السودان ومصر: قراءة تاريخية في جدل التبعية والاحتلال

aeshaq055@gmail.com

لا يزال كثير من المصريين، بمن فيهم بعض المثقفين، يعتقدون أن السودان كان تابعًا لمصر أو جزءًا لا يتجزأ منها عبر التاريخ. غير أن مراجعة الوقائع التاريخية تكشف أن هذا التصور يقوم على فهم خاطئ لمسار طويل ومعقد من العلاقات بين البلدين.

ففي عام 1820، وتحت راية الدولة العثمانية المعروفة بـ«الباب العالي»، غزا محمد علي باشا السودان. ولم يكن ذلك الغزو بدافع وحدة تاريخية مزعومة، بل لأهداف واضحة، في مقدمتها ملاحقة فلول المماليك الفارين بعد مذبحة القلعة، إضافة إلى البحث عن الموارد المالية وتجنيد الرجال (الرق). ومع مرور الوقت، تخلّت مصر الرسمية عن طلب الرجال، لكنها استمرت في استنزاف ثروات السودان من ذهب ومحاصيل زراعية، معتمدة على قادة السودان من العسكر بدلًا من إرسال جيوش مصرية.

وفي تلك الحقبة، وقعت واحدة من أبشع المآسي في تاريخ السودان، حين أقدم إسماعيل باشا، نجل محمد علي، على استفزاز مك الجعليين، ما انتهى بتدبير المك نمر لمكيدة أُحرق فيها إسماعيل باشا وعدد من جنوده انتقامًا لإهانته. وردًا على ذلك، شنّ محمد بك الدفتردار، صهر إسماعيل، حملة انتقامية مروّعة أثناء عودته من غرب السودان، دمّر خلالها قرى كاملة وأباد مظاهر الحياة في مناطق واسعة. ورغم غياب إحصاءات دقيقة، يرجّح مؤرخون أن نحو مئة ألف سوداني قُتلوا، إضافة إلى ترحيل عشرات الآلاف إلى مصر وإسطنبول كعبيد.

ورغم فداحة تلك الجرائم، لم يسعَ السودانيون تاريخيًا إلى المطالبة باعتراف رسمي بها أو بتعويضات من الدول المسؤولة. ومع ذلك، ما زال بعض المصريين يستندون إلى فترة الحكم التركي-المصري، التي استمرت نحو ستين عامًا، باعتبارها دليلًا على «ملكية» مصر للسودان، متناسين أن الأسرة الكوشية النوبية الخامسة والعشرين حكمت مصر نفسها لأكثر من سبعين عامًا، دون أن يزعم أحد اليوم أن مصر كانت تابعة للسودان.

وخلال فترة الحكم الثنائي، حين خضعت مصر والسودان معًا للسيطرة البريطانية، نصّب الملك فاروق نفسه ملكًا على البلدين، في وقت كانت سلطته الفعلية محدودة داخل أسوار قصره، وكانت الحكومات تُشكَّل بمحاصرة الجيش البريطاني لقصره وارغامه على التوقيع على قرار الحكومة الجديد!.

وقد اندلعت الثورة المهدية في السودان نتيجة مباشرة لممارسات الحكم التركي-المصري، حيث عانى السكان من الضرائب الباهظة، والاسترقاق، والفساد، واستخدام العنف ،والتعذيب. فاضطر كثيرون إلى النزوح من قراهم، وتبلورت إرادة وطنية جماعية للخلاص من الاحتلال الأجنبي، ما جعل الثورة المهدية حركة تحرر وطني لا تمردًا على «حكم محلي» كما يُروَّج أحيانًا.

ولو صحّ منطق أن أي دولة تحتل أرضًا لفترة زمنية تصبح مالكة لها، لما انسحبت فرنسا من الجزائر، ولطالبت الإمبراطوريات المتعاقبة التي حكمت مصر نفسها بتبعيتها، من قديم الزمان وصولا الى حقبة العثمانيين و الفرنسيين والبريطانيين.

وفي العصر الحديث، لم تُنفَّذ اتفاقية الحريات الأربع بين البلدين إلا بما يضمن المصالح المصرية، فيما ظل العسكر في السودان، بوصفهم الورثة السياسيين لحملة محمد علي باشا، أداة أساسية لضمان استمرار النفوذ المصري. لذلك تحرص القاهرة على دعمهم، (لذلك تحرص القاهرة على البرهان وتناور من اجله)، بل أن مصر التي لا تطيق وجود نظام ديمقراطي في السودان، سعت في كل الفترات الديمقراطية التي مرت على السودان للبحث عن عسكر موالين ودعمهم لتدبير انقلاب! حتى انقلاب البشير الاخواني رحبت به مصر وقدمته للعالم قبل ان تكتشف متأخرا انهم اخوان!.

وعند الحديث عن مصر، لا بد من التمييز بين الدولة الرسمية والشعب المصري، الذي عانى بدوره طويلًا من الاستبداد، منذ القدم، حتى عهد أسرة محمد علي الإقطاعية، مرورًا بالعهود العسكرية الوطنية. فكثير من المثقفين المصريين أبدوا تعاطفًا حقيقيًا مع السودانيين وسائر الشعوب المقهورة. وخلال حكم الرئيس الراحل حسني مبارك، استقبلت مصر ملايين السودانيين اللاجئين بقدر كبير من الكرم، حتى أن مبارك سخر من ادعاءات عمر البشير الذي حاول التقليل من اعدادهم قائلًا: «أبعتهملك تعدّهم وترجعهم تاني؟».

ورغم أن مصر استغلت محاولة اغتيال مبارك لفرض سيطرتها على مثلث حلايب، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق نظام البشير وحلفائه، تمامًا كما تتحمل أولى الحكومات العسكرية السودانية مسؤولية اتفاقية بناء السد العالي فوق أراضٍ سودانية.

إن هذه القضايا، وغيرها من الملفات العالقة بين البلدين، كان من الممكن حلها بالحوار الجاد أو باللجوء إلى المؤسسات الدولية، بدلًا من إرث طويل من سوء الفهم والصراعات غير المحسومة.

محمد حسين – فرنسا

عن محمد حسين

محمد حسين