م. هيثم عثمان إبراهيم
مدخل: على مفترق طرق الذاكرة
تجد الأمم التي مزقتها الحروب والانتهاكات الجسيمة نفسها، حتماً، على مفترق طرق ذاكرتها. إنه مفترق وجودي يطرح سؤالاً واحداً بصيغ متعددة: ماذا نفعل بهذا الإرث من الألم؟ هل نستخدمه وقوداً لصناعة ثأرات متوارثة، أم نحوله إلى أساس لبناء عدالة تشتري لنا المستقبل؟
إن الإجابة على هذا السؤال لا تحدد فقط مصير الجناة والضحايا، بل ترسم ملامح العقد الاجتماعي، وتحدد ما إذا كانت الدولة القادمة ستكون مشروعاً للتعايش أم ساحة لحروب أهلية مؤجلة.
في السياق السوداني، يكتسب هذا السؤال كثافة مأساوية. فالذاكرة الوطنية مثقلة بطبقات متراكمة من العنف، من حروب الجنوب، ومجازر دارفور وجبال النوبة، إلى فض اعتصام القيادة العامة، وصولاً إلى الفظائع الممنهجة التي ارتكبت في حرب الخامس عشر من أبريل. هذا التراكم خلق شعوراً عميقاً بالمرارة، وجعل من مطلب “المحاسبة” مطلباً مركزياً.
لكن تحت هذه اللافتة المشروعة، تختبئ رؤيتان متناقضتان للمستقبل: رؤية ترى في المحاسبة قصاصاً وانتقاماً يهدف إلى إشباع الغضب، ورؤية أخرى ترى فيها عملية مؤسسية تهدف إلى بناء السلام.
يهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه الجدلية، ليس الهدف تبسيط الجرح أو تبرير الجريمة، بل تقديم تحليل موضوعي يساعد على فهم الفارق الجوهري بين منطق الثأر ومنطق العدالة، وتوضيح لماذا يمثل الخيار الأول انتحاراً وطنياً، بينما يمثل الثاني الطريق الوحيد الممكن، رغم صعوبته، لبناء دولة قابلة للحياة.
في تشريح المفاهيم: الهوة السحيقة بين العدالة والثأر
لفهم أبعاد المعضلة، لا بد من تجاوز التعريفات السطحية والتعمق في الأسس الفلسفية والقانونية التي تفصل بين العدالة والثأر. إنهما ليسا وجهين لعملة واحدة، بل هما نقيضان لا يجتمعان.
الثأر (Revenge) هو رد فعل غريزي، عاطفي، وشخصي. محركه الأساسي هو الألم والرغبة في إيقاع أذى مماثل بالطرف الآخر لإعادة التوازن النفسي للفرد أو الجماعة المكلومة.
الثأر لا يهتم بالقانون أو الإجراءات، بل بتحقيق القصاص الفوري.
وهو بطبيعته “غير متناسب”، فغالباً ما يتجاوز حجم الفعل الأصلي، و”غير تمييزي”، إذ يستهدف الجماعة التي ينتمي إليها الجاني (العائلة، القبيلة، الإثنية) وليس الفرد المرتكب للجريمة.
من هذا المنطلق، فإن الثأر لا يغلق دائرة العنف، بل يفتحها على مصراعيها، مؤسساً لــ”صناعة الثأرات المتوارثة” التي تنتقل عبر الأجيال.
أما العدالة (Justice)، فهي مفهوم مؤسسي، عقلاني، وغير شخصي. هدفها ليس إشباع رغبات الضحايا، بل حماية المجتمع بأسره عبر تأكيد سيادة القانون.
العدالة، كما يراها فلاسفة العقد الاجتماعي، هي تنازل الأفراد عن حقهم في ممارسة العنف الخاص لصالح الدولة، التي تحتكر هذا الحق وتطبقه وفقاً لقواعد مجردة وعامة.
العملية القضائية، بإجراءاتها المعقدة (التحقيق، الأدلة، الدفاع، المحاكمة العلنية)، ليست مجرد شكليات، بل هي ضمانات لمنع تحول المحاسبة إلى انتقام.
العدالة تسعى إلى “الفردنة”، أي تحديد المسؤولية الجنائية الفردية، لتجنب العقاب الجماعي. وغايتها النهائية ليست الماضي، بل المستقبل وردع الجرائم المماثلة، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات، وترميم النسيج الاجتماعي.
يكمن الفارق الجوهري في المحرك والغاية. فبينما تنطلق العدالة من العقل وسيادة القانون بهدف حماية المجتمع والمستقبل، ينطلق الثأر من العاطفة والألم بهدف إشباع رغبة الضحية في الماضي.
هذا الاختلاف يمتد إلى الوسيلة والمسؤولية، فالعدالة تستخدم مؤسسات محايدة وإجراءات قانونية لتحديد المسؤولية الفردية للجاني، بينما يلجأ الثأر إلى العنف المباشر الذي يستهدف جماعة الجاني بأكملها.
وفي نهاية المطاف، يؤدي مسار العدالة إلى كسر حلقة العنف وبناء السلام، في حين أن مسار الثأر لا يورث إلا الكراهية ويصنع حروباً أهلية.
سيكولوجيا الثأر وسياسة المظلومية
إن فهم خطورة دعوات الانتقام يتطلب الغوص في جذورها النفسية والاجتماعية.
الرغبة في الثأر ليست انحرافاً أخلاقياً، بل هي استجابة إنسانية أولية للشعور العميق بالعجز والإهانة الذي تخلفه الجرائم الجسيمة. إنها محاولة يائسة من الضحية لاستعادة الشعور بالفاعلية والكرامة عبر قلب الأدوار، وتحويل المعتدي إلى ضحية. هذا الشعور يتضخم في سياق غياب الدولة ومؤسساتها، حيث يشعر الفرد أنه لا يوجد من يحميه أو يأخذ له حقه سوى انتمائه الأولي (القبيلة أو العشيرة).
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه الغريزة الفردية إلى “رأس مال سياسي”. يقوم “تجار المظلومية” و”أمراء الحرب” باستثمار هذا الألم الجماعي وتوظيفه في مشاريعهم السياسية. يتم ذلك عبر آليات محددة، منها صناعة الذاكرة الانتقائية التي تركز على مظلوميات جماعة معينة وتتجاهل مظلوميات الآخرين، وشيطنة الآخر عبر تجريده من إنسانيته لتسهيل استهدافه، وتحويل الصراع من كونه صراعاً سياسياً حول السلطة والموارد إلى صراع وجودي وهوياتي.
هذا هو بالضبط ما حدث في رواندا، حيث قام المتطرفون الهوتو بتوظيف مظلومية تاريخية لتبرير إبادة جماعية ضد التوتسي.
وهو ما حدث في يوغوسلافيا السابقة، حيث تم استدعاء معارك تاريخية تعود لقرون لتجييش الصرب والكروات والبوسنيين ضد بعضهم البعض.
إن التاريخ يقدم لنا برهاناً دامغاً وهو عندما تصبح “المظلومية” هي الأيديولوجية الحاكمة، وتصبح “الذاكرة” أداة للحشد وليست للتعلم، فإن النتيجة هي حرب أهلية شاملة.
العدالة الانتقالية كخيار عقلاني لشراء المستقبل
إذا كان طريق الثأر هو طريق مسدود يؤدي إلى الانتحار الوطني، فإن البديل العملي والواقعي الذي طورته البشرية للتعامل مع هذا النوع من المآسي هو العدالة الانتقالية (Transitional Justice).
هذا المفهوم لا يقدم وصفة سحرية، بل هو إطار عمل مرن يهدف إلى تحقيق توازن صعب بين مطلب المحاسبة وضرورة السلام، بين حقوق الضحايا ومتطلبات بناء الدولة.
إن جوهر العدالة الانتقالية هو الاعتراف بأن آليات العدالة الجنائية التقليدية وحدها غير قادرة على معالجة الإرث المعقد للانتهاكات الجماعية. ولذلك، فهي تقوم على مقاربة شمولية ومتكاملة تجمع بين أربعة أهداف مترابطة هي الحق في معرفة الحقيقة، والحق في العدالة والمحاسبة، والحق في جبر الضرر للضحايا، وضمانات عدم التكرار.
إن أول خطوة نحو الشفاء هي الاعتراف الرسمي والموثق بما حدث عبر لجان الحقيقة والمصالحة، التي تمنح الضحايا اعترافاً بمعاناتهم وتساهم في بناء ذاكرة مشتركة. ثم يأتي الحق في العدالة والمحاسبة، الذي يركز على كبار المسؤولين عن الجرائم عبر محاكم وطنية أو دولية أو هجينة، بهدف تحقيق الردع وتأكيد سيادة القانون.
ولا تكتمل العدالة دون برامج جبر الضرر التي تعيد الاعتبار لكرامة الضحايا عبر التعويضات وإعادة الإعمار.
وأخيراً، تأتي ضمانات عدم التكرار كهدف استراتيجي يربط الماضي بالمستقبل عبر إصلاحات مؤسسية عميقة، وعلى رأسها إصلاح القطاع الأمني والقضاء والمناهج التعليمية.
دروس من التجارب الدولية: بين النجاح والإخفاق
إن الحديث عن العدالة الانتقالية لا يكتمل دون استعراض التجارب الدولية التي سبقتنا في هذا المسار. هذه التجارب، بنجاحاتها وإخفاقاتها، تقدم لنا خارطة طريق ثمينة، وتساعدنا على تجنب الأخطاء التي وقع فيها الآخرون.
تُعدّ تجربة جنوب أفريقيا بعد نظام الفصل العنصري النموذج الأشهر، حيث قدمت لجنة الحقيقة والمصالحة منصة للاعتراف مقابل العفو، ونجحت في تجنب حمام دم متوقع، مقدمةً درساً مفاده أن كشف الحقيقة قد يكون أحياناً بديلاً عن العقوبة الصرفة من أجل تحقيق المصالحة الوطنية.
أما تجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية، فتقدم نموذجاً مختلفاً. في مواجهة تحدي محاسبة مئات الآلاف، لجأت رواندا إلى محاكم “الجاكاكا” التقليدية، وهي محاكم مجتمعية ركزت على الاعتراف والمصالحة، وأظهرت أن آليات العدالة المحلية يمكن أن تكمل العدالة الرسمية في سياقات الجرائم الجماعية الواسعة.
تجربة كولومبيا هي الأحدث والأكثر صلة بالسياق السوداني، فبعد حرب أهلية طويلة، تضمن اتفاق السلام نظاماً متكاملاً للعدالة الانتقالية، يشمل محكمة سلام خاصة تقدم عقوبات مخففة لمن يعترفون بجرائمهم.
الدرس الكولومبي هو أن السلام المستدام يتطلب تنازلات صعبة من الجميع، وأن إنهاء الحرب قد يقتضي قبول أشكال من العدالة أقل من المثالية.
نحو رؤية سودانية للعدالة والسلام
إن استلهام التجارب الدولية لا يعني استنساخها حرفياً، فلكل سياق خصوصيته. السودان يحتاج إلى بناء نموذجه الخاص للعدالة الانتقالية، نموذج يراعي تعقيدات الواقع السوداني ويستفيد من تراكم التجارب والحروب والفشل السابق.
هذا النموذج يجب أن يقوم على عدة مبادئ، أهمها الاعتراف بتعدد المظلوميات، والتمييز بين مستويات المسؤولية، والجمع بين العدالة الجنائية والتصالحية، وربط العدالة بالتنمية، وبناء ذاكرة وطنية مشتركة.
خاتمة : شراء المستقبل بثمن الحكمة
إن السودان اليوم يقف على مفترق طرق تاريخي:-
الطريق الأول، طريق الثأر والانتقام، هو طريق مغرٍ لأنه يعد بإشباع فوري للغضب والألم. لكنه طريق مسدود، نهايته معروفة سلفاً: المزيد من الدماء، والمزيد من المظلوميات، والمزيد من التفكك، حتى لا يبقى وطن يُتقاتل عليه.
الطريق الثاني، طريق العدالة المؤسسية، هو طريق صعب وطويل ومليء بالتحديات. إنه يتطلب من الجميع تنازلات مؤلمة، ويتطلب صبراً وحكمة ومؤسسات. لكنه الطريق الوحيد الذي يمكن أن يقود إلى سلام حقيقي ومستدام، سلام لا يقوم على موازين القوى العسكرية، بل على عقد اجتماعي جديد يعترف بحقوق الجميع ويحمي كرامة الجميع.
إن اختيار طريق العدالة لا يعني التفريط في حقوق الضحايا أو منح الجناة صك براءة. بل يعني أننا كأمة قررنا أن نتعامل مع إرث الماضي بطريقة تبني المستقبل بدلاً من أن تهدمه.
يعني أننا اخترنا أن نكون أكبر من جراحنا، وأن نرفض أن نكون أسرى لدائرة العنف الجهنمية.
إن وقف الحرب ليس نهاية المطاف، بل هو بداية مسار طويل من بناء السلام.
والسلام الحقيقي لا يُبنى على الرمال، بل على أساس متين من العدالة والمصالحة والإصلاح المؤسسي. هذا هو الثمن الذي يجب أن ندفعه لشراء مستقبل أطفالنا، وهو ثمن باهظ، لكنه أقل بكثير من ثمن الاستمرار في طريق الثأر والدمار.
إن السودان يستحق أن يعيش، ويستحق أن يُبنى على أسس سليمة تستفيد من كل هذا التراكم المؤلم من التجارب والحروب والفشل.
والخطوة الأولى في هذا الطريق هي أن نختار، بوعي وإرادة، العدالة على الثأر، والمستقبل على الماضي، والبناء على الهدم.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم