السودان وحرب الفضاءات المكشوفة

ناصر السيد النور*

شهدت الحرب الجارية في السودان هذا الأسبوع تصعيدا تجاوز كل ما يمكن توقعه على ما احدثته بمداها الزمني الذي يتقرب من الثلاثة أعوام من حرب يمكن تصورها بين طرفين إلى حرب شاملة تستخدم فيها كل ما يفتك من أسلحة متنوعة وعمليات عسكرية لم تشهدها حرب داخلية أهلية منذ الحرب العالمية الثانية. فمن اقتحام المدن وارتكاب فظاعات بحق المدنيين والمقاتلين على السواء إلى حرب شاملة تستخدم فيها منظومة الحرب الالكترونية لضرب المدن والأعيان المدنية بواسطة المسيرات الاستراتيجية. فإن الذي جرى من ضرب لمدينة بورتسودان الساحلية مقر حكومة الأمر الواقع شكل صدمة لم تكن ضمن حسابات القيادة العسكرية للجيش. فما الذي يجري ولماذا وصلت الحرب إلى ما يشبه نقطة اللاعودة تحول سير عملياتها العسكرية ومعها خارطة الحرب في المسافات والحدود الجغرافية.
جاءت هذه التطورات في اعقاب هجوم بالطيران نفذه الجيش على مطار مدينة نيالا (مقر الدعم السريع) غربي البلاد حيث تسيطر قوات الدعم السريع على كامل الإقليم والمدينة المستهدفة لم تكن هي المرة الأولى التي تقصف فيها منذ بداية الحرب في ابريل/نسيان 2023 وأوقعت من الضحايا بين المدنيين وما طال التدمير من بنية تحتية وزاد من معاناة النزوح في الإقليم المنكوب. تمكن الجيش منذ بداية الحرب من استخدام سلاح الطيران الذي يمتلكه بشكل واسع ضد مواقع الدعم السريع في العاصمة والمدن مما حقق فارقا بين الطرفين في شن الهجمات الجوية الأمر الذي لم يكن ليتحقق للدعم السريع لأهم عنصر في المعارك العسكرية مما شكل نقطة ضعف لازمته طوال فترة الحرب في عاميها الأوليين. وبهذا الاستخدام بعيد المدى للمسيرات الاستراتيجية تكون الحرب بين الطرفين هل اقترب من مدى تقارب التوازن في القوة على الرغم من اختلافها على الأرض من انسحاب وتراجع لقوات الدعم السريع، وخروجها من وسط البلاد التي كانت تحت سيطرتها طوال المدة الماضية.
ويأتي الهجوم على مدية بورتسودان على مدى أيام وضرب مواقع استراتيجية في المدينة والميناء ومخازن الوقود والقواعد العسكرية غداة رفض المحكمة الدولية لدعوى السودان ضد دولة الأمارات بدعهما للدعم السريع في الإبادة الجماعية ومساندتها لهذه القوات في حربها ضد الدولة بإنها أي المحكمة لا تملك صلاحية اتخاذ تدابير ضد الإمارات. فبعد أن انتقلت أزمة الحرب إلى الفضاء الدبلوماسي (المحكمة الدولية) تعقدت الأزمة المكتومة بين البلدين بعد الهجمات الأخيرة التي أُتهمت فيها الإمارات بشكل رسمي وقوفها وراء تلك الهجمات وأخيراً كما جاء في بيان الخارجية السودانية بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في سابقة نادرة في العلاقات السودانية العربية. وكما جاء في بيان أعلن مجلس الأمن والدفاع في السودان، الثلاثاء، قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة، وإعلانها “دولة عدوان” وسحب السفارة والقنصلية العامة. ودور الإمارات في مساندتها لقوات الدعم السريع كشفت عنه تقارير أممية وإعلامية إلا أن الخطاب الرسمي لحكومة الجنرال البرهان لم تصعد في خطابها الخارجي طوال هذه المدة وظل تبادل الاتهامات الإعلامية بين البلدين أما وقد انتقلت الحرب بعد أن استنفدت أغراضها أرضيا إلى حرب الكترونية موجهة باستخدام أسلحة غير تقليدية تصل إلى أعماق بعيدة تتحرك في الأجواء المكشوفة.
إن المسافة ما بين مدينتي نيالا وبورتسودان لم تعد بالتعبير الجغرافي في سياق حرب المسافات البعيدة تتحصن بالحواجز الطبيعية والفيزيائية بالبعد الزمني مما يجنبهما غارات الطيران أو الطيران المسير فأصحبت المدينتان مركز قيادة للطرفين. فالأثر العسكري لابد له من نتائج سياسية ذلك أن لرمزية بورتسودان السياسية والإدارية كمقر لحكومة الأمر الواقع بعد أن فقدت مقرها التاريخي في العاصمة الخرطوم وتعرضها لضربات موجعة كشفت عن خلل في منظومة دفاعات الجيش واستراتيجيته التقليدية في صد هجمات من قبل الدعم السريع. وإذا كانت قوات الدعم السريع قد اعتمدت في هجومها على الاقتحام البري والالتحام المباشر، ولكن باستخدامها لمنظومة المسيرات الانتحارية وبهذا المدى فقد أضاف بعدا آخرا في ميدان المواجهة المستمرة بينه والجيش. وإن سجال المعارك بين مدينتين (نيالا، بورتسودان) دخل إلى مرحلة الصراع عالي الوتيرة بالتعريف الاستراتيجي للحرب بما يشبه الحرب بين دولتين. فإذا كانت الغارات التي يشنها الجيش على مدينة نيالا لم تكن تثير ما اثارته الضربات وما خلفته من دمار في المنشآت المدنية والعسكرية وغيرت من خطاب الحرب للحكومة ونقلته من صراع الداخل إلى صعيد الأزمة الدبلوماسية.
