من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
الطاقة البديلة: شريان اقتصاد المستقبل بين العلم والسياسة والأرقام
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
في القرن الحادي والعشرين لم يعد النقاش حول الطاقة البديلة رفاهية بيئية أو حلمًا بعيد المنال، بل أصبح سؤالًا اقتصاديًا وجوديًا يحدد مكانة الدول في النظام العالمي. بينما ترتفع حرارة المناخ وتشتد تقلبات أسعار النفط والغاز، يتسابق العالم نحو مصادر نظيفة ومستدامة: الشمس، الرياح، والمياه، وحتى الهيدروجين الأخضر. إن التحول الطاقي اليوم ليس مجرد انتقال تقني، بل إعادة تشكيل لميزان القوى الاقتصادية والسياسية.
أولًا: ملامح التحول – قراءة في كتاب “الطاقة المتجددة: قوة من أجل مستقبل مستدام”
يعد كتاب Godfrey Boyle “Renewable Energy: Power for a Sustainable Future” (2012، 570 صفحة) مرجعًا أكاديميًا كلاسيكيًا في مجال الطاقة المتجددة.
يكشف Boyle أن تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية انخفضت بأكثر من 85% بين عامي 2010 و2020، لتصل في بعض المشاريع الضخمة إلى أقل من 0.02 دولار لكل كيلوواط/ساعة، مقارنةً بما يزيد عن 0.10 دولار للكيلوواط/ساعة من النفط أو الغاز. هذه الأرقام تعكس ثورة حقيقية في قدرة الطاقة البديلة على منافسة الوقود الأحفوري.
ثانيًا: البعد الجيوسياسي – قراءة في كتاب “الطاقة لرؤساء المستقبل”
في كتابه Richard A. Muller “Energy for Future Presidents” (2012، 400 صفحة)، يوضح المؤلف أن الطاقة هي “قرار سياسي بامتياز”. فكما رسم النفط معادلة القوة في القرن العشرين، ستعيد الطاقة المتجددة رسم الخريطة في القرن الحادي والعشرين.
اليوم، الصين تسيطر على أكثر من 70% من صناعة الألواح الشمسية عالميًا، بينما تسعى الولايات المتحدة وأوروبا للحاق بالسباق عبر الاستثمار في الهيدروجين الأخضر والتخزين المتقدم. إن امتلاك التكنولوجيا لا يقل أهمية عن امتلاك المصادر الطبيعية نفسها.
ثالثًا: بين الشمال والجنوب – فجوة واضحة وأمل قائم
تشير تقارير البنك الدولي إلى أن أوروبا تولد أكثر من 22% من كهربائها من مصادر متجددة، بينما لا تتجاوز النسبة في أفريقيا جنوب الصحراء 7%. الفجوة هنا ليست في الموارد الطبيعية، بل في التمويل والبنية التحتية والسياسات.
غير أن هذه الفجوة تفتح مجالًا للقفز: فبينما أنفقت الدول المتقدمة مليارات الدولارات في تطوير شبكاتها، يمكن لدول الجنوب – بفضل التكنولوجيا الرخيصة نسبيًا اليوم – أن تدخل السباق بتكلفة أقل، متجاوزة عقودًا من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
رابعًا: السودان كحالة رمزية
يمتلك السودان متوسط إشعاع شمسي يتجاوز 6 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يوميًا، وهي من أعلى النسب عالميًا. كما أن أراضيه الشاسعة قادرة على احتضان محطات رياح شبيهة بتلك التي بنتها مصر في خليج السويس.
لكن التحدي يكمن في التمويل، حيث إن بناء محطة طاقة شمسية بقدرة 500 ميغاواط يتطلب استثمارات قد تصل إلى 500 مليون دولار. إذا وُجدت الإرادة السياسية والشراكات مع القطاع الخاص، يمكن للسودان أن يتحول من مستورد للطاقة إلى مصدر إقليمي، مستفيدًا من موقعه الجغرافي الرابط بين أفريقيا والعالم العربي.
خامسًا: الدروس المستخلصة – بين الاستثمار في النفط والبدائل
تكلفة إنتاج برميل نفط واحد اليوم قد تتجاوز 50 دولارًا في بعض الحقول، بينما الطاقة الشمسية أو الرياح توفر كلفة كهرباء أرخص بكثير وأكثر استقرارًا. الأهم من ذلك، أن هذه البدائل لا تخضع لتقلبات السوق أو التوترات الجيوسياسية كما هو الحال مع النفط.
الخاتمة: الطاقة كعملة المستقبل
إذا كان القرن العشرين هو قرن النفط، فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن الطاقة البديلة. إنها ليست مجرد كهرباء نظيفة، بل “عملة المستقبل” التي ستحدد ترتيب الدول في سلم الاقتصاد العالمي.
بينما يسير الشمال في مساره السريع، لا تزال أمام دول الجنوب فرصة ذهبية لتبني هذا التحول، لكن بشرط الإرادة السياسية، وضبط الأولويات، واستثمار الطاقات البشرية والمالية في البنية التحتية الخضراء.
إنها لحظة مفصلية: من يسبق اليوم سيكتب غدًا معادلة القوة الاقتصادية الجديدة.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم