دكتور محمد عبدالله
قبل أيام، وبينما كنت أتصفح الأخبار قبل النوم، توقفت عند صورة من الفاشر. لم تكن صورة عادية. كانت لجثة طفل صغير، ربما في السابعة من عمره، مغطاة بالغبار الأبيض الذي يميز تراب دارفور. في الأسبوع ال 155 من الحرب، لم يعد مشهد الموت يصدم، وهذا هو أكثر ما يرعب في الأمر.
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بدأت كصراع على الكراسي بين رجلين كانا بالأمس حليفين: عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، ومحمد حمدان دقلو “حميدتي”، قائد قوات الدعم السريع. كانا معاً في قصر الرئاسة بالخرطوم، يتقاسمان السلطة بعد سقوط البشير، يتصافران أمام الكاميرات. ثم ذات صباح، استيقظ الخرطوميون على دوي المدافع. لم تكن حرباً معلنة، بل كانت أشبه بطعنة غادرة في الظهر.
في البداية، ظن الجميع أنها ستكون حرب أسابيع. الجيش يمتلك الطيران، والدعم السريع يمتلك الانتشار الأرضي. لكن ما حدث كان مختلفاً. تحولت شوارع الخرطوم إلى متاهة من الجبهات المتقطعة، حيث لا ينتصر أحد، بل يموت الجميع. تحولت المستشفيات إلى ساحات قتال ثانوية، وتحولت المنازل إلى قبور جماعية.
الآن، بعد 155 أسبوعاً، لم يعد أحد يتحدث عن النصر. الجميع يتحدث عن “السيناريوهات”. والفرق كبير بين الاثنين.
على الأرض، الواقع مرير وبسيط: الخرطوم لم تعد عاصمة بالمعنى المتعارف عليه. الدعم السريع يسيطر على أجزاء واسعة من دارفور، بل وأقام “إدارة موازية” في نيالا. الجيش من جهته يتمسك بشرق السودان ومنطقة وادي النيل، ويحكم من بورتسودان كعاصمة مؤقتة. هناك من يقارن الوضع بليبيا، حيث يتقاسم طرفان البلاد دون أن يتمكن أحدهما من القضاء على الآخر. وهذا التخوف بات حقيقة وليس مجرد تحليل.
لكن ما لا تظهره الخرائط هو الصراع الأعمق، صراع الأفكار. هنا يصبح المشهد أكثر تعقيداً وأكثر قتامة.
الجيش لم يعد مجرد جيش. تحول إلى حاضنة للإسلاميين. بعد تحرير بعض السجون في بداية الحرب، عادت وجوه مألوفة من عهد البشير إلى الواجهة، ليس كسجناء محررين، بل كقادة صفوف. كتائب “البراء بن مالك”، وهي تشكيلات إسلامية متشددة، تم دمجها في الهيكل العسكري. خطاب القيادة العسكرية بدوره أخذ ينزاح نحو لغة تعبئة ذات طابع ديني، تستدعي مفردات الاستقطاب والكراهية. الجيش الذي كان يُفترض أن يكون حامياً للدولة المدنية، أصبح اليوم أقرب إلى مظلة لمشروع يسعى لاستعادة ما فُقد في 2019.
على الجانب الآخر، حميدتي، الذي كان يوماً قائداً لمليشيا في دارفور، يحاول اليوم أن يقدّم نفسه كرجل سلام ومحارب للفساد. الأدهى من ذلك أن أطرافاً إقليمية متعددة تدعم هذا الطرف أو ذاك، عبر السلاح والمال والخبرات. هكذا تحولت الحرب تدريجياً إلى ساحة تنافس غير مباشر، تُدار فيها الحسابات خارج حدود السودان بقدر ما تُدار داخله. سوداني يقتل سودانياً، لكن بأدوات تُغذّيها صراعات الإقليم، وهو ما أسهم بشكل واضح في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات إنهائها.
