الظل الذي لا يعود

خيط النور
لم يكن نائمًا، وأنا أعرف ذلك تمامًا.
أمي كانت تقول: “الذين لا ينامون تعرفهم الجدران”، وكنت أضحك… الآن صرتُ جدارًا.
هو هناك، خلف الباب الموصد. لا صوت، فقط ضوء أزرق يتسلل من أسفل الباب، وصوت الهاتف يهمس بأزيز، كأن الغرفة تتنفس بدونه.
أعرف جلسته، انحناءة كتفيه، إصبعه الذي يمرر الشاشة بسرعة وبلا نهاية، كمن يبحث عن شيء لا يعرف اسمه. أعرف أنه لا ينام… لكنه أيضًا لا يصحو.
لم أعد أطرق باب صمته. كنتُ أفعل. أطرق بكلمة خفيفة، بنصف ابتسامة، أو بطبقٍ من الملوخية التي يحبها، أتركه قرب الباب وأنتظر أن يناديني… لكنه كان يفتح الباب قليلًا، يأخذ الطبق، ويغلقه كما لو أنني لستُ جزءًا من هذا البيت. كنت أقول لنفسي: هو متعب، هذا كل ما في الأمر. وأنا… عليّ أن أكون راحة صبره.
لكن التعب طال، والراحة لم تعد تجد مكانًا تجلس فيه. تعلّمتُ معه ومنه، الصمت. لم أكن أعرف أن للصمت طعمًا… مالحًا، يلتصق بالحلق، ككلمة لم تُقل في وقتها. لم أعد أسأله أين يذهب، ولا لماذا لا يجلس معي طويلًا، ولا متى آخر مرة نظر إليّ دون استعجال. صار كل شيء يحدث… دوني.
في الصباح، يمرّ بجانبي نحو المطبخ، يفتح الثلاجة، يغلقها، يسأل الأطفال عن واجباتهم، ولا يسألني إن كنتُ قد نمتُ جيدًا.
أحيانًا يحدّثني، لكن كمن يراجع قائمة أشياء:
“المدرسة؟”
“الكهرباء؟”
“المصاريف؟”
أجيبه، وأنتظر جملة أخرى… لا تأتي. فقد باتت الكلمات بيننا تؤدي وظيفة فقط، ثم تنصرف. لم أعد أنتظر أن يلمس يدي، لكنني، دون أن أشعر، أتعمد تركها قريبة… على طرف الطاولة، ربما يلاحظها صدفة.
لكنه، لا يلاحظ!
في المساء، نجلس في نفس الغرفة، هو أمام الشاشة، وأنا أمامه. الضوء ينعكس على وجهه، يغيّر ملامحه كل لحظة، وأنا أحاول أن أتذكر أيها هو.
في مرة، ضحك. ضحكة قصيرة، مفاجئة. نظرتُ إليه بسرعة، ظننت أنه سيشاركني السبب، لكنه تابع النظر إلى هاتفه، فتلك الضحكة اليتيمة لم تكن لي، سألته، اضحكني معك! لكنه اكتفى بالصمت وانكب على هاتفه يتابع ابتسامته!
في تلك الليلة، حملتُ هاتفي أنا أيضًا. لم أفعل ذلك من قبل بهذه الطريقة. كتبتُ لصديقة قديمة:
“هل أنتِ مستيقظة؟” تأخرتْ في الرد.
وخلال الانتظار، شعرتُ بشيء يتكسر داخلي… ببطء. كتبتُ مرة أخرى، ثم مسحتُ الرسالة، ثم أعدتُ كتابتها بشكل آخر، فقد كنت أبحث عن صيغة لا تفضحني.
حين ردّت، سألتني ببساطة: “خير؟”
لم أعرف كيف أشرح كل هذا بكلمة واحدة.
اكتفيتُ بـ: “لا شيء… فقط اشتقكِ.”
لكني حزني تسلل في تفاصيلي، وبلل شاشتي، حتى غامت رؤيتي وتُشوّهت أحرفي، أنكرت دموعي كأنها لا تخصّني. مسحتها بسرعة، كأن أحدًا قد يراني. أغلقتُ المحادثة، وفتحتُ شيئًا آخر… وصفة طعام، ثم قائمة مهام، ثم فيديو عابر. كنتُ أتنقل بين أشياء لا أريدها، فقط لأهرب من شيء أعرفه جيدًا. منذ تلك الليلة، صرتُ أجد لنفسي أماكن صغيرة أختبئ فيها. مرة في مكالمة طويلة لا أقول فيها شيئًا مهمًا، مرة في ترتيبٍ مبالغ فيه للمطبخ، مرة في إعادة طيّ ملابس نظيفة أصلاً، فقد كنت أخلق لنفسي عالمًا دقيقًا… يمكنني السيطرة عليه. عالم لا أبواب مغلقة فيه، ولا ضوء أزرق يتسلل من تحته.
في البداية، كان ذلك يريحني قليلًا. ثم بدأ يُرعبني. لأنني… في كل مرة أبتعد خطوة، كنت أكتشف أنني أستطيع الاستمرار دون أن ألتفت. وهذا ما لا أريده. أفكر أحيانًا أن أقول له ذلك، لكن الكلمات حين تصل إلى فمي… تفقد معناها. كيف أشرح له أنني فقط لا أريده أن يحبني أكثر، فقط أن… يراني؟ أن يقول اسمي دون أن يمرّ عليه مرورًا سريعًا، أن يجلس بقربي دون سبب، أن يسأل سؤالًا لا ينتظر له إجابة سريعة. لكنني لا أقول.
في الليل، يعود إلى غرفته.
يُغلق الباب. يبقى الضوء الأزرق تحت الباب… وأبقى أنا خارجه. أمدّ يدي أحيانًا نحو المقبض، لكنها تبقى معلّقة في المسافة بيننا… كأنني أتحسّس وجوده من بعيد.
ثم أسحبها قبل أن ألمسه. لا أدري متى بدأ هذا كله، ولا متى صار الصمت ظلًا ثالثًا في هذا البيت. لكنه الآن هنا. يتسلل بيننا بهدوء، ويراقبنا.
وأحيانًا… أشعر أنه الوحيد الذي يعرفنا حقًا.

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد …