السودان وفرص النهوض بعد وقف النزيف
قراءة في تجارب رواندا وفيتنام وإثيوبيا
عمر سيد احمد
أبريل 2026
يعيش السودان اليوم لحظة فارقة في تاريخه، إذ قطع انقلابُ أكتوبر 2021، وما أعقبه من حرب مدمرة فرضتها الحركة الإسلامية لقطع الطريقَ على مسيرة التحول الديمقراطي التي أطلقتها ثورة ديسمبر المجيدة.” حرب أرادت بها الحركة الإسلامية أن تعود إلى السلطة من بوابة الدم والدمار، غير مبالية بما تخلّفه من أشلاء وخراب وتهجير لملايين الأبرياء.
وفي خضم هذا الجمر المتقد، قد يستنكر البعض الجرأةَ في الحديث عن التفاؤل ورسم خرائط النهوض، بينما الدماء تملأ الهواء وتلوّثه. غير أن القاع الذي وصلنا إليه — بكل ثقله وإيلامه — يستلزم بالضبط نظرةً متفائلة وإرادةً وطنية فولاذية، لأن الاستسلام لليأس في هذا القاع لن يفضي إلى شيء سوى الرسوخ فيه أو الانزلاق إلى ما هو أعمق منه. فالتفاؤل هنا ليس ترفاً عاطفياً ولا هروباً من الواقع، بل هو شرط البقاء وأداة المقاومة وبذرة النهضة التي أثبتت شعوب أنهكتها حروب أشد قسوة — كفيتنام ورواندا وإثيوبيا — أنها وحدها القادرة على تحويل الرماد إلى بنيان.
ومن هنا يتساءل كثير من السودانيين الغيورين على وطنهم: هل ثمة نماذج في عالمنا المعاصر يمكن أن تُضيء الطريق نحو النهوض؟ الإجابة نعم — لكن بشرط الفهم العميق لا الاقتباس السطحي. فتجارب فيتنام وإثيوبيا ورواندا لا تقدم وصفة جاهزة، بل تقدم دروساً في الإرادة الوطنية الصادقة والقيادة الرؤيوية الأمينة. وقبل الإجابة عن “كيف نقتدي”، لا بد من الإجابة عن “متى”، لأن استيراد نماذج التنمية في غير أوانها يُفضي إلى فشل مضاعف. فالتجارب الثلاث لم تنطلق في فراغ، بل انطلقت جميعها من لحظة تأسيسية حاسمة توافرت فيها شروط موضوعية بعينها.
أولاً: النموذج الفيتنامي — الدولة التنموية المنفتحة
أخرجت فيتنام سبعين في المائة من شعبها من دائرة الفقر، وحافظت على استقرارها وازدهارها، وسلكت بنجاح ومثابرة سبيل التنمية المتوازنة المستدامة منذ نهاية الغزو الأمريكي في منتصف السبعينات. والأكثر إثارةً للاهتمام أنها نالت — على الرغم من شيوعيتها — الرضا الكامل والدعم الهائل من البنك الدولي وكافة المؤسسات المالية الأمريكية والغربية.
انفتحت فيتنام على الغرب الرأسمالي عبر سياسة “دوي موي” Doi Moi أي التجديد عام 1986، مستلهِمةً المقولة الصينية: “لا يهم إن كان القط أبيض أم أسود طالما يستطيع أن يصطاد الفئران.” فكفكفت هيمنة القطاع العام على الاقتصاد، وتبنّت المعادلة المختلطة بين المؤسسات الحكومية والتعاونية والخاصة، وشجّعت الملكية الفردية في مجالات الصناعات الصغيرة، المستفيدة من المواد الخام المتوفرة محلياً كالجلود والمعادن والمحاصيل الزراعية والسمكية، ومن الأيدي العاملة في ظل انحسار التضخم.
ولقد ساهم في هذا الخير المتدفق نحو فيتنام أن مئات الضباط والجنود الأمريكيين من محاربي الحرب هبطوا على تلك الدولة الفتية بدولاراتهم يبتغون الشراكات المفيدة مع أعداء الأمس، في وسيلة راقية للتكفير عن ذنب حرب الإبادة. كما أن المتطهر الأكبر الذي قلب معايير تعامل البنك الدولي مع فيتنام رأساً على عقب كان رئيسه روبرت ماكنامارا — وزير الدفاع الأمريكي المسؤول الأول عن تصعيد الحرب ضدها — الذي ساهم حين جاء السلام في وضع البلو برنتس الخاصة بإعادة تعمير فيتنام وتنميتها.
