muhammedbabiker@aol.co.uk
د. محمد عبدالله
لم يكد السودان يخرج من لحظة الاستقلال حتى بدأت تتشكل في خطابه العام رواية تُرجع ما أصابه من اضطراب مزمن إلى مؤامرة خارجية ممتدة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الرواية إلى تفسير جاهز لكل الإخفاقات: دولة مستهدفة منذ ميلادها، حروب أشعلتها قوى إقليمية ودولية، ومسار وطني أُفشل عمداً حتى انتهى بانفصال الجنوب، مع بقاء احتمالات التفكك ماثلة في أكثر من إقليم.
هذه السردية، على شيوعها، تمنح شعوراً مريحاً بالإعفاء من المسؤولية، لكنها تتعثر عند إخضاعها للفحص التاريخي. ليس المقصود إنكار وجود تدخلات خارجية أو مصالح دولية في السودان، فذلك أمر لا ينفصل عن موقعه الجغرافي وتعقيداته، بل وضع هذه التدخلات في سياقها الحقيقي، وقياس أثرها الفعلي في ظل بنية داخلية لم تنجح، منذ الاستقلال، في بناء دولة مستقرة وقادرة.
مع فجر الاستقلال، لم تكن الدولة الوطنية قد أنجزت مهمتها التأسيسية. لم يكن هناك كيان متماسك تعرض للتقويض، بل مشروع دولة لم يكتمل. اندلاع الحرب في الجنوب جاء قبل استقرار مؤسسات الحكم، لا بفعل مخطط خارجي محكم، بل نتيجة عجز النخب السياسية في الخرطوم عن التعامل مع التنوع الثقافي والاجتماعي بوصفه أساساً لوحدة وطنية طوعية. الحكومات المدنية في الستينات تعاملت مع القضية الجنوبية من زاوية أمنية ضيقة، وورثت من دون مراجعة منطق الدولة الاستعمارية المركزي، ما أسهم في تعميق الصراع بدل احتوائه. في ظل هذا الضعف البنيوي، وجد التدخل الخارجي بيئة مواتية، لكنه لم يكن العامل الحاسم.
انقلاب مايو 1969 نقل البلاد إلى مرحلة مختلفة، حاول فيها النظام الجديد بناء دولة مركزية قوية ذات خطاب أيديولوجي. في سنواته الأولى، أظهر نظام جعفر نميري قدراً من الاستقلالية في القرار السياسي، وكان توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972 دليلاً على أن الإرادة السياسية قادرة، متى ما توفرت، على احتواء الصراع. غير أن هذا المسار لم يصمد. فقرار إلغاء الاتفاقية، وتقسيم الجنوب، ثم فرض قوانين سبتمبر 1983 في سياق أزمة سياسية واقتصادية خانقة، أعاد إنتاج الحرب. هنا تداخل العامل الداخلي مع الضغوط الخارجية، لكن نقطة الانفجار كانت قراراً وطنياً خاطئاً فتح الباب لتدويل الصراع من جديد.
في عهد نظام “الإنقاذ”، بلغت سردية المؤامرة ذروتها وتحولت من تفسير شائع إلى خطاب رسمي. رفع النظام منذ 1989 شعار “المشروع الحضاري” في مواجهة ما أسماه الاستهداف الغربي، بينما كان يعيد تشكيل الدولة على أسس حزبية وتنظيمية، ويقوض مؤسساتها لحساب الولاء السياسي. استُخدم خطاب المؤامرة لإسكات النقد الداخلي وتبرير الحروب والفشل الاقتصادي. وعندما انفصل الجنوب في 2011، قُدم الحدث بوصفه نتيجة ضغوط دولية فقط، مع تجاهل حقيقة أن سياسات الإقصاء والحرب الطويلة جعلت خيار الوحدة فاقداً لمعناه لدى قطاع واسع من الجنوبيين. مرة أخرى، كانت المؤامرة غطاءً لفشل داخلي، لا تفسيراً كافياً له.
بعد انتفاضة ديسمبر 2019، بدا أن السودان أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف أزمته بوصفها أزمة دولة ونظام حكم، لا مجرد استهداف خارجي. غير أن هذه الفرصة تبددت سريعاً. تفككت القوى المدنية، واستمر نفوذ المؤسسة العسكرية في قلب السلطة، وغاب المشروع الوطني الجامع. في هذا المناخ من الضعف والانقسام، عادت التدخلات الخارجية لتؤثر بعمق، لا لقوتها الذاتية، بل لعجز الداخل عن حماية مساره الانتقالي. الحرب التي اندلعت لاحقاً لم تكن نتيجة مؤامرة مفاجئة، بل حصيلة تراكم طويل من تفكيك الدولة، وتسييس الجيش، وتغليب منطق السلطة الضيقة على منطق المواطنة.
تدل تجربة السودان، في محصلتها، على أن البلاد لم تكن ضحية بريئة بالكامل، ولا هدفاً مطلقاً لمؤامرة دائمة. لقد جرى توظيف فكرة المؤامرة، في كثير من الأحيان، كوسيلة للهروب من مواجهة الأسئلة الصعبة المتعلقة ببناء الدولة، وتوزيع السلطة، وإدارة التنوع. فالدول لا تنهار لأن الآخرين يتآمرون عليها فحسب، بل لأنها تعجز عن بناء مؤسسات تحميها من آثار هذا التآمر.
المخرج من هذا المأزق لا يكمن في إنكار التدخلات الخارجية، ولا في تضخيمها إلى حد شلّ الإرادة الوطنية، بل في إعادة تعريف جوهر الأزمة بوصفها أزمة حكم وبناء دولة. فحين تمتلك البلاد مؤسسات شرعية، وسلطة مدنية خاضعة للمساءلة، وتوزيعاً عادلاً للسلطة والثروة، تصبح قدرة الخارج على العبث بمصيرها محدودة. عندها، لا تختفي التدخلات، لكنها تفقد فاعليتها. فالهشاشة هي التي تستدعي المؤامرة، أما الدولة المستقرة فتعرف كيف تضبط علاقاتها وحدودها، وتحمي قرارها الوطني بوسائل السياسة، لا بشعارات الضحية الدائمة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم