محمد سليمان علي
في عالم الاقتصاد والسياسة، لا تكفي النوايا وحدها للحكم على القرارات، فالعبرة دائماً بما تتركه من آثار على أرض الواقع. فقد تأتي بعض الإجراءات تحت عناوين مشروعة، لكنها في بيئات هشة ومعقدة قد تفضي إلى نتائج تختلف تماما عن أهدافها المعلنة.
قرار مجلس الاتحاد الأوروبي بحظر استيراد الذهب المنتج في السودان، ومنع توريد المواد المستخدمة في استخراجه مثل الزئبق والسيانيد، جاء في سياق محاولة معلنة للحد من الموارد التي يمكن أن تستخدم في تمويل الحرب الدائرة في البلاد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يؤدي هذا الحظر فعلا إلى إضعاف اقتصاد الحرب، أم أنه يدفع المزيد من تجارة الذهب إلى المسارات غير الرسمية؟
الإجابة لا يمكن فصلها عن واقع قطاع الذهب نفسه. فأزمة الذهب السوداني لم تبدأ مع العقوبات، بل سبقتها سنوات من ضعف الرقابة، وتعدد مراكز النفوذ، وانتشار التعدين غير المنظم، وعجز الدولة عن بناء منظومة فعالة تضمن السيطرة على الإنتاج وتتبع العوائد.
فالذهب في السودان لم يكن يعاني من مشكلة في قيمته، بل في طريقة إدارته. فالمورد الذي كان يمكن أن يمثل رافعة للاقتصاد الوطني، أصبح جزءاً من اقتصاد مواز تتحرك فيه كميات كبيرة خارج الدورة الرسمية، مما أضعف قدرة الدولة على توظيف ثروتها في خدمة الاقتصاد الوطني. ولعل هنا يكمن جوهر الأزمة؛ فلم تكن المشكلة يوماً في قلة الموارد، بل في غياب الإرادة الوطنية والإدارة الرشيدة القادرتين على تحويل الثروة إلى قوة للدولة، لا إلى عبء عليها.
وفي ظل هذا الواقع، فإن حظر القنوات الرسمية لا يعني بالضرورة توقف حركة الذهب، بل قد يقود إلى نتيجة عكسية؛ إذ تنتقل التجارة من المسارات المعروفة إلى شبكات قادرة على التخفي والالتفاف على القيود. فكلما ضاقت المساحات القانونية، اتسعت مساحة الاقتصاد الخفي.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: القرار الذي يهدف إلى تجفيف مصادر تمويل الحرب قد يؤدي إلى إضعاف القطاع الرسمي الذي تحتاجه الدولة في أشد أوقاتها صعوبة. فالذهب يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، وخسارة جزء من عوائده الرسمية تعني مزيد من الضغوط على اقتصاد أنهكته الحرب. وعلى مواطنٍ فقد أدنى الخدمات، ولم يعد يصارع من أجل المعيشة، بل من أجل البقاء.
ولا تتوقف آثار هذه العقوبات عند الدولة، بل تمتد إلى آلاف العاملين في التعدين الأهلي الذين لا يرون في الذهب وقوداً للصراع، بل وسيلة للبقاء. فحين تُفرض العقوبات على قطاع بأكمله، فإنها لا تميز بين دولة تخوض حربا للحفاظ على سيادتها في مواجهة مليشيا مدعومة من الخارج، وبين مواطن لا يبحث في الذهب إلا عن قوت يومه، فتتحول من وسيلة للضغط السياسي إلى عبء اقتصادي وإنساني يدفع ثمنه الشعب السوداني.
ومع ذلك، فإن اختزال أزمة الذهب في العقوبات الأوروبية وحدها سيكون قراءة غير مكتملة. فالعقوبات لم تصنع الأزمة، وإنما جاءت لتتعامل مع أحد تجلياتها. أما الجذر الحقيقي، فيكمن في تحوّل الذهب من مورد اقتصادي استراتيجي إلى محور للتنافس على السلطة والثروة، في ظل مؤسسات دولة أضعفتها سنوات من الهشاشة والصراع، فلم تعد قادرة على فرض سيادتها الكاملة على مواردها أو توظيفها لخدمة الاقتصاد الوطني.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت العقوبات الأوروبية ستوقف الحرب، بل لماذا أصبحت ثروة وطنية بهذا الحجم جزءاً من معادلة الصراع أصلاً؟ فالذهب لا يحمل لعنة في ذاته، وربما لم تكن لعنة السودان في الذهب، بل في غياب إرادة وطنية تبني مؤسسات دولة قادرة على إدارة هذه الثروة وتوظيفها ركيزةً للاستقرار والتنمية. وعندما غابت تلك الإرادة، تحول الذهب من فرصة للنهوض إلى ساحة للصراع، ومن نعمة اقتصادية إلى عبء سياسي، ومن مورد للتنمية إلى بوابة للتدخلات والعقوبات، بينما ظل المواطن السوداني يدفع الثمن من أمنه، واقتصاده، ومستقبله.
rw3ams@gmail.com