أبرز مرتكزات النجاح الفيتنامي: الزراعة أولاً إذ تحرّر الفلاح من القيود الجماعية فارتفع الإنتاج فوراً، والصناعات التصديرية الخفيفة من ملابس وإلكترونيات وأحذية، والانفتاح التدريجي المنضبط على الاستثمار الأجنبي، مع الحفاظ على التعليم والصحة المجانيين كركيزة اجتماعية. وكانت الثمرة خروج 45 مليون شخص من الفقر خلال ثلاثة عقود.
ثانياً: النموذج الإثيوبي — الدولة التنموية الأفريقية
رغم تحدياتها الهائلة، حققت إثيوبيا في العقود الأخيرة قفزات تنموية لافتة. بنى ملس زيناوي منذ 1991 نموذجاً مستوحى من التجربة الآسيوية يقوم على قيادة الدولة للاستثمار في البنية التحتية الكبرى من طرق وسدود وسكك حديدية، والفيدرالية العرقية لإدارة التنوع، والشراكة الاستراتيجية مع الصين، وتطوير قطاعي الزراعة والطاقة بالتوازي. أعطت إثيوبيا أولوية قصوى للتعليم والصحة، فارتفعت نسبة القيد في التعليم الابتدائي من 30% إلى ما يزيد على 95% خلال عقدين. ووظّفت نهرها الأزرق لبناء سد النهضة، واستخدمت موقعها الجغرافي لتصبح مركزاً للطيران الأفريقي عبر الخطوط الإثيوبية. وكانت الثمرة نمواً متواصلاً فوق 8% لأكثر من عقد، وتحول أديس أبابا إلى عاصمة القارة الأفريقية الدبلوماسية والاقتصادية.
ثالثاً: النموذج الرواندي — معجزة ما بعد الإبادة
ربما كانت رواندا الأشد إلهاماً للسودان لأنها نهضت من أعمق هاوية يمكن تخيلها — إبادة جماعية راح ضحيتها 800,000 شخص في مئة يوم عام 1994 — لتتحول خلال ثلاثة عقود إلى نموذج في الحوكمة والتنمية. قامت التجربة الرواندية على أربعة مرتكزات جوهرية: أولها المصالحة الوطنية قبل كل شيء عبر محاكم “غاتشاتشا” Gachacha التقليدية لمعالجة جرائم الإبادة بمشاركة المجتمع، وإلغاء الهوية العرقية من الوثائق الرسمية، وخطاب وطني جامع مفاده “لسنا هوتو ولا توتسي، نحن روانديون.” وثانيها القيادة الرؤيوية الصارمة إذ قاد بول كاغامي بيده عملية التحديث بنظام صارم لمكافحة الفساد وبرؤية طويلة المدى “رواندا 2050.” وثالثها الرهان على الاقتصاد الرقمي حتى أصبحت كيغالي من أنظف المدن وأكثرها توصلاً بالإنترنت في أفريقيا رغم محدودية الموارد الطبيعية. ورابعها تمكين المرأة كأداة تنموية حقيقية لا شعاراً سياسياً، إذ تمتلك رواندا أعلى نسبة تمثيل نسائي في البرلمان عالمياً تجاوزت 60%. وكانت الثمرة تراجع الفقر من 77% عام 2000 إلى أقل من 38% عام 2020.
لماذا تكاد المقارنة تكون مستحيلة؟
المقارنة بين السودان وهذه التجارب تصطدم بعقبات موضوعية جوهرية. فالسودان يتألف من 570 قبيلة تنقسم إلى 57 مجموعة عرقية وترطن بـ114 لساناً، ومن فرط التمايز والتناقض دارت حرب بين شماله وجنوبه استمرت لنصف قرن وانتهت بانفصال الجنوب عام 2011، وما زالت أقاليم أخرى تهدد بالانفصال. بينما فيتنام يحكمها حزب واحد وتتألف من شعب واحد يتحدث لغة واحدة. وكذلك رواندا التي استطاعت بقيادة كاغامي أن تحوّل تنوعها الإثني من لعنة إلى فرصة للوحدة.
ولقد ظلت فيتنام تتمتع بقيادة سياسية متجانسة ومجاهدة ومتقشفة من حيث التجرد والتفاني في خدمة الوطن منذ عهد هوتشي منه حتى زعماء اليوم؛ بينما ظللنا في السودان نبحث عن قيادة كارزمية وطنية جامعة منذ الخمسينات دون جدوى، وكل من نحسبه موسى يطلع فرعوناً، ويكفي أن نتذكر أن بلادنا اليوم تتشالبها مئات الأحزاب والميليشيات.
وترفع الثورات معنويات الشعوب وتستمر روحها في مرحلة البناء — وهذا ما حققه الشعب الفيتنامي نجاحاً منقطع النظير. أما في السودان فقد شهدنا ثورات وحّدت الشارع وجعلت من المقاومة السلمية آليةً أشد فتكاً من الكلاشنكوف، ولكن تلك الوحدة لا تصمد كثيراً أمام التصدع الحزبي والطائفي والمناطقي الحتمي، وأمام الانتهازيين وتجار السياسة الذين يسارعون بسرقة تلك الثورات وتزوير إرادة الجماهير، ومن ثم العودة للمربع الأول — مربع الفوضى — التي يأتي على إثرها انقلاب عسكري بدعوى استتباب الأمن، وهو بالضبط ما جرى في أكتوبر 2021.
متى يمكن أن يستفيد السودان؟
المشكلة السودانية ليست في غياب النموذج الصحيح، بل في غياب الشروط المسبقة لتطبيق أي نموذج ناجح. أول هذه الشروط إنهاء الحرب وتحقيق السلام الشامل، إذ لا تنمية في ظل البنادق. فيتنام نهضت بعد انتهاء الحرب، ورواندا بعد وقف الإبادة، وإثيوبيا تعثرت حين اندلعت حرب تيغراي. أي حديث عن نماذج التنمية قبل إخماد الحرب الدائرة يبقى في دائرة الترف الفكري. وثاني هذه الشروط تشكّل إرادة وطنية جامعة، حين تتفق النخب السياسية والعسكرية والمدنية على أولوية الوطن فوق الفصيل. رواندا لم تنجح لأنها نسخت نموذجاً جاهزاً، بل لأنها بنت إرادة وطنية حقيقية من رحم المأساة. وثالثها وجود قيادة تنموية رؤيوية، فملس زيناوي درس الاقتصاد التنموي وآمن به، وكاغامي يدير بلاده كمشروع استراتيجي، وفيتنام أنجبت هوتشي منه وجياب. السودان بحاجة إلى قيادة تؤمن بالمشروع الوطني قبل كرسي السلطة — وكم افتقدنا جون قرنق الذي مات ولما يقضِ اللبانة من عمره. ورابعها الإصلاح المؤسسي الحقيقي بتطهير الأجهزة من فلول العهود الاستبدادية وبناء مؤسسات دولة لا مؤسسات حزب أو فرد.
كيف يمكن أن يستفيد السودان؟ خارطة عملية بالمراحل
المرحلة الأولى هي مرحلة التعافي الوطني وتمتد من صفر إلى ثلاث سنوات، وتستلهم من التجربة الرواندية تحديداً. وتقوم على المصالحة الوطنية الحقيقية عبر آليات عدالة انتقالية تجمع المحاسبة بالمصالحة، مستلهِمةً محاكم غاتشاتشا بصيغة سودانية تراعي خصوصية النزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وعلى خطاب هوية وطنية جامعة يتجاوز الانتماءات القبلية والجهوية كما قالت رواندا “لسنا هوتو ولا توتسي”، وعلى عودة النازحين واللاجئين كأولوية سياسية قصوى قبل أي حديث عن تنمية.
والمرحلة الثانية هي مرحلة التأسيس وتمتد من ثلاث إلى سبع سنوات. وتستلهم من التجربة الإثيوبية الفيدرالية الفعلية لا الشكلية بتمكين الأقاليم من مواردها وقراراتها، والاستثمار في الطاقة الكهرومائية والشمسية كبوابة للتصنيع إذ يملك السودان إمكانات هائلة لم تُستثمر، والاستثمار في البنية التحتية بشراكات دولية منضبطة تحفظ السيادة. وتستلهم من التجربة الفيتنامية تحرير الفلاح من قيود الحيازة والتسويق وإعادة بناء التعاونيات الزراعية بصيغة عصرية، والصناعات الغذائية التصديرية من لحوم وسمسم وصمغ عربي وقطن إذ يملك السودان ميزة تنافسية حقيقية، والاقتصاد المختلط المنضبط بدور استراتيجي للدولة مع انفتاح منضبط على القطاع الخاص.
والمرحلة الثالثة هي مرحلة الانطلاق وتمتد من سبع إلى خمس عشرة سنة، وتستلهم من التجربة الرواندية الاقتصاد الرقمي والمعرفي إذ يملك الشباب السوداني طاقة إبداعية هائلة تحتاج بيئة حاضنة، والسياحة الثقافية والبيئية إذ يملك السودان حضارة نوبية وآثاراً مروية لا مثيل لها وبيئات طبيعية متنوعة من البحر الأحمر إلى جبال النوبة، وتمكين المرأة كأداة تنموية حقيقية لا شعاراً سياسياً.
الفروق الجوهرية التي يجب ألا تُنسى
ثمة فوارق موضوعية لصالح السودان تجعل نهضته ممكنة متى توافرت الإرادة. فبينما تشحّ الموارد الطبيعية في رواندا تحديداً، يزخر السودان بموارد وفيرة لم تُدَر بعد. وبينما يحدوده عمق حضاري حديث نسبياً في هذه الدول، يمتلك السودان حضارة ممتدة آلاف السنين. وبينما يمتلك موقعاً جغرافياً مهماً كل من إثيوبيا وفيتنام ورواندا، يمتلك السودان موقعاً استراتيجياً استثنائياً يربط أفريقيا جنوب الصحراء بشمال القارة والعالم العربي. وهذا التنوع الثقافي والإثني الذي يبدو عبئاً يمكن أن يتحول إلى ثروة بشرية هائلة متى أُحسنت إدارته.
الخاتمة: الدرس الأعمق
التجارب الثلاث لا تقول للسودان: انسخنا. بل تقول له: آمن بنفسك وابنِ مشروعك الوطني الخاص. فالقاسم المشترك بين النماذج الثلاثة ليس نموذجاً اقتصادياً بعينه، بل هو إرادة وطنية صادقة وقيادة رؤيوية أمينة وشعب يثق في مستقبله.
والسودان — بكل ما يملكه من موارد وعمق حضاري وشباب متطلع — يستطيع أن يكتب تجربته الخاصة التي تُلهم غيره، متى أخمد نار الحرب التي أشعلها الكيزان في ربوعه، وأعاد بناء دولته على أسس العدل والمواطنة والكرامة. والسؤال الحقيقي ليس هل يستطيع السودان؟ بل متى يقرر السودانيون أنهم يريدون؟ لا قدر الله أن نظل في دوامة الفوضى والانقلاب والاستبداد إلى ما لا نهاية.
المصادر والمراجع
أولاً: التجربة الفيتنامية
- صندوق النقد الدولي — تقرير فيتنام والتنمية
Vietnam’s Development Success Story and the Unfinished SDG Agenda
https://www.imf.org/-/media/Files/Publications/WP/2020/English/wpiea2020031-print-pdf.ashx - صندوق النقد الدولي — رفع الملايين من الفقر
Working Together: Vietnam and the IMF
https://www.imf.org/en/countries/vnm/vietnam-raising-millions-out-of-poverty - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي — قصة دوي موي
Vietnam’s Doi Moi: An Inspiring Story of Renewal and Partnership
https://www.undp.org/vietnam/blog/vietnams-doi-moi-inspiring-story-renewal-and-partnership - وثائق البنك الدولي — إصلاحات دوي موي
Doi Moi Reforms — World Bank Documents
https://documents1.worldbank.org/curated/en/939241468127820747/pdf/669250WP00PUBL00Luoc0su0TA-pdf0i007.pdf - ويكيبيديا — دوي موي (للمعلومات الأساسية والأرقام)
https://en.wikipedia.org/wiki/%C4%90%E1%BB%95i_M%E1%BB%9Bi
6..Global Asia Doi Moi and the Remaking of Vietnam دوي موي وإعادة صياغة فيتنام
ثانيا: التجربة الرواندية
1 موسوعة بريتانيكا — محاكم غاتشاتشا
Gacaca Court — Britannica
https://www.britannica.com/topic/gacaca-court
2 منظمة هيومن رايتس ووتش — إرث محاكم غاتشاتشا
Justice Compromised: The Legacy of Rwanda’s Community-Based Gacaca Courts
https://www.hrw.org/report/2011/05/31/justice-compromised/legacy-rwandas-community-based- 3منظمة بيغال ريفورم إنترناشيونال — تقرير غاتشاتشا النهائي. gacaca-courts
Final Monitoring and Research Report on the Gacaca Process
https://cdn.penalreform.org/wp-content/uploads/2013/06/Gacaca_final_2010_en.pdf - الجمعية الأمريكية للقانون الدولي — غاتشاتشا والقانون الجنائي الدولي
Rwanda’s Gacaca Courts: Implications for International Criminal Law
https://www.asil.org/insights/volume/15/issue/17/rwanda%E2%80%99s-gacaca-courts-implications-international-criminal-law-and
ملاحظة منهجية
هذه المصادر تدعم الأرقام والحقائق الواردة في المقال. غير أن التحليل السياسي المقارن المتعلق بالسودان — وهو جوهر المقال — يستند إلى اجتهاد تحليلي يمكن تعزيزه بمراجع إضافية من:
∙ تقارير البنك الدولي عن السودان
∙ تقارير مجموعة الأزمات الدولية ICG حول النزاعات السودانية
∙ دراسات معهد الدراسات الأفريقية حول التحولات الديمقراطية في القارة
o.sidahmed09@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم