الصحافيون السودانيون يستعيدون نقابتهم بعد أكثر من 3 عقود

الخرطوم ـ «القدس العربي»: على الرغم من المخاوف من تهديدات أمنية، استطاع الصحافيون السودانيون، الأحد، إكمال انتخاباتهم النقابية الأولى منذ أكثر من ثلاثين عاما.

وأعلن رئيس لجنة الانتخابات، فيصل محمد صالح، في الساعات الأولى من فجر أمس الأحد، فوز عبد المنعم أبو إدريس، بمنصب النقيب، في نتيجة أولية للاقتراع، بينما تواصلت عمليات فرز الأصوات الخاصة بأعضاء المجلس النقابي، حتى لحظة كتابة التقرير.

وبعد تنفيذ الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، انقلابا عسكريا في 30 يونيو/ حزيران 1989، قام بحل نقابة الصحافيين ضمن النقابات المهنية، وحظر نشاطها بعد مصادرة مقارها وأصولها واستبدلها باتحادات مهنية من الموالين له.

ومنذ صبيحة السبت تدافع المئات من الصحافيين، بحماس كبير نحو صناديق الاقتراع، والذين لم يحظ معظمهم بحق الاقتراع الديمقراطي لاختيار نقابة مهنية طوال مسيرتهم المهنية.

وحسب لجنة الانتخابات، التي تشكلت في يوليو/ حزيران الماضي، تضمن سجل الصحافيين الناخبين 1250 صحافيا وصحافية، وشمل الممارسين للمهنة في الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية والإذاعة والتلفزيون والمراسلين لمنصات إعلامية خارجية، داخل وخارج البلاد.

بينما ترشح لمنصب النقيب (7) مرشحين بينهم (4) مستقلين وسيدتان، بالإضافة إلى (110) آخرين ضمن ثلاثة قوائم و (13) مستقلا لعضوية مجلس النقابة، المكون من (39) مقعدا.

 

مرشحتان

 

وتعتبر هذه المرة الأولى التي تترشح فيها نساء لمنصب نقيب الصحافيين، حيث تقدمت للترشح للمنصب الصحافيتان درة قمبو وشيرين أبو بكر. ومنحت لجنة الانتخابات الصحافيين في الولايات وخارج البلاد، حق التصويت الإلكتروني، والذي انتهى بالتزامن مع التصويت المباشر في مقر الانتخابات في الخرطوم.

وفي تمام الساعة السادسة من مساء السبت حسب توقيت الخرطوم، أعلن رئيس لجنة الانتخابات إغلاق باب الاقتراع، مؤكدا أن الصحافيين السودانيين قاموا بخطوة هامة في عملية البناء الديمقراطي وبناء الحكم المدني الديمقراطي، وقال إنها اتسمت بالشفافية والمنافسة الشريفة.

وبيّن إن «تكوين نقابة الصحافيين ممارسة سليمة متسقة مع القوانين الدولية، التي صادق عليها السودان، وليس فيها أي مخالفة قانونية، لجهة أن النقابة جسم طوعي واختياري».

جاء ذلك ردا على قرار مسجل عام تنظيمات العمل، آمنة كبر، بعدم مشروعية قيام نقابة الصحافيين، بعد طعن مجموعة من الصحافيين المناصرين للاتحادات التي كونها نظام الرئيس المخلوع عمر البشير.

ومع الساعات الأخيرة للاقتراع، انسحب فريق الشرطة المنوط به حراسة مقر الانتخابات، وسط تسريبات بتحركات من السلطة الولائية للهجوم على الصحافيين وإيقاف عملية التصويت، الأمر الذي جعل معظم الصحافيين يتمسكون بالبقاء في مقر الانتخابات حتى نهاية الاقتراع وصولا لعمليات الفرز، وإعلان الفائز بمنصب النقيب، بينما بقي المئات يحرسون الصناديق في انتظار إعلان أعضاء المجلس النقابي.

وبلغ عدد الأصوات في الانتخابات، حسب الفرز الأولي (659) صوتا، منها (596) بالاقتراع المباشر و(63) إلكترونيا، بينما بلغ عدد الأصوات التالفة (64).

وفق لجنة الانتخابات، جاءت نتيجة الاقتراع لمنصب نقيب الصحافيين لصالح مرشح قائمة «وحدة الصحافيين» عبد المنعم أبو إدريس الذي فاز بـ(205) أصوات، بينما حصل مرشح «شبكة الصحافيين» إيمن سنجراب على (158) صوتا، وحل ثالثا ميسرة عيسى عن «التحالف المهني» بـ(101) صوت، وفي المرتبة الرابعة المرشحة المستقلة درة قمبو بـ(86) صوتا.

وقال أبو إدريس، في تصريحات صحافية إن «قائمة الوحدة الصحافية تسعى إلى رسم نموذج للديمقراطية في السودان»، داعيا «المؤسسات الدولية والإقليمية والنقابات على مستوى العالم إلى النظر لتجربة نقابة الصحافيين السودانيين التي تعبر عنهم، ومن ثم التعامل معها باعتبارها الممثل الشرعي للصحافيين السودانيين».

وبيّن أن النقابة «ستمضي في دعم التحول المدني الديمقراطي وحرية التعبير وحقوق الإنسان، ويضع في برنامجه قضايا حقوق الصحافيين والأجور والتدريب والتطوير المهني».

 

يوم عظيم

 

أما مرشح قائمة «التحالف المهني» ميسرة عيسى، فقد أكد، في بيان، أن «يوم 27 أغسطس/ آب الجاري، بانعقاد الانتخابات، كان يوما عظيما وتاريخيا للقاعدة الصحافية العريضة، وهي تلتقط القفاز كواحدة من أول الكيانات ممارسة للانتخابات الحرة في ظل تنافس شريف من أجل بناء نقابة مستقلة تعنى بالدفاع عن حقوق الصحافيين وحمايتهم، وهي تجربة تحتذى لعمال السودان في المؤسسات الأخرى مستندين في ذلك على المادة 87 التي تعطي الحق للعمال في انتخاب نقابتهم دون أخذ الإذن من أي جهة خاصة».

 

نظموا انتخابات رغم التهديدات الأمنية وطعن مناصري البشير

 

ونبه إلى أن «السودان من الدول الموقعة والمصادقة على القانون الدولي لحرية العمل النقابي».

أما المرشحة المستقلة درة قمبو، فقالت : «اليوم (أمس) فاز الصحافيون وقدموا لأنفسهم ما يستحقون، وأسسوا خطوة كبيرة بل قفزة في الضوء».

 

احتفاء واسع

 

ووجدت انتخابات نقابة الصحافيين السودانيين احتفاء واسعا في الأوساط المهنية والسياسية، فقد أكد المكتب الموحد للأطباء السودانيين، مساندته القوية لحق الصحافيين المشروع في تكوين نقابتهم، مستنكرا محاولات تعطيل ممارستهم لهذا الحق.

ودعا للمقاومة الصارمة لكل الممارسات التي تستهدف حرية التنظيمات المهنية والنقابية، مستنكرا قرار مسجل عام تنظيمات العمل بعدم مشروعية تأسيس نقابة الصحافيين، لجهة تعارضه مع الاتفاقيات التي صادق عليها السودان والتي تدعم حرية العمل والتنظيم النقابي.

وقال إن مسجل عام تنظيمات العمل، بمثل هذه التحركات لا يعبر عن استقلالية موقعه ودوره المناط به في ملء الفراغ النقابي، بل يعبر بصورة جلية وواضحة عن رغبات سلطة الانقلاب في سلب الحقوق التي انتُزعت بدماء السودانيين وثورتهم على نظام الإنقاذ الشمولي.

وقالت لجان مقاومة العشرة في الخرطوم، إن «قيام انتخابات نقابة الصحافيين أثبتت لنا أن كل ما يتمناه المرء يدركه» مضيفة: «لقد ثقب الصحافيون الجدار ووصلتنا حزم الضوء».

وتابعت: «اليوم يزيد عزمنا ونستنهض قوانا ونستجمع شتاتنا للمضي قدما في سبيل إقامة دولة العدالة والسلام والحرية ونضع نصب أعيننا تجربة أصحاب السلطة الرابعة وثوارها القابضين على جمر القضية الذين لم يثنهم بطش الآلة القمعية عن الوصول لمبتغاهم وأعادوا للعمل النقابي ألقه في عرس الصحافة الديمقراطي».

وجددت «الدعوة لكل اللجان التسييرية والنقابات لوضع هذه التجربة هادياً لها وأن تستمد مشروعيتها وتفويضها عبر أدوات العمل الديمقراطي وتمضي نحو قيام عمليات إنتخابية وإيقاف اختطاف ومصادرة المنابر النقابية وتجيرها والزج بها في ساحة الصراع السياسي».

 

خطوة مهمة

 

ووفق رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، انتخابات نقابة الصحافيين السودانيين خطوة مهمة في طريق البناء الديمقراطي في البلاد، مؤملا أن تتلوها خطوات مماثلة من بقية القطاعات المهنية.

وأضاف في بيان: «التهنئة للنقيب وأعضاء مجلس النقابة المنتخبين ولكل منسوبي مهنة الضمير الذين شاركوا بالترشح والانتخاب فكلهم فائز بالانحياز للممارسة الديمقراطية».

كما أكد رئيس «الحركة الشعبية التيار الثوري الديمقراطي» ياسر عرمان، أن انتخابات نقابة الصحافيين تعبر عن إرادة الشعب السوداني في طرد ما وصفه بـ« الظلام الدامس» الذي تشهده البلاد في ظل الانقلاب العسكري والشمولية.

وقال في تصريحات صحافية إنها دفعة كبيرة للحياة النقابية والسياسية وتطور مهم يبشر باقتراب خطي الديمقراطية والحكم المدني الديمقراطي في البلاد».

وزارت نائبة رئيس حزب الأمة، وزيرة الخارجية السابقة، مريم الصادق مقر انتخابات الصحافيين، أمس الأحد، والتقت بلجنة الانتخابات وعدد من الصحافيين مشيدة بالتجربة الانتخابية القيمة لاختيار نقابة الصحافيين ومشاركة الصحافيين في الاقتراع.

وأيضا، وصف الأمين العام لحزب «الأمة القومي» الواثق البرير في تغريدة على حسابه في «تويتر» انتخابات نقابة الصحافيين بـ«العرس الديمقراطي» الذي أكد على الممارسة الراشدة للعملية الانتخابية للنقابة.

 

صراع ديمقراطي

 

وطبقا للمتحدثة باسم المجلس المركزي لـ«الحرية والتغيير» سلمى نور» انتخابات الصحافيين «شهدت صراعا ديمقراطيا محتدم الوطيس بين القوائم المختلفة التي جاءت على أساس برامجي بحت، وليس على أساس حزبي» مشيرة إلى ظهور ذلك «بجلاء في طريقة تشكيل القوائم التي تضمنت مهنيين مستقلين وفرقاء في الساحة السياسية».

ولفتت إلى أن «تجربة بناء نقابة الصحافيين ليست الوحيدة من نوعها في بناء الحركة النقابية السودانية بعد سقوط النظام الشمولي ولكنها الأبرز» مؤكدة أن إرادة الصحافيين «جاءت متحدية حالة اللا دولة ورسمت طريق استعادة النقابة بنجاح وسط محفل ديمقراطي لم يشهد له مثيل معظم الحاضرين».

واعتبرت الخطوة «تقدم للحركة النقابية المطلبية والمهنية بوصول الصحافيين إلى آخر النفق وإشعال الضوء لينير الطريق أمام بقية المهنيين والنقابيين لاستعادة قوة الحركة النقابية السودانية».

/////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

وزير الخارجية: سلام لا يستجيب لرغبات أهل السودان لن يقوم.. والميليشيا إلى زوال

القاهرة – السوداني: أكد وزير الخارجية د. محيي الدين، رفض الدولة السودانية أي تسوية سلام …

اترك تعليقاً