بقلم : حسن أبوزينب عمر
لا صوت يعلو هذه الأيام على صوت رافض رفضا قاطعا لصفقة ورائها وزارة المعادن السودانية التي منحت شركة زيجين الصينية حقا حصريا لاستخراج النحاس بولاية البحر الأحمر لمدة 30 عاما مقابل 300 مليون على أن تكتفي الحكومة ب 30 % من صافي الأرباح بعد خصم التكاليف .الرفض ناتج أساسا من سببين الأول الحصة الضيزي للسودان مع طول الاستحقاق (ثلاثون عاما) والمبرر في تقديري ان الحكومة المعزولة التي تتهاوى عملتها الى قاع القاع نظرت يمينا ونظرت يسارا ولم تجد جبلا تأوي اليه من الطوفان الكاسح سوى الاستنجاد بالمثل السوداني الشعبي (المال تلته ولا كنلتو) والثاني ان الصفقة تمت في غياب مجلس تشريعي تابع لحكومة منتخبة .. الذي يلفت النظر هنا ان الرفض هو طبق الأصل (قص لصق) من سيناريو رفض ميناء أبوعمامة (200 كيلومتر) شمال بورتسودان رغم أنه كان مشروعا طموحا متكاملا قويا صلبا كصحن الصيني (لا شق لا طق)
(2)
كانت أهم مرتكزاته انشاء ميناء على البحر ومد طريق مسفلت من ابو عمامة لأبوحمد مع مد أنبوب مياه النيل الى الميناء الجديد قابل للنقل الى بورتسودان لحل الأزمة الأبدية وأخيرا وليس آخر استصلاح مايقارب 200 الف فدان في الولاية الشمالية ..المشروع وجد استحسانا وحماسا من الجميع وبالأخص أهل المنطقة الذي ظلوا يتمرغون في وحل هامش الهامش في غياب تام للدولة منذ أن حفروا البحر . الذي ينبغي أن لا يفوت على أحد هنا والذي لا تختلف عليها عنزتان ان اعتراض الأمس هو أيضا نفس اعتراض اليوم (قص ولصق) وهو غياب مجلس تشريعي يجيز الصفقة الاستثمارية .
(3)
هنا سؤال يفرض نفسه علينا شئنا أو أبينا بعد أن أصبح حالنا وحال السودان أقرب الى الفناء من البقاء هل لو أجيز المشروع وتم تنفيذه بدلا من انتظار (جودو) اسم الدلع للمجلس التشريعي هل كانت امارات محمد بن زايد ستغامر بوضع يدها في يد المرتزق المأفون حميدتي لنسف مقدرات السودان التي تم تشييدها منذ عشرات السنين ؟ ..أو لم يكن في الامكان أن يلعب ميناء أبو عمامة دورا للجم الدولة الخليجية لاتخاذ موقف أكثر تحفظا من تسخير كل امكانياتها لتدمير السودان دمارا شاملا قدر أكثر المتفائلون كلفة اعادة تعميره ب 800 مليار دولار وهي تبحث عن مصالحها الاقتتصادية ؟ أقول كل هذه أسئلة مشروعة وان كانت مفتوحة لكل الاحتمالات .
(4)
أنا من الرافضين لاتفاقية التنقيب عن النحاس طالما ورائها مجموعة اتفاقية جوبا ومن لف لفهم ولكن بتفس القدر أرفض الجلوس (قرفصاء) في محطة منسية انتظارا دون أمل لقطار مجلس تشريعي لن يأتي فالوضع في غاية التعقيد بل أكثر تعقيدا مما قاله جون قرنق ذات مرة
It is too deformed to be reformed
انه مشوه بصورة يستحيل اصلاحها) . النتيجة ان البحث عن عامل مشترك يجمع أهل السودان على صعيد واحد أشبه بالبحث عن حظ ادريس جماع اذ يقول
ان حظي كدقيق فوق شوك نثروه ثم قالوا لحفاة يوم ريح أجمعوه فالخلافات هي سيدة الموقف حتى في قضايانا المحلية وهي قضايا تمر هادئة مرور الكرام في العالم الخارجي حولنا حتى في الدول والمجتمعات المحلية التي نتفوق عليها في النمو.
(5)
لكن هذا لا يحدث في السودان فقد فجرت قضية هامشية صغيرة خاصة بضرورة التباعد في الصلاة في المساجد أيام احتدام الكورونا وهي قضية لا يلتفت اليها ولا يختلف عليها اثنان في الخارج جدلا واسعا انتهى بتهديد امام مسجدنا بالمسجد العتيق في ترانسيت احد الاحياء التي تحمل لقب الراقية بترك امامة المصلين في حالة تنفيذ التباعد وحينما وصلنا لطريق مسدود أصدر الوالي قرارا بمنع الصلاة في بيوت الله ناهيك عن تهديد جبريل ومناوي بالعودة الى الغابة حال مراجعة نصوص اتفاقية جوبا . . السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل تعود الخلافات والصراعات السرمدية التي تمسك بخناقنا منذ أن أبصرنا النور الى أننا أحفاد 8 قبائل تعتبر الأكثر حسدا من جملة 10 هاجرت من الجزيرة العربية الى السودان كما يقول الدكتور عبد الله الطيب ؟ لا أدري ..هل السودان حالة خاصة من غياب الانتماء الوجداني للوطن لصالح القبيلة أو الطائفة أو الحزب كما يقول المؤرخ الفرنسي جيرلر برونييه ؟ الاجابة ربما ولكن المؤكد ان رئيسنا البرهان حريف في اللعب على حبل الخلافات الحزبية حينما بخاطب منازعيه على السلطة بكلمة حق أريد بها باطل حينما يقول لهم (أمشوا اتفقوا وتعالوا) .
(6)
خلاصة القضية توجز في عبارة انه حتى لو حدث اجماع على رفض الاتفاقية المبرمة بشأن التنقيب عن النحاس في ولاية البحر الأحمر فالأكثر أهمية هو الاتفاق على ماذا نريد وذلك بتحديد نسب محددة يتم الاتفاق عليها فيما يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية ودور عائدات التنقيب عن المعادن في توفير فرص العمل وتقديم الخدمات الضرورية حتى في مستوياتها الدنيا لانسان منطقة تعتبر الأقل حظا في التنمية في كل السوودان .
مدخل للخروج
اذا قلنا ان تنفيذ مثل هذه المشروعات المشبوهة بمعزل عن مصالح الشعوب المنسية لن يمر بالقوة الجبرية فأقولها بالفم المليان ان التشظيات والفرقة وغياب وحدة الصف والكلمة والاكتفاء بالتنظير في قضايا جوهرية مصيرية تعتتبر حياة أو موت لانسان يفترش الأرض ويلتحف السماء هو حرث في بحر .
oabuzinap@gmail.com
