في زمنٍ تتكاثر فيه القيود على الكلمة الحرة، ما تزال الصحافة السودانية تدفع أثمانًا باهظة دفاعًا عن الحقيقة.
صحفية سودانية شجاعة، تحمل تأشيرة دخول رسمية وموافقة أمنية مدفوعة الرسوم، وجدت نفسها محتجزة في أحد المطارات المصرية في ظروف مهينة، قبل أن تُرحَّل بعد ساعات إلى الدوحة، وكأن المهنية أصبحت تهمة، والكلمة الحرة جواز عبور إلى الإقصاء لا إلى القبول.
وفي مشهد لا يقل قسوة، لم تنجُ صحفية شجاعة أخرى من بطش السلطة، رغم اصطفافها إلى جانب معسكر الجيش وسلطة بورتسودان. لم يشفع لها ذلك، فما إن اقترب قلمها من ملفات الفساد وتجاوز “الخطوط الحمراء”، حتى كان السجن في انتظارها. هكذا تُعاقَب الحقيقة، لا بحسب المواقف، بل بحسب ما تكشفه من عورات السلطة.
بلاد أنهكتها الحروب، حرب قادت لها عقود طويلة من الفساد والاستبداد ونشر الفتن لاضعاف النسيج المجتمعي، وسلطات الأمر الواقع شرقا وغربا ما تزال تُضيّق على من تبقّى من أصحاب الضمائر الحية. صحفيون واجهوا الموت والاعتقال، وآخرون دفعتهم ظروف الحرب الى المنافي القاسية، لكنهم لم يتخلوا عن رسالتهم واصرارهم على إيصال أصواتهم المنادية بالسلام والحرية لشعبهم.
بحسب نقابة الصحفيين، فقد حصدت هذه الحرب أرواح 33 صحفيًا، سقطوا وهم يحاولون أن ينقلوا الحقيقة وسط الخراب والرصاص.
لقد أدت الحرب العبثية في السودان إلى تدمير واسع للبنية التحتية الإعلامية، حيث تعرضت دور الصحف والمطابع ووسائل الإنتاج الصحفي إلى التخريب والنهب.
غير أن هذا الانهيار المادي لم ينجح في كسر إرادة الصحفيين السودانيين، الذين واجهوا ظروف الحرب والتشريد بإصرار لافت على استمرار الرسالة المهنية.
وفي ظل غياب المؤسسات التقليدية، برزت الصحافة الإلكترونية البديلة كخيار اضطراري لكنه فاعل، إذ ولدت من قلب الأزمة بأسنانها، معتمدة على الجهود الفردية والخبرات المتراكمة والايمان العميق بأهمية الكلمة الحرة. واستطاعت هذه المنصات، رغم ضعف الإمكانات، ان تؤدي دورًا محوريا في نقل الأخبار وتقديم التحليلات الرصينة والمتابعة المهنية للأحداث، لتصل الى السودانيين في مناطق النزوح واللجوء والمهجر، وتحافظ على خيط التواصل المعرفي والوطني بينهم وبين وطنهم الذي مزقته الحرب.
كما كشفت التجربة عن قدرة الصحافة السودانية على التكيف مع التحولات القاسية، وعن الدور الحيوي للإعلام المستقل في أوقات الأزمات، ليس فقط بوصفه ناقلا للخبر، بل باعتباره أداة لحفظ الوعي الجماعي، ومقاومة العزلة، والدفاع عن حق المواطنين في المعرفة وسط الفوضى والانهيار.
ورغم ضيق الحال، وتعقيدات المنافي، ومخاطر المهنة، يواصل كثيرون وفاءهم النبيل للكلمة الصادقة، وانحيازهم الواضح لقضايا شعبهم: للحرية، والسلام، والعدالة.
التحية لكل الصحفيين السودانيين الذين يقبضون على الجمر دفاعًا عن الحقيقة، والرحمة والمغفرة للراحل النبيل يوسف سراج الدين، صاحب القلم النزيه والضمير الحي. ولكل الذين قضوا وهم يؤدون واجبهم بإخلاص وتفان.
والحرية والعدالة لكل سجناء الضمير.
لا_للحرب
أحمد الملك
ortoot@gmail.com
