muhammedbabiker@aol.co.uk
د. محمد عبدالله
منذ أن اجتاحت نيران الصراع ربوع السودان، بدت الكارثة الإنسانية، بكل ضخامتها، وكأنها طمست الأسئلة الكبرى التي أُثيرت مع سقوط نظام عمر البشير. وفي خضم الهروب اليومي من القذائف والجوع، خفت صوت السؤال المحوري: ما مصير «الدولة العميقة» التي حكمت البلاد لعقود؟ هل اختفت بسقوط النظام السابق، أم أنها احتضنت الفوضى لتعيد إنتاج نفسها في صورة جديدة؟
في التجربة السودانية، لم تكن الدولة العميقة مجرد تحالف بين أجهزة أمن وموظفين كبار. لقد كانت كيانًا قائمًا بذاته، أشبه بكائن هجين، يجمع بين المصالح المتشابكة، واقتصاد الظل، والولاءات العابرة للمؤسسات، وسيطرة محكمة على أدوات القوة الرمزية والمادية. ثلاثة عقود من حكم «الجبهة الإسلامية» لم تُفضِ إلى بناء دولة مؤسسات، بل أفرزت هياكل مرنة، قابلة للتفكك وإعادة التشكيل وفقًا لتحولات موازين القوة، ما جعلها عصيّة على الإزالة.
عقب الإطاحة بالبشير عام 2019، ساد تفاؤل، اتّضح لاحقًا أنه متعجّل، مفاده أن سقوط الرأس يعني زوال الجسد. غير أن ما سقط فعليًا كان الواجهة الظاهرة للنظام، بينما ظلّت شبكاته العصبية تعمل في العمق. فقوة هذه «الدولة الخفية» لا تُقاس بمناصبها المعلنة، بل بقدرتها على تعطيل أي تحوّل حقيقي، وخلق فوضى محسوبة، وإرباك البدائل إلى الحد الذي تبدو معه عاجزة عن الحكم.
خلال الفترة الانتقالية القصيرة، مارست هذه الشبكات لعبتها القديمة ببرودة أعصاب. لم تواجه مطالب الثورة مباشرة، بل تركتها تتآكل من الداخل: غذّت الانقسامات بين المدنيين، وحوّلت الخلافات السياسية إلى هوّات سحيقة، وضخّمت كل خطأ، لتكريس رسالة مفادها أن البديل الوحيد عن «الفوضى» هو عودة الأيدي القديمة المتمرّسة.
وجاء الانقلاب العسكري في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 ليشكّل فصلًا متوقّعًا في هذا المسار، لا قطيعة معه. غير أن الحرب التي اندلعت لاحقًا بين فصيلين عسكريين رئيسيين أبعدت الأنظار عن اللاعب الخفي. فالفوضى العارمة التي يعيشها السودان اليوم لا تمثّل نهاية الدولة العميقة، بل بيئتها المثلى. ففي غياب سلطة القانون، تزدهر شبكات الاقتصاد غير المشروع، من تجارة السلاح إلى التهريب، وتتشكل تحالفات عابرة للخطوط الأيديولوجية، لا يحكمها سوى منطق المصالح. الهدف هنا لم يعد الحكم المباشر بالضرورة، بل منع قيام دولة حديثة وفاعلة، والإبقاء على «اللادولة» بوصفها قدرًا محتومًا.
واللافت أن هذه القوى تخلّت عن أرديتها الأيديولوجية القديمة. فهي لم تعد ترفع شعارات الإسلام السياسي أو «المشاريع الحضارية»، بل تتوارى اليوم خلف خطاب براغماتي يرتدي عباءة «الأمن الوطني» و«منع انهيار الدولة»، ويتبنّى أحيانًا نقدًا انتقائيًا لإخفاقات المرحلة الانتقالية بلسان زائف. إنها قدرة دائمة على التكيّف، لا بهدف الإصلاح، بل لتفريغ اللحظة من معناها.
وعليه، لا يمكن اختزال الصراع الدامي الراهن في مواجهة بسيطة بين جيش نظامي وميليشيا. إنه، في جوهره، انفجار تناقضات داخل بنية واحدة مأزومة، نشأت وتضخّمت في ظل الدولة العميقة نفسها. وهذه الشبكات لا تنحاز كليًا إلى أي من الطرفين، بل تستثمر في استمرار الحرب واستنزاف الجميع، لتغذية سردية مفادها أن الخلاص من الجحيم لا يتحقق إلا بالعودة إلى سجّانيه القدامى، ولو بأسماء وأشكال جديدة.
السؤال الجوهري، إذن، لم يعد ما إذا كانت الدولة العميقة قد انتهت، بل ما إذا كانت القوى السياسية والمدنية السودانية تمتلك القدرة العملية على تفكيكها. فالتجربة أثبتت أن هذه البنية لا تسقط تلقائيًا بسقوط الأنظمة، بل تعيد إنتاج نفسها كلما غابت الدولة وضعفت المؤسسات.
تفكيك الدولة العميقة لا يتحقق عبر تغييرات شكلية أو استبدال أشخاص بآخرين، بل عبر مسار طويل لإعادة بناء الدولة نفسها: جيش وطني مهني موحّد، واقتصاد شفاف خارج سيطرة شبكات المصالح، وعدالة انتقالية تكشف الانتهاكات وتؤسس للمساءلة، ومؤسسات مدنية قادرة على الحكم لا على إدارة الأزمات فقط.
ما يجري في السودان اليوم يعكس انتقال الدولة العميقة من الحكم المباشر إلى إدارة الفوضى من الخلف. فهي لم تختفِ، لكنها غيّرت أدواتها وخطابها، مستفيدة من الحرب والانقسام وانهيار السلطة المركزية. وفي غياب مشروع وطني واضح لإعادة تأسيس الدولة، ستظل هذه البنية قادرة على تعطيل أي مسار انتقالي مقبل، مهما تغيّرت الوجوه أو الشعارات
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم