدعم السريع، يبرز تساؤل جوهري حول عودة الإسلاميين للمشهد من بوابة المؤسسة العسكرية
وتشير الشواهد الميدانية والسياسية إلى أن الإسلاميين باتوا “الخيار الافتراضي” للجيش في معركته للبقاء؛ عبر:-
الانخراط العسكري من خلال كتائب مثل “البراء بن مالك”
التغلغل الإداري إعادة الكوادر المقالة (الدبلوماسيين والقضاة) إلى مناصبهم
التحالف السياسي سد الفراغ الذي خلفه تشرذم القوى المدنية واليسارية
هل ربح اليسار “المعركة الأخلاقية”؟
بالرغم أن اليسار القومي دفع أثماناً باهظة من دماء قادته (إعدامات 1971) ومنظومته التنظيمية، إلا أن تراثه الفكري المتمثل في شعارات السودان الجديد والعدالة الاجتماعية لا يزال يمثل المحرك الفعلي للشارع الثوري
لم يحتاج الي تعديل مساره ونقول انه الذي تّمتّرس بالافكار الايدلوجية القديمة بالرغم من الحداثة التي من حولنا
في المقابل، يواجه الإسلام السياسي أزمة شرعية حادة؛ فعودتهم الحالية ليست عبر صندوق اقتراع أو مشروع نهضوي كامل الاركان، بل كأداة في صراع عسكري مرير والكل يعلم لقد خسر الإسلاميون النقاش التاريخي حول “إدارة الدولة”
بينما يظل اليسار -رغم ضعفه التنظيمي- هو المزود الأساسي للأفكار التي تقاوم التفتت
يبقى السؤال المعلق هل تستطيع القوى المدنية تحويل إرث اليسار ونقده الاجتماعي إلى برنامج سياسي واقعي ينهي دوامة الصراع، أم أن السودان سيظل أسيراً لمعادلة صفرية بين مشاريع الماضي؟

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

تعيين “بيكا هافيستو” مبعوث جديد، هل الحكاية “سرج جديد” لحصان برك؟

زهير عثمان في خطوة دبلوماسية كده، الأمين العام للأمم المتحدة “غوتيريش” قرر يغير “اللعيبة” في …