ولم يكن الأمر مستبعدا وصول الصراع بين الطرفين إلى مواجهات إقليمية ودولية أصبح معها السودان ساحة لتقاطع المصالح الدولية، وميدان نيران واسع النطاق مهد للتدخل الدولي والإقليمي بما يؤثر سلبا على مجريات الحرب. فكلا الطرفين المتصارعين يستندان على قوى خارجية في الدعم اللوجستي بين دولة جارة إلى جانب الجيش وأخرى إن لم تكن أخريات مع الدعم السريع في مدى تمددها في القارة الافريقية. فأصبح البحر الأحمر حيث تقع مدينة بورتسودان محور تجاذب بين قوى إقليمية الإمارات وإيران وروسيا ومخاوف تبديها دول ساحلها كالسعودية، فأدي التناقض في السياسات التي تحملها تصريحات المسؤولين السودانيين حول منح قواعد بحرية لدول تهدد قوى اقتصادية وعسكرية في العالم والإقليم في ميزان النظام العالمي. فالسودان في ظل هذه الحرب الجارية غير مؤهل بصراعاته الداخلية وازماته الاقتصادية الطاحنة للدخول في صراع القوى النافذة. فالأولى مراعاة مصالحه الأمنية والاستراتيجية التي تتطلب قرارات وسياسات من حكومة تحسن تقدير مصالح شعبها. ولأن السودان في وضعه قد يجعل منه أي في وجود الصراع والتنافس الدولي على البؤر الاستراتيجية في القارة منطقة رخوة وحلقة أضعف في توازنات القوة الإقليمية والدولية مما يرشحه أن يكون في وجود قوة دولية اخري بالقارة ميداناً للتسابق الاستراتيجي للهيمنة على ثروات يحتد التنافس الدولي حولها وذلك لسهولة تخطي حدوده المفتوحة التي زادت الحرب من سيولتها.
واستمرار الحرب على هذه الوتيرة المرشحة للتصاعد بعد أن انتقلت الى المواجهة المباشرة مع دولة الإمارات تدخل الأزمة السودانية بكل مجالات صراعاتها العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية منحى آخرا يحتاج إلى إدارة أزمة أكثر من شعارات الحرب نفسها التي تفتقر إلى الاعتراف بضرورات السياسية وحقائق الاقتصاد. فالضغط الذي تمارسه سطوة قوة السلاح أي يكن نوعه ومدى تأثيره يخلق خللا مخيفا في التحول الذي يشهده مسار الحرب، وخاصة أن جانبها منها لديه تداعياته الاجتماعية المتضررة من الحرب تشمل مناطق وقبائل متعددة في إطار الاحتقان الداخلي لإفرازات الحرب. وستكون من نتائج هذه الهجمات الأخيرة اتساع الهوة بين السلام والمفاوضات لإنهاء الحرب، بل التصميم من قبل الجيش كما ورد في خطاب الجنرال البرهان على هزيمة قوات الدعم السريع ومن يساندها.
وإذا كان من المتوقع أن تغير هذه الهجمات من خطة حرب الجيش أو كما فهم الآخرون محاولة من الدعم السريع للضغط على الجيش للعودة إلى مائدة التفاوض فإن التمدد الآخر للصراع مع الإمارات كطرف لم يعد متخفيا على الأقل دبلوماسيا بعد أن قطع السودان علاقته معها يضيف عبئا عسكريا ليس في مقدور الطرفين تحمله بالاستمرار في الحرب أو تحمل شروطها. وبما أنه من المستبعد أن يقبل الجيش والأطراف التي تقف من ورائها تحالفا ودعما سياسيا التراجع عن خطته القاضية بالقضاء على الدعم السريع. وبينما جددت قوات الدعم السريع الدعوة إلى حل سلمي شامل ُنهي الأوضاع التاريخية المختلّة، ويؤسس لدولة جديدة لا تهيمن عليها فئة أو نخبة. وهي دعوة مهما حملت من نوايا لن تصمد أمام موجة خطاب الحرب بعد هذه الهجمات وتصاعد وسائل الحرب الدبلوماسية والعسكرية والتقنية.
###

nassyid@gmail.com

عن ناصر السيد النور

ناصر السيد النور

شاهد أيضاً

السودان بين أنقاض الحرب ومسارات السلام

ناصر السيد النورما شهدته التحركات والتطورات المتسارعة على المستوى الدولي والإقليمي بشأن الأزمة السودانية في …

اترك تعليقاً