بين هذين القطبين، هناك صوت ثالث يكاد لا يُسمع: تنسيقية “تأسيس” أو تحالف “تمازج” الذي طرح ميثاق نيروبي. هؤلاء يتحدثون عن شيء ثوري في سياق السودان: دولة علمانية فيدرالية تفصل الدين عن الدولة تماماً. هذا الطرح هو الخيار الثالث، وهو الأخطر على النخبة التقليدية، لأنه لا يكتفي بإنهاء الحرب، بل يعيد تعريف ماهية السودان نفسه.
السؤال الأصعب الآن: كيف ستنتهي هذه الحرب؟
هناك ثلاثة سيناريوهات مطروحة، وكلها مرعبة:
الأول: انتصار عسكري للجيش. هذا يعني عودة الإسلاميين إلى الحكم بقوة السلاح، لا عبر صناديق الاقتراع بل عبر الدبابات. هذا الخيار يفتح الباب لعزلة دولية، ويعيد إنتاج الأزمة بشكل أكثر حدة، حتى لو بدا في ظاهره حلاً سريعاً.
الثاني: تعادل واستنزاف. وهنا يتحول السودان إلى نموذج دولة منهارة بالكامل: لا جيش يحميها ولا دولة تحكمها. مليشيات تتحكم في الطرق، ومجاعة تضرب الأطراف، وملايين النازحين الذين قد لا يعودون أبداً. هذا السيناريو هو الأخطر على الجوار، لأنه يخلق فراغاً أمنياً مفتوحاً على كل الاحتمالات.
الثالث: حل سياسي قسري. وهنا يتدخل المجتمع الدولي لفرض وقف إطلاق نار وتشكيل حكومة انتقالية. لكنه خيار معقد، لأن كلاً من طرفي الحرب يدرك أن الجلوس إلى الطاولة قد يعني نهاية مستقبله السياسي.
بالنسبة للإسلاميين، فإن مساحتهم تضيق يوماً بعد يوم. صحيح أنهم ما زالوا حاضرين داخل بنية الدولة، خاصة في الأجهزة العسكرية والأمنية، لكنهم يواجهون رفضاً داخلياً متنامياً، إلى جانب تحفظات إقليمية وضغوط دولية لا يمكن تجاهلها. لم يعودوا ذلك الفاعل القادر على إعادة إنتاج نفسه بسهولة، بل باتوا في موقع دفاعي، يحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذ في بيئة تزداد عدائية تجاههم.
أما خيارات العسكر، فهي أكثر وضوحاً: البقاء في السلطة. سواء بوجه البرهان أو غيره، فإن المؤسسة العسكرية لا تبدو مستعدة لتسليم الحكم لمدنيين لا يملكون أدوات القوة. لقد تذوقت طعم السلطة، وتدرك أن من لا يملك القوة على الأرض، لا يملك القرار.
منذ 155 أسبوعاً، يعيش السودانيون خارج السودان حياة معلقة. كل صباح، أول ما نفعله هو فتح الواتساب لنتأكد أن أهلنا في أم درمان أو بحري أو الفاشر ما زالوا أحياء. نسمع أصداء القصف ونحن بعيدون، نشرب قهوتنا في مدن آمنة. هناك شعور ثقيل بالذنب، كأنك تشاهد مأساة من خلف زجاج عازل.
في الأسبوع 155، لم يعد السودان بحاجة إلى شفقة، ولا إلى بيانات إدانة. السودان يحتاج إلى فعل حاسم، إلى ضغط حقيقي يفرض نهاية لهذه الحرب، لا إدارتها.
لكن المشكلة أن الإرادة الدولية تبدو مترددة، بينما تستمر حسابات الإقليم في تغذية الصراع بشكل غير مباشر. وفي هذا الفراغ، يواصل السودان انزلاقه البطيء نحو الغياب، يوماً بعد يوم، تحت غبار الفاشر الأبيض.
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم