كتب د. محمد عبد الحميد
أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
السودان من رماد الحرب إلى عطش السلم: السد الإثيوبي وقبضة العولمة الناعمة على المياه
برغم أن سكان الخرطوم الكبرى قد أفاقوا، أو بالكاد أفاقوا، من هول الحرب الضارية، التي قعقعت أسلحتها في أحيائهم وربما في منازلهم، إلا أنهم وبعد أن انحسر ذلك الهول، باتت العودة إلى المنازل قريبة وبعيدة في آن. فغياب الخدمات الأساسية، وعلى رأسها المياه، يرسم مشهداً جديداً للحياة في العاصمة السودانية المنكوبة. حتى وإن عاد جريانها مؤقتاً، فمع حلول شهر سبتمبر القادم، وافتتاح السد الإثيوبي رسمياً، سيجد السودانيون أنفسهم أمام حقيقة مغايرة تماماً لما ألفوه عبر سنين عمرهم وعبر الأجيال: فالمياه ستدخل حيز السوق. (تدفع فتشرب)، أو لا تجد لها سبيلاً. وسيتم التحكم فيها عن بُعد، من أعالي الهضبة الإثيوبية.
قد تبدو هذه الصورة، في ظاهرها، قاتمة وصادمة، ولكنها ليست بعيدة عن منطق العولمة الذي طال كل شيء.
الولايات المتحدة الأمريكية، على لسان رئيسها دونالد ترمب، وإن أظهر امتعاضاً مما أكده بأن أمريكا قد موّلت السد بشكل غبي، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة مهمة وهي أن أمريكا ظلت في العمق وفية لعقيدتها الرأسمالية المتجذّرة في فكرة “سلعنة المياه” وضمها إلى منظومة السوق المفتوحة. فقد جاء تصريح ترمب محمّلاً بلهجة تضامنية مع دول أسفل السد، خاصة مصر التي ذكرها بالاسم، إلا أنه أخفى في حنايا تلك اللهجة التضامنية هوية المموّلين الحقيقيين، واكتفى بإشارات فضفاضة لا تخلو من الغموض.
ولعل في هذا التعميم ما يكشف عمّا هو أعمق: لم يكن تمويل السد فعلاً بريئاً أو محصوراً في الدولة الأمريكية كحكومة، بل في منظومة رأسمالية أكثر تعقيداً، تستثمر في المياه كأصل من أصول المستقبل. هنا، تتبدى فكرة الحرب القادمة في إفريقيا، كما ظلّت تتردّد لعقود، بأنها حرب مياه، لا كإشاعة بل كاحتمال تُؤسّس له الأدوات الناعمة بإحكام، بدءاً من التحكم في منابع الأنهار إلى التحكم في البورصات.
وما يُمكن أن يُستشف من تصريحات ترمب أنه قد وضع إثيوبيا في موقف أخلاقي لا تُحسد عليه، فقد ظلّت، ومنذ ولادة مشروع السد، تروّج وتدّعي أن الشعب الإثيوبي، في الداخل والخارج، هو من موّل المشروع عبر اكتتاب وطني طوعي. حتى العمالة الإثيوبية غير المنظمة المقيمة في الخرطوم، بمن فيهم بائعات الشاي، قد ساهموا في ذلك الاكتتاب. بيد أن الحقائق التي انكشفت عبر تصريحات ترمب، ومن قبله عبر مواقف مؤسسات التمويل الدولية، تشير إلى أن مشروع السد هو جزء من صفقات العولمة، لا من إنجاز قومي خالص.
وقد يُلاحظ المتابع الحصيف أن الرأي العام السوداني، طوال سنوات بناء السد، قد خضع لأكبر عملية تضليل منظّم، شارك فيها مهندسون وخبراء ومسؤولون رسميون، روّجوا لفكرة أن السد سيعود بالنفع العميم على السودان من حيث الطاقة الكهربائية الرخيصة، وتنظيم جريان النيل الأزرق، وحجز الطمي وما إلى ذلك من دعاية تستخف بالعقول وتأسر الأفئدة المتلهفة لكل مأسرة مجانية، بينما في الواقع فإن السد ليس مشروع كهرباء، بل مشروع تحكّم سياسي في المياه، بقدرة تخزين تتجاوز 74 مليار متر مكعب، تجعل من إثيوبيا صاحبة اليد العليا في تقرير مصير دولتي المعبر والمصب وتطلق يد فاعلي العولمة للتحكم في الأمن المائي لكل من السودان ومصر.
كما أن المتابع لموضوعة السد كقضية خلافية، يمكن أن يلاحظ سلوك إثيوبيا من خلال جولات التفاوض المختلفة على مدار أكثر من عقد من الزمان بأنها كانت تعمل وفق إستراتيجية شراء الوقت ودفع الفرقاء إلى حافة الهاوية، بمواصلة بناء السد أثناء التفاوض، وإحجامها المطلق عن أن تطوق نفسها بأي اتفاق قانوني يلزمها بأي شيء، حتى لو كان على مستوى تبادل البيانات.
إن التلويح بشعارات مثل “التكامل الإقليمي”، أو “رؤية إفريقيا 2063” — وهي الخطة الطموحة التي وضعها الاتحاد الإفريقي لتحقيق القارة المتحدة والمزدهرة بحلول مئوية تأسيس المنظمة الإفريقية — لا ينبغي أن يحجب عن صانع القرار السوداني حقيقة أن المياه اليوم أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أسواق العولمة، وأن إدارة هذه الموارد الحيوية لم تعد رهينة السيادة الوطنية وحدها، بل أصبحت، كما السلع الأخرى، تُدار وفق اعتبارات المصالح الكبرى، والطلب، والتسعير، وربما الحروب المؤجلة.
ولعلّ السودان، الخارج من حرب مدمّرة، يجد نفسه الآن أمام حرب أخرى، أكثر نعومة في الأدوات، ولكن لا تقل فتكاً في المآلات. ففي ظل العجز السياسي، وضعف القدرة على التأثير في ملف المياه، سيُفرض واقع جديد عنوانه: من يدفع، يشرب. ومن لا يدفع، ينتظر مصيره.
لقد أشار كاتب هذا المقال إلى وجود فاعلين دوليين في قضية السد في مقال سابق في العام 2019م كان عنوانه “السد الإثيوبي والحق المقدس لفاعلي العولمة”. واليوم، مع تصريحات ترمب، تتضح الصورة أكثر أن مشروع السد الإثيوبي لم يكن يوماً مجرد سدٍّ للكهرباء، بل جزءاً من صناعة المستقبل في سوق المياه، وركيزة في مشروع السيطرة غير العسكرية على مقدرات الدول، بإخضاعها لقواعد السوق لا لقواعد السيادة.
السودان، إذن، ينتقل من رماد الحرب إلى عطش السلم، وما بين الحربين، يتشكّل مصير جديد، أدرك فيه أهل السودان أن جريان الماء في الصنبور هو دفق الحياة وقوام البقاء ومنزع الوجود.
د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم