تاريخ الذهنيات.. الشخصية التاريخية ووعيها المفارق للعقل الجمعي الكاسد الدكتور منصور خالد وغريمه الدكتور عبد الله علي ابراهيم
طاهر عمر
مدرسة الحوليات الفرنسية لها قرن كامل من الزمن منذ أن قدمت جهودها الفكرية في دراستها للتاريخ الإجتماعي و التاريخ الإقتصادي على المدى الطويل و عبرها أصبحت دراسة التاريخ الإجتماعي و التاريخ الإقتصادي على المدى الطويل علم إجتماع. و بالمناسبة على ضؤ فكر مدرسة الحوليات يمكننا رؤية مغادرة المؤرخ التقليدي الذي يهتم بتاريخ الحروب و المعارك و فخر و مجد الأمة و التاريخ القائم على التحقيب و سير العظماء من الأمة قد غادر مكانه مفسح المجال لمؤرخي مدرسة الحوليات.
لم يغادر المؤرخ التقليدي وحده عندما أزاحته أفكار رواد مدرسة الحوليات الفرنسية و أجيالها المتعاقبة بل أزاحت معهم كل من عالم الإجتماع الفرنسي دوركهايم و أوجست كونت و ماركس و كذلك أزاحت مدرسة الحوليات المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي و قد أزاحت معهم القانوني التقليدي.
و بالتالي فتحت مدرسة الحوليات الباب و أفسحت المجال لعلم إجتماع ماكس فيبر و فلسفة دلتاي و فينومينولوجيا إدموند هوسرل و فلسفة جورج زيمل و علم الإجتماعه في حقوله الفكرية. و بفضل أفكار مدرسة الحوليات قد أصبحت هناك فروع من علم الإجتماع و الأنثروبولوجيا فروعا للفلسفة.
و للأسف هذا التطور في الأفكار يكاد يكون معدوم عندنا في ساحة الفكر السودانية و بسبب إنعدام هذا الفكر ما زالت ساحتنا السودانية يتقدم في سوحها المؤرخ التقليدي السوداني و القانوني التقليدي. و الإثنين تجدهما يجيدان سرد السير لمن يعتقدون أنهم عظماء الأمة و التحقيب و تعاقب الأجيال و تحسر على الإنحطاط الفكري الذي يرافق مسيرة النخب السودانية و إدمان الفشل منذ وثيقة ما قبل إستقلال السودان 1953 الى وثيقة الشراكة مع العسكر و بسببها قد أضاعوا وهج ثورة ديسمبر المجيدة.
و الملاحظة التي لا تخفى على القارئ المدرب بأن القانوني التقليدي السوداني و المؤرخ التقليدي السوداني في سرده و تحقيبه تغيب عن أفقه كل من الفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية للعالم المعاصر و ما ينعكس منهما من مفهوم للدولة الحديثة و مفهوم ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و المفهومان يدوران حول معادلة الحرية و العدالة و فكرة المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد و للأسف فكر كل من المؤرخ التقليدي السوداني و القانوني التقليدي خالي الوفاض من هذه المفاهيم.
و من هنا يأتي التنبيه للنخب السودانية بأن إعتقادهم في أن القانوني السوداني التقليدي و المؤرخ السوداني التقليدي هما من يلعبا دور السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني الذي يقود علماء الإجتماع و الأنثروبولوجيين و الإقتصاديين هذا إعتقاد خاطي و شنيع و قاتل للفكر في الساحة السودانية.
و يجب مغادرة ساحته على وجه السرعة بل يعتبر من أكبر الحلقات المفرغة و محكمة الإغلاق. و يجب كسرها و الشب عن طوقها. و لا يكون ذلك إلا بإبعاد المؤرخ التقليدي و القانوني السوداني التقليدي و إبدالهم بالسياسي الذي يقود علماء الإجتماع و الإقتصاديين و الأنثروبولوجيين.
و يمكننا أن نضرب مثل لما قلنا و نقارن بين الدكتور منصور خالد و الدكتور عبد الله علي ابراهيم. و نبداء بالدكتور منصور خالد عندما كان في بداية مسيرته الفكرية و كان في حيز القانوني التقليدي. كان الدكتور منصور خالد يعتقد في أن نظام الحزب الواحد و النظم الإشتراكية هما أقرب الطرق الى تحقيق التنمية و الإزدهار الإقتصادي.
و عندما غادر منصور خالد موقع القانوني التقليدي أدرك و أعلن أن إعتقاده في الحزب الواحد و النظم الإشتراكية كانا من أكبر الأخطاء و برر ذلك بأنه كان خطاء شنيع وقعت فيه صفوة العالم الثالث و نخبه.
و بالمناسبة إدراك منصور خالد المتأخر لهذا الخطاء القاتل يعتبر كسر لحلقة شريرة أو حلقة مفرغة و محكمة الإغلاق مثل حلقة إعتقاد النخب السودانية الآن في تقديم القانوني التقليدي و المؤرخ التقليدي. و الأكيد ستأتي نخب سودانية من جهة المستقبل وستدرك أن المؤرخ التقليدي و القانوني التقليدي لا يملآن مكان السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و هي نتاج تسلحه بالفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية.
و من هنا جاء إهتمامي بتاريخ الذهنيات في هذا المقال محاولا عبره تفسير إعتقاد النخب السودانية الخاطي في تقديم كل من القانوني التقليدي السوداني و كذلك تقديم المؤرخ التقليدي السوداني على السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و سببه غياب أفكار مدرسة الحوليات من ساحة النخب السودانية و على مدى القرن الأخير.
و المضحك نجدهما أي المؤرخ التقليدي و القانوني التقليدي لا يصيبهما أي حرج من أن يتقدما الصفوف محاولان لعب دور السياسي و هذا هو سبب إدمان النخب السودانية للفشل منذ فجر الإستقلال الى آخر فشل قد تجلى في الوثيقة الدستورية و خلفها يقف قانوني تقليدي و قد إرتضت بشراكة العسكر و أفضت الى إنقلاب البرهان الفاشل و هكذا ضاع وهج ثورة ديسمبر المجيدة.
ضربنا المثل لنبين الفروق بين الدكتور منصور خالد و قد غادر ساحة القانوني التقليدي و تسلح بالفلسفة السياسة و الفلسفة الإقتصادية و قد ظهرت في كتاباته التي أعقبت الحقبة التي إنتقد فيها منصور خالد تجربته عندما كان يعتقد في صحة الحزب الواحد و طريق الإشتراكية و أنهما من أقرب الطرق لتحقيق التنمية و بعدها تراجع عن هذا الإعتقاد الخاطي و عكسه الدكتور عبد الله علي ابراهيم قد ظل كما هو مؤرخ تقليدي.
مدرسة الحوليات الفرنسية إنتبه لأفكارها قليل من النخب العربية و من ضمن من إنتبه لأفكارها يمكننا أن نذكرعالم الإجتماع الفلسطيني هشام شرابي و كذلك إنتبه لأفكارها محمد أركون و قد ظهرت في كتباتهما و أفكارهما. و هما من النخب العربية التي سوف تعبر أفكارهما من ضمن قليلين من النخب العربية التي إهتمت بالفكر و سوف تعبر أفكارهما الى ضفاف المستقبل البعيد و ستساهم في إمكانية تيسير فهم التحولات الهائلة في المفاهيم.
و بالمناسبة هشام شرابي من ضمن ثلاثة دعي لكي يقنع ياسر عرفات ليسير في طريق إتفاقية أوسلو و كان معه إدورد سعيد. و هنا وددت أن أوضح خطاء النخب السودانية في تقديم القانوني التقليدي. أنظر كيف جاء هشام شرابي و إدورد سعيد لإقناع ياسر عرفات و لم يحضر قانوني تقليدي كما حضر القانوني التقليدي في الوثيقة الدستورية التي رضيت بشراكة العسكر و بسببها ضاع وهج ثورة ديسمبر و هي شبيهة بالثورات الكبرى.
في القضايا الكبرى مثل القضية الفلسطينية و قضية التحول الديمقراطي في السودان يحضر الى حلها السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني. لذلك يكون السياسي محاط بعلماء الإجتماع و الفلاسفة و الأنثروبولوجيين كما حصل مع ياسر عرفات و قد جاءه كل من هشام شرابي و إدورد سعيد و ليس قانوني تقليدي كما رأينا في الوثيقة السودانية التي يقف خلفها قانوني تقليدي فتح طريق الشراكة مع العسكر.
و هنا يتّضح ضعف النخب السودانية حتى مقارنة بالنخب العربية رغم إنتكاستهم في القضية الفلسطينية و لكن على الأقل مدركين لفكرة من يحق له أن يتقدم الصفوف مثلما جاء هشام شرابي و إدورد سعيد لتقوية عزم ياسر عرفات و إقناعه بأن ذهابه الى إتفاقية أوسلو سيخدم القضية الفلسطينية.
إستخدام هشام شرابي لأفكار مدرسة الحوليات واضح و لا يحتاج لدليل و بالمناسبة قد ظهر في جهوده الفكرية بعد إنتقاده لمسيرته الفكرية و تخلص من كل تجاربه السابقة. و أصبح متسلح بمنهج لم يكن معتاد عليه في سابق تاريخه و هو منهج مدرسة الحوليات.
و المنهج الجديد الذي إستخدمه هشام شرابي نجده هو نفس المنهج الذي إستخدمه مؤرخي مدرسة الحوليات للوصول لفكرة تاريخ الذهنيات و فهم دور الشخصية التاريخية التي تصل لوعي مفارق للعقل الجمعي الكاسد و تطرح و أقصد الشخصية التاريخية تطرح فكر جديد متجاوز للعقل الجمعي الكاسد كما حصل في زمن مارتن لوثر و فكرة الإصلاح الديني المتحدي للتراث الكنسي المتراكم على مدى ألف عام.
إنتقاد هشام شرابي لتجربته تذكرنا أيضا بإنتقاد منصور خالد لتجربته و إعتقاده الخاطي في فكرة الحزب الواحد و طريق الإشتراكية و بعد زمن طويل من إنتقاد هشام شرابي لتجربته جاء صديقه إدورد سعيد و إنتقد إدورد تجربته و بعدها تغيرت أفكاره بالكلية و نلاحظها في كتابه الأخير الأنسنة و النقد الديمقراطي فهل تنتقد النخب السودانية تجاربها؟ كما فعل هشام شرابي و جدد منهجه و انعكس في فكره.
إذا إنتقدت النخب السودانية تجاربها كما فعل هشام شرابي فإنها ستتجاوز بوعي جديد مفارق للعقل الجمعي الكاسد الذي يقدم القانوني التقليدي و المؤرخ التقليدي و ستنتبه الى أن السياسي هو الذي يقود علماء الإجتماع و الأنثروبولوجيين و الإقتصاديين و هو الذي يحقق معادلة الحرية و العدالة و يجسد فكرة الدولة الحديثة و كيفية ممارسة السلطة و ليست محاصصتها.
مثلما إستخدم مؤرخي مدرسة الحوليات كل من علم النفس و علم الإجتماع لمعرفة تاريخ الذهنيات. نجد أن هشام شرابي بعد هزيمة عام 1967 إستخدم الفلسفة و علم النفس و علم الإجتماع و جاء بماركس و أجلسه لكي يحاكمه وفقا لمنهج تاريخ الذهنيات و خرج من تلك الجلسة بفكرة ماركس في الأغلال و ليس ماركس الطليق كما هو سائد عند الشيوعي السوداني في نسخته المتكلسة و هذه هي فائدة منهج مدرسة الحوليات.
و بالتالي يتضح للمدرك لتاريخ الذهنيات أن ماركسية ماركس تشريح للمجتمع القديم مجتمع ما قبل الثورة الفرنسية لأن مجتمع ما بعد الثورة الفرنسية و شعارها الحرية و الأخاء و المساواة مجتمع لا تفسره فكرة الصراع الطبقي. لأن مجتمع ما بعد الثورة الفرنسية يسلك فيه كل فرد سلوك العقلاني و الأخلاقي في ظل قيم الجمهورية و فكرة المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد.
و عليه يمكنك القول أن تاريخ الذهنيات يعتبر نقطة تقاطع مسارات العلوم الإنسانية و قد إستفاد من التنمية الفكرية التي قدمتها البنيوية و بالتالي يعتبر تاريخ الذهنيات وسيط لدراسة التاريخ داخل حقل العلوم الإنسانية.
لذلك تعتبر جهود كل من بلوخ و فيفر في تاريخ الذهنيات إطلاق رصاصة الرحمة على علم إجتماع دوركهايم و نهايته المحزنة. و في نفس الوقت يصبح تاريخ الذهنيات علامة إنفراجة و خروج من أزمة العلوم الإنسانية التي تحدث عنها إدموند هوسرل في بداية الثلاثينيات من القرن المنصرم.
و بالتالي يوضح لنا تاريخ الذهنيات بأن الفعل الإنساني فعل عفوي و تلقائي و من داخل تفاعل المجتمع الداخلي بعكس ما كان يدور في علم إجتماع دوركهايم و إعتقاده بأن هناك عامل من خارج المجتمع يعمل و يضبط سلوك الفرد المنضبط على إيقاع المجتمع.
بقى علينا أن نختم هذا المقال و عليه أن مدرسة الحوليات بداءت في عام 1929 و ما يهمنا في هذا المقال أنها قد أبعدت المؤرخ التقليدي و القانوني التقليدي و عبر تاريخ الذهنيات إهتمت بدراسة المعادلات السلوكية للفرد في إنضباطه و تناسقه مع حركة مجتمعه مع إفتراض أنه عقلاني و أخلاقي.
و في نفس العام نجد جون ماينرد كينز كان يفكر في تقديم تفسير للكساد الإقتصادي العظيم 1929 و عبر المعادلات السلوكية للفرد وصل لفكرة أن اليد الخفية لأدم إسمث لم تعد تعمل كما ينبغي و تحتاج بأن يضاف لها فكر أدم إسمث في كتابه الآخر حيث يتحدث عن نظرية المشاعر الأخلاقية و كأنه يدخل منهج مدرسة الحوليات نفسها لدراسة التاريخ الإقتصادي و التاريخ الإجتماعي على المدى الطويل.
أما ريموند أرون فهو أيضا منذ عام 1929 إختلف مع أستاتذته في فرنسا و أعلن أن أفكار الوضعية المنطقية لم تعد تعمل و عليه رفض علم إجتماع كل ماركس و دوركهايم و أوجست كونت و كأنه ينطلق و في نفس الوقت لنفس الهدف الذي يقصده مؤرخي مدرسة الحلويات و كينز. و في جهودهم الفكرية إبعاد لكل من المؤرخ التقليدي و القانوني التقليدي و فتح الطريق للسياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و هو الذي يقود الفلاسفة و علماء الإجتماع و الإقتصاديين و الأنثروبولوجيين التاريخيين.
و من هنا نقول لحمدوك جاء الوقت لكي تتقدم بأفكارك. و أنت الأقرب للعب دور السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني. و أنت الذي يقود الفلاسفة و علماء الإجتماع و الإقتصاديين و الانثروبولوجيين كسياسي مدرك لفكرة الشرط الإنساني بحكم أنك إقتصادي ملم بأدب النظريات الإقتصادية.
و كذلك ملم بتاريخ الفكر الإقتصادي فلا تترك المجال للقانوني التقليدي و المؤرخ التقليدي لكي يكررا و يعيدا علينا وثيقة إشراك العسكر كما في المرة الأول و قد قضت على وهج الثورة المجيدة.
و نقولها لك يا حمدوك إذا أنتبهت للعب دور السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و تقدمت بفكره تكون قد كسرت أكبر حلقة مفرغة و محكمة الإغلاق و هي حلقة توهم النخب السودانية في أن القانوني التقليدي و المؤرخ التقليدي يلعبا دور السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني. و يوم يتراجع القانوني التقليدي و المؤرخ التقليدي مفسحا المجال للسياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني ستكون نهاية حكاية النخب السودانية و إدمان الفشل.
taheromer86@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم