ناجي شريف بابكر
.
“إن الإحسان وحده لا يكفي دافعا للخباز كيما يترك لنا فطائرَ على المائدة”.. آدم سميث..
.
إن السوق كدعامة أساسية للإقتصادات الرأسمالية تمثل الحيز المكاني أو الإسفيري الذي يتجمّعُ فيه عارضون للسلع والخدمات ليلتقوا بعملائهم و مستهلكيهم.. حيث تجري فيما بينهم علميات التفاوض والمقايضة على السلع والخدمات.. وأنه لمن المعلوم كلما زادت الأسواق والمبادلات التجارية (ترانساكشنس) فيما بين العناصر العاملة في إقتصاد ما، كلما انعكس ذلك تراكما في الكم الإقتصادي للمجتمع المعني وحجم الإنتاج الكلي، وبالتالي تعاظم الدخول الفردية وتحسن معدلات الرفاهية فيه.
ورد في متن بعض النظريات الناقدة لإقتصاد السوق، ما مفاده أن التبادل الذي يطّلع به المتعاملون من خلال عمليات المقايضة للسلع والخدمات داخل الأسواق لا تضيف للكم الإقتصادي المتاح.. وبالتالي فإن المصالح والأرباح التي تتمخض منها لتعود على أولئك المتعاملين، لا تعدو كونها أرباح صورية (ترانسفير أوف ويلث)، تخفي في أعنتها جزءً من عملية إستغلال تنفصل بفعلها الشغيلة عن ثمار العملية الإنتاجية التي بذلوها هم أنفسهم في مراكز ومعامل الإنتاج، تلك السلع والخدمات التي كانوا قد أنتجوها بأيديهم، لا يجدون لها سبيلا إلا من خلال الأسواق، على أن يوفروا مقابل الحصول عليها فائضا يتجاوز قيمتها الإجتماعية، أي العمالة المبذولة فيها لإنتاجها، كربح يتم تخصيصه لمقابلة الأجر للأراضي وسعر الفائدة على رأس المال، وعائد للمستثمر الذي أشرف على توظيف العملية الإنتاجية.
خلاصة الأمر أن التبادل التجاري، من وجهة نظر ناقدي السوق، لا يضيف شيئا للإقتصاد أو الكم المنتج أو الثروات المتاحة في إقتصاد معين، أكثر من كونه يعمل على إعادة توزيع الثروة ما بين عناصر المجتمع كيما يتركز أكثرها في أيدي ملاك رأس المال.. وما يتمخض عن ذلك من إتساع الفوارق الإجتماعية وزيادة التجريد في حق طبقات العاملين والشرائح الأشدّ فقرا.
لكن ما أغفله النقد أن هناك بعدا أخر يحكم عملية التبادل السلعي أكثر من كونها تبدو في ظاهرها مقايضة تهدف لتعظيم الثروات الرأسمالية لدى المنتجين. يتمثل ذلك فيما يعرفه الإقتصاديون بمفهوم المنفعة الحدية للمستهلك، بحيث أن المشترى للسلعة المعنية إنما تدفعه منفعة إقصادية (حدية) للسلعة محل المقايضة، تفوق ما توفره من المنفعة لدى من قام بعرضها.. وبالتالي فإن المشترى من خلال عملية المقايضة تتحقق لديه مصلحة إقتصادية تفوق بكثير ما بذله مقابلها من سعر للمقايضة. تتمثل تلك المنفعة كميا في الفرق ما بين المنفعة الحدية لدى المستهلك والسعر المعروض، كما تتمثل بيانيا في مساحة المثلث الواقع تحت منحنى الطلب وفوق منحنى العرض. فكلما فاقت المنفعة الحدية على سلعة ما سعر الحصول عليها كلما زاد شره المستهلك للإستحواذ عليها.. وليس أدلّ على ذلك من أنّ نفس المستهلك تجده لا يتردد في أن ينفق مقابل الحصول على تلك السلعة ما يفوق سعر ديباجتها، إذا ما إضطر لذلك، كمثال لذلك إستعداده للتعاطي مع ظاهرة السوق السوداء، كسوق غير رسمية، تتطور تلقائيا في حالات ندرة السلع والخدمات وتعذر الحصول عليها. عرّف الإقتصاديون هذا الفائض في المنفعة لدى المستهلك بالفائض الإقتصادي، أو الكونسيومر سيربلص.
إن هذا الفارق ما بين المنفعة الحديّة (التقديرية) والأسعار التبادلية للسلع هو ما يدفع بالمستهلكين إلى الأسواق سعيا وراء تحقيق مصلحتها في الحصول على السلع والخدمات مقابل أسعارها المعلنة. وبالمقابل فإن ما يدفع بالمنتجين إلى الأسواق نفسها، هو تلك المقايضة التي توفرها لهم الأسواق تعويضا لهم يتجاوز ما يتكلفونه مقابلها من الإنفاق على العملية الإنتاجية للسلع والخدمات المعنية، فيعودوا وفي جعبتهم ما يكفي لسداد إلتزاماتهم تجاه 1/ عمال ووسائل ومدخلات الإنتاج.. ثم 2/ سداد أرباح المساهمين و3/ الأجر لمُلّاك ولوردات الأراضي.. بالإضافة إلى 4/ صافي العائد أو الربح الذي يليهم كمستثمرين ورجال اعمال.. بالإضافة إلى مخصصات الإستحقاقات الحكوية المتمثلة في الرسوم السيادية أو الرويالتي فيز، و ضرائب أرباح الأعمال.
منذ القرن الثامن عشر وحتى ثلاثينات القرن العشرين تطورت نظريات المنفعة الحدية، من الكاردينال (الكمي) إلى الأوردينال (التراتيبي)، حيث رأي الإقتصاديون الأوائل أن المستهلك بإمكانه المفاضلة ما بين السلع المختلفة وتحديد أولويات إنفاقه عليها من خلال تقدير كمّي للمنفعة الحدية قيدوه في مقياس معياري من الواحد إلى الخمسة، بحيث كلما تضاءلت المنفعة العائدة على الفرد من إستهلاك قطعة إضافيةمن سلعة بعينها كلما نقص مؤشر المنفعة الحدية تجاه القطعة القادمة من تلك السلعة بالمقارنة مع خيارته من السلع الأخرى.. وهذا ما يُترجم في إستعداده للإنفاق على السلعة ومقدار تقييمه للمفاضلة فيما بينها وأخريات. فكلما تضاءل الفائض في المنفعة الحدية على سلعة كلما تضاءل الطلب عليها والنفقات المعدة لمقابلتها، وينعكس ذلك آخر الأمر ضغطا على الأسعار.. وتلك إشارة فائقة الأهمية تعود على سوق الإستثمار، إذ يدفعه تضاؤل الهوامش، لإعادة تخصيص وسائل الإنتاج للسلع التي لا تزال لديها المقدرة على الصمود في السوق لأنها تتوفر على فائض أفضل في المنفعة الحدية يفوق ما عداها، فتستجيب العملية الإنتاجية لأشواق المستهلكين بإعادة تخصيص الموارد لإنتاج تلك السلع التي تستجيب لرغبات وحاجات المستهلكين بصورة تلقائية..
وبالتالي فإن الحصول على الأرباح من عمليات المقايضة لا ينطوي وحده على كل ما توفره السوق، لأن السوق تعيد توزيع السلع ما بين المنتجين أو المستهلكين الذين تقل المنفعة الحدية لديهم عن الفائدة التي يوفرها لهم العائد على المقايضة، لتذهب السلع لأولئك المستهلكين الذي تتوافر لديهم منفعة حدية تفوق المطلوب مقابلها من الأسعار.. فصانع الخبز تقتله التخمة أو الإفلاس، إن لم يقم بتوزيع ما يفيض عن حاجته من الخبز لراغبيه من المستهلكين، والمستهلكون بدورهم سيتضورون جوعا إن لم يجدوا من الخبز ما يأكلونه..
هذا من جانب ومن جانب آخر فإن آلية التبادل والمقايضة داخل السوق، من شأنها أن تعيد توجيه إشارات تلقائية (سيغنالز) من خلال ما يعكسه تذبذب الطلب المدفوع بالمنفعة الحدية، على فوائض عملية المقايضة، لكي تقوم العملية الإنتاجية بتخصيص الموارد بالكفاءة اللازمة لإنتاج ما ينفع الناس، لا ما يفيض عن حاجتهم.
إن ميكانيزمات الأسعار بما فيها أسعار القروض أو الفائدة، أكثر مما تبدو في ظاهرها كمصلحة محضة للمستثمرين ورأس المال، لكنها ميكانيزمات يطورها السوق وتسمح بتمرير الإشارات الإقتصادية التلقائية ما بين العرض والطلب، لتحقيق الإستغلال الأمثل للموارد. فلكي ما يتمكن إقتصاد ما في أن يطّلِعَ تلقائيا وبالكفاءة اللازمة في توظيف الموارد لإنتاج السلع والخدمات التي تستجيب لأولويات مجتمعاتها الإستهلاكية والإنتاجية، فإن ذلك لا يكون متاحا إلا من خلال مجسّات ونوابض يتلقاها من خلال إشارات الإسعار وحساسيتها لمزاجات الأسواق علوّا وهبوطا.. وإن التدخل (لدوافع آيدولوجية) في عمليات السوق لإعادة رسم الأسعار أو حجب أسعار الفائدة على القروض، التي تمليها الأسواق على عمليات الإنتاج والتمويل، بسبب نظريات وآيدولوجيا مناوئة لإقتصاد السوق، من شأن ذلك أن يحجب الإشارات التلقائية التي تحملها تذبذبات الأسعار وأسعار الفائدة على التمويل، لدرجة قد تحدّ من قدرة الإقتصاد المعني على التوظيف الأمثل والتلقائي لوسائل الإنتاج وللموارد والأموال.
فالإقتصاد عملية فطرية تلقائية معقدة لدرجة كبيرة، فُطِرَ عليها الإنسان السويّ أكثر من كونها علمٌ إنساني، أشبه ما تكون بسُننِ الرياح والأمطار، ومسارات السيول.. تتفاعل فيها عناصر وفق نسق طبيعي منسجم، وبصفة يومية يتشارك فيها جمهور غفير من الفاعلين والمتفاعلين، بالإمكان ضبطها بقيود وأحكام أخلاقية، كمواجهة الإحتكار والتحايل، لكنه قد يتعذر فيها على القدرات الإدارية البشرية العادية أن تقوم بتعطيل مجساتها ونواميسها لتستبدلها بقرارات إدارية مركزية، وتحافظ بها في نفس الوقت على الكفاءة اللازمة والإنسيابية لتوظيف موارد إقتصاد كامل بصورة مُثلى.
إنتهى
E-Mail: nagibabiker@hotmail.